رجل الشيدر 

لـ

 

[1]Cheddar Man

(الصورة نقلا عن موقع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي ببريطانيا)

 

لا يرتبط الرجل الذي سوف نتحدث عنه هنا بجبن الشيدر المعروف؛ ما عدا أنهما ينتميان إلى قرية شيدر – Cheddar  التابعة لمقاطعة Sedgemoor البريطانية. ففي عام 1903 وبأحد كهوف هذه القرية تم العثور على هيكل لرجل مجهول أطلقوا عليه اسم ( رجل الشيدر). ومنذ ذلك الحين أجريت العديد من الأبحاث العلمية في كافة فروع العلوم على ذلك الرفات. وتُقدر الأبحاثُ أن هذا الرجل عاش قبل 10 آلاف عام وهو أقدم هيكل للإنسان العاقل من العصر الحجري المتوسط يتم اكتشافه في بريطانيا. يقدر طول هذا الرجل ب 166 سنتيمترا، وقد توفي في العشرينيات من عمره. وفي ذلك الزمان كانت بريطانيا غير منفصلة عن أوروبا كما هي الآن؛ بل كانت متصلة جغرافيا بها، فأوروبا في ذلك الوقت كانت منطقة ممتدة كثيفة الغابات. وكحال غيره من رجال ذلك العصر كان هذا الرجل صيادًا وجامعًا للحبوب والمكسرات فلم تكن الزراعة قد دخلت للمنطقة بعد. وقد اقتصر غذاؤه على الحبوب وأسماك المياه العذبة وما يصيده من غزلان بالإضافة إلى الأوروكس aurochs وهو نوع من الثيران الكبيرة التي انقرضت. ومن غير المستغرب أن نعلم أن جسم هذا الرجل لا يستطيع هضم الحليب ومشتقاته بسبب غياب الزراعة عن أوروبا في ذلك العصر. فالحليب عرفه الإنسان بعد أن عرف الزراعة وكيفية تربية الحيوانات، بينما قبل ذلك كان لا يأكل سوى ما يجمعه من حبوب وما يصطاده من حيوانات. فالنظام الغذائي لأي عصر تحدده الظروف البيئية والمهن والمهارات التي يتعلمها البشر، والتي تتطور بمرور الأيام. كما أن لون عيون رجل الشيدر الزرقاء وبشرته السمراء أثارت العلماء، إذ قال الباحث الدكتور توم بوث: إن ما نراه اليوم من بشرة سمراء وعيون زرقاء لهذا الرجل يثبت أن ليس هناك بالضرورة شبه بين السكان الحاليين لأي بلد وبين أسلافهم الذين سبقوهم. كما يمكننا الاستنتاج أن اللون الفاتح للعيون أتى إلى سكان هذه المنطقة قبل البشرة الفاتحة التي لم تأتِ إلا بدخول الشعوب المهاجرة من الفلاحين، التي أدخلت الزراعة إلى المنطقة.

وكما لتحليل الرفات من أهمية في معرفة تفاصيل حياة هذا الرجل ولأي زمن يعود؛ فإن للموقع الذي عُثِرَ فيه على الرفات أهمية كبيرة في معرفة الكثير من التفاصيل، فمثلاً وجود رفات هذا الرجل في كهف له دلالات عن الفترة التي عاش فيها هذا الرجل؛ إذ كانت الكهوف تستخدم كمقابر جماعية؛ إلا أن حالة رجل الشيدر تعدّ استثنائية مما هو متعارف عليه في تلك الفترة، فقد عُثر على رفاته وحيداً في ذلك الكهف. وقام العلماء بترجيح عدد من الاحتمالات حول هذا الأمر منها: أن يكون أقرانه دفنوه لوحده في ذلك الكهف، وهذا قد يدل على تميّز هذا الرجل عنهم لمكانة يحملها، وما شابه، أو أن يكون مات وحيدًا في ذلك الكهف، ودفنته عوامل الطبيعة مع مرور الوقت.

 

 

 

كيف تم إعادة تشكيل رأس هذا الرجل بتلك الدقة ؟

لقد أثار الكشف عن مجسم رأس هذا الرجل الكثير من الاهتمام؛ ليس فقط لكونه يضع أمامنا شكل وملامح رجل عاش قبل 10 آلاف عام؛ ولكن لاحتوائه على تفاصيل بالغة الدقة كلون البشرة والعينين والشعر. فكما ترون في الصورة رجل الشيدر يملك بشرة سمراء اللون، وهو ذو عيون زرقاء. ويعود الفضل في هذا إلى الحمض النووي  ( DNA ) الذي تم أخذه من الرفات العظمية التي تم العثور عليها. ولعلكم ستتعجبون من قدرة هذا الحمض على البقاء رغم مرور عشرات الألوف من السنين. في الحقيقة إن أمر حفظ الحمض النووي طيلة هذه الفترة ليس بالأمر الشائع، فالحمض النووي معرض للتلف إذا كانت العوامل البيئية غير مناسبة كشدة الحرارة والجفاف. وفي حالة رفات رجل الشيدر فقد حصل على عوامل حفظ طبيعية مثالية، فالجو البارد والرطب داخل الكهف ساهم بشكل كبير في حفظ الحمض النووي. ويقوم العلماء في العادة بأخذ عينات الحمض النووي من عظام معينة تمتاز بالسماكة والعمق. وتعد الساق وعظام الأسنان من أكثر العظام التي يستهدفها العلماء من أجل دراسة الحمض النووي؛ غير أن هذا التوجه تغير في السنتين الأخيرتين فأصبح العلماء يستهدفون عظام الصدغ والعظم الداخلي للأذن، فهي تعدّ من أعمق العظام التي تحتفظ بالحمض النووي بشكل أكبر من غيرها. وقد قام العلماء بإجراء فحص للحمض النووي واستخلاص كافة البيانات منه، ثم تم تحويل هذه المعلومات إلى مختبر البيانات الحيوية الذي قام بدوره برسم مخطط لشكل رأس رجل الشيدر على ضوء البيانات التي تم استخلاصها من حمضه النووي. بعد ذلك تم إرسال هذا التصميم التقريبي إلى فريق مختص في صنع مجسمات ثلاثية الأبعاد لبقايا الحفريات الحيوية، فقام أعضاء الفريق بدورهم بإجراء مسح ثلاثي الأبعاد لجمجمة هذا الرجل، ثم وضعوا كافة التفاصيل الأخرى عليها.

أسئلة تموت .. وأخرى تحيا

صورة رأس رجل الشيدر التي نراها أمامنا اليوم هي نتاج لعمل وجهد استغرق عشرات السنين، وقد أجاب عن أسئلة كثيرة تتعلق بالعصر الذي عاش فيه هذا الرجل ، كما انه أثار أسئلة جديدة يتم نقاشها حالياً في بريطانيا – كونها المكان الذي عثر فيها هذا الاكتشاف- ومن أهمها: هل البريطانيون الحاليون ينحدرون من سلالة هذا الرجل؟  ويجيب العلماء أن البريطانيين اليوم يحملون 10% فقط من الجينات الأوروبية التي ينحدر منها رجل الشيدر، ولا يعدّ هذا الرجل  بأي حال من الأحوال سلفًا مباشرًا من أسلافهم. ويعتقد العلماء أن من عاشوا في فترة العصر الحجري المتوسط التي ينتمي لها هذا الرجل قد حل محلهم كلياً الفلاحون الذي استوطنوا بريطانيا لاحقاً.

 

______________________

[1]  المقال ترجمة تلخيصية لموضوع نشره موقع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي ببريطانيا. للاستزادة يرجى زيارة الموقع الآتي:

http://www.nhm.ac.uk/discover/cheddar-man-mesolithic-britain-blue-eyed-boy.html

0 539 14 مارس, 2018 الثالث والتسعون, ثقافة وفكر مارس 14, 2018