على خطى خالد وتعويبات ظله

لـ

 قراءة في رواية” تعويبة الظل” للكاتب سعيد بن سلطان الهاشمي

 

مدخل

 

” أما مؤلف السيرة الذاتية فلا يستطيع أن يتظاهر بعدم معرفة ما يعرفه” جورج باي

أنا خالد، سأحدثكم عن نفسي قليلا، بالقدر الذي تسمح به قوانين الحرية الصارمة في هذا الكون، بداية أحب أن أذكركم بأن لي عدة أسماء وألقاب، قد لا أستطيع أن أذكرها لكم دفعة واحدة ولكني سأحاول بقدر ما أستطيع أن أذكرها مرحلة مرحلة، وحسب تسلسل أيامي التي عشتها فيما يسمى بأيام الربيع العماني، مستذكرا أيام طفولتي ونشأتي.

وقبل الدخول في معمعة تلك الأيام، علّني سأركز في حديثي هنا عن التحولات التي أحدثها الزمن والأحداث وأثرت كثيرا في شخصيتي، ربما مستثمرا في سردي لهذه الحكايات خفة ظلي في الكتابة وطريقتي الخاصة في سرد الحكاية، مستلهما من التاريخ وواقع الأيام التي عشتها، ومستندا لواقع مشاهداتي في قريتي ومدينتي، لذلك  لن أحمل كلامي أعباء فكرية فلسفية كما لن أستخدم لغة شعرية زائدة عن الحاجة إلا بالقدر اليسير الذي يتطلبه الموقف مستخدما لغة الحدث للتعبير عما هو شعري ونثري في الوقت نفسه وأنا أروي حكاياتي، كذلك إن أخذ أحد منكم كلامي هذا على أنه رواية تاريخية فإنه على صواب ، وإن اعتبرت كلامي  تسجيليًا يرصد أحداث الواقع فإنه كذلك على صواب.

ولكي لا أطيل عليكم دعوني أروِ لكم الحكاية، (فأنا حكايتي أيها السادة “حكاية طويلة من الألم، رحلة شاقة في دروب الضياع، تُركت وحيدا مخذولا لكي أحملها، ملعونًا من قلبي وزملائي وقومي، أحاول جاهدا لكي أطويها أو أذروها مع النسيان) لذلك اخترت عنواناً لحكاياتي هذه أسميته (تعويبة الظل)  وأردت من العنوان  ربما أردت إشباع الفضول لدى البعض من أول ولهة وأجعلهم  يبحثون عن معنى “التعويبة” وربما كذلك  أردت المقاربة لكم بين ما سأقوله والتعويبات التي سأكتبها لكم؛ علني بذلك أستطيع اختصار مسار كل حكاية في تعويبة واحدة ، وقد اخترت لكم  عند كتابة العنوان، اللون الأحمر ، وكما تعرفون بأنه لون الدم ؛ لذلك ترقد تحته رصاصة  تمر فوق ظل خيال شخص تحرسه القضبان.

ينعتني كثيرون بلقب “مكتوم الحلزوني” أو صائد الذئاب، لا أعرف كيف نعت بهذا اللقب ولا أتذكر كيف منحت إياه، كل ما أعرفه عن نفسي أني كنت أقتفي أثر الذئاب التي كانت تفترس قطعاننا، وتهاجم مواشينا وأقتلهن، رغم (أني البسيط كحجر، المحاذر كقطاة “ولدت في الحادي عشر من ديسمبر عام 1974م  ) كما أقول أنا عن نفسي، ولكن أمي كانت دائما تختلف معي في يوم مولدي، فهي وأنا نسوق تواريخ مختلفة لرواية مولدي، فهي تقول ” لست ابن مبروك الزاهي فحسب ” بل تفاءلت بميلادي،  في ضحى يوم مشرق من أيام 1980.”ولكني أختلف معها في تحديد موعد ولادتي، فأنا مغرم بكرة القدم،  وكنت أشاهد مباريات كأس العالم في 86 ، في حارتنا الندية، حلة الذئب التي كانت تسمى حلة “المليحة”، ولا يتسع المقام لذكر تفاصيلها الآن،  ولكني سأختصر لكم تاريخ قريتي هذه بأنه مازالت “نساء قريتي رغم الفقر والتعب يشعلن الثورات ويفجرن البراكين في قلوب وأفئدة  أعتى الرجال” ولكن اسمحوا لي أيضا أن أكشف لكم في حقيقة الأمر عن تاريخ مولدي، فأنا أكبر سنا مما ذكرته لكم سابقا.. لا تستغربوا ذلك فربما سأفاجئكم بتاريخ آخر غير التواريخ التي ذكرتها لكم سابقا، فربما نيتي من ذلك طرح الكثير من الأفكار والمقاصد التي أراها مهمة وإن تباينت التواريخ والأحداث التي سأذكرها هنا كي أستثير لديكم بعض الأسئلة وربما أدفعكم للبحث عن إجاباتها مستقبلا من خلال مزجي بين التاريخ والواقع بالموروث والحلم، فإن كنت أحيانا مفسرا ومعللًا لأقوال شخصياتي، فلربما كان مقصدي إظهار الدوافع والأسرار لمكنونات شخصياتي النفسية.

فأنا ولدت هذه المرة عندما قدم الميجور الإنجليزي (ماك جل)، هو وقوافل الحديد، لاستخراج القار عام 1953. أرأيتم بأني سأجول بكم قليلا عبر الماضي والحاضر!، حين يومها كنت شابا “مذروبا”، وقد رافقت في ذلك الحدث، آلافًا من الحكايات، لقد دخلت المدارس، وسمعت كلمات غريبة من الاستاذ بديع، مثل: الحرية، العدل، المساواة، الكرامة، وكان يسألنا عنها في كل مرة، هل سمعتم عنها سابقا؟ فيرد أحد زملائي في كل مرة ” حبوتي تعرف أستاذ. ليجيبنا الأستاذ بديع في كل مرة وبدون غضب  إن فهم كلمات كهذه هي الأكثر أهمية لإدارة شؤون حياتنا ومجتمعنا، وربما أراد الأستاذ بديع بتلك الكلمات وأخواتها أن يصلح حال التعليم من خلال غرس المفاهيم الحقيقية الفاعلة في نهضة المجتمع.

لا عليكم من الأستاذ بديع وكلماته الخرافية تلك، فلي معه حكايات ومواقف ربما أترك لكم المجال لتقصيها والبحث عنها في مكان آخر فأنا ما يهمني الآن أن أخبركم به، أني عشت في قريتي وترعرعت بها وأنا أستمع للحكايات التي ترويها لنا “الجدة ناجية بنت عبيد”. وأصدقكم القول بأني ما زلت أذكر شغفي بالجدة  ناجية، لذلك سأذكر لكم قليلا من حكاياتها، أو لنقل بعض المقتطفات، مرورا بحكايات جدي، وربما ستعجبكم أكثر، فلعلّ جدي في حكاياته التي سأقصها عليكم، بدا ساخطا على الناس منذ ذلك الزمان، ويحملهم المسؤولية الكبرى  لما حدث لهم من تحول، فهذه القرى الهادئة، الهانئة، الوادعة بتجمعاتها البشرية الصغيرة والكبيرة تحولت بقدرة قادر إلى تجمعات لاهثة وراء المادة ولملهيات الحداثة ومنساقة نحوها بشدة على حساب الأرض وخيراتها التي كانت لقرون عديدة، وأزمنة مديدة ،مصدر قوتهم وخيرهم .

كما أردت كذلك أن أحيطكم بخط سير الأحداث وأجعلها غير متسلسلة من خلال عودتي بما يسمى ( الفلاش باك) ولعل مقصدي من ذلك كي أجعل القارئ  يتابع بشغف الأحداث الواردة في الانتقال من مشهد لآخر ، فذلك يعود لأنني، تذكرت حكايات عمي صالح وبدونه لا تكتمل الحكايات، لأنه صديق أبي الروح بالروح، وكان له (رب أخ له لم تلده أمه)، فهما عملا معا في جيش دولة الإمارات، التي نسيتهم بعد خدمة عشرين سنة كاملة، ومع أني يخيل لي مرات أن عمي صالح لم يتجاوز عمره أكثر من الثلاثين سنة أو هكذا وصفته مرة في سرد الحكاية!  ليبقى السؤال الذي يتردد في داخلي هو ” هل جنى أبي على العم صالح” حين أقنعه بعدم استبدال جوازه الأحمر بالجواز الأزرق، وأن ” الطيرة  لن تحل محل السيفين والخنجر”.

أعرف بأنكم ستقولون بأنني أخترق الخطوط الحمراء بما قلته وما سأقوله وبما أرويه، إلا أن عمي يعرف تماما عندما عاد الى بلده، أن” السلطة أصلا تحتقر من يحبو اليها، من يجثو طلبا لودها، هي ترغب أكثر فيمن يماكرها ولا يراودها مباشرة”. فعمي صالح بعد عودته، عمل في كل مكان، حتى إنه أصبح مفتاح سر الحياة للكثيرين ممن يقصدونه، فهو (من يساعد المحتاج إلى خدمات الدولة التي يفترض أن تقدم للجميع، وهو من يؤمن العلاج والمستشفى للمرضى. تدخلٌ منه يمنحك حقا في تملك أرض. شفاعة عند قاض تعفيك من غياهب المحاكم ومتاهات الافتضاح) فعمي صالح، نموذج جيد للمتطلعين للمال والسلطة.أعرف أنكم قد تقولون إنني أبدي شيئا كبيرا من التشنج وزيادة في المبالغة لكن عليكم ألا تتسرعوا في الحكم وأكملوا حكاياتي واذا أردتم المزيد والمعرفة عن عمي فتتبعوا عمي وزميلي الذي سيظهر لاحقا.

أما أنا فقد كان لعمي صالح بنت اسمها ” الباهية”، نعم هي ابنة عمي صالح، حبيبة قلبي، ولكن لن أخبركم عنها لأنه لا يمكن لعاشق أن يكشف أسرار حبه وحبيبته، كما كنت أجبن من أن أصارحها بحبي لأن الخوف سكنني مثلي مثل غيري وربما هذه سمة عامة (والجميع يفاخر بخوف) فهل توافقونني الرأي؟ أهم شيء يمكن أن أخبركم به أن الباهية كانت في المقدمة عندما بدأت المظاهرات في صحار فهي مثال حي للفتاة   التي تمتلك الوعي الوجداني والعلمي لبنات جيلها.

كما سأقدم لكم كذلك نماذج من أسرتي الكبيرة مترامية الأطراف التي تعيش في أماكن كثيرة، ممتدة من بطون الأودية، مرورا بالقرى الجبلية وانعطافا على القرى الساحلية الممتدة، وربما أردت من ذلك كشف تعري المكان والناس ومن يتلاعب فيهما من خلال استقصاء الشخصيات وضلالها واستدعاء أمكنة ووقائع من صلب التاريخ الماضي والحاضر بسخونة أحداثه ولعلي أردت بذلك، الدخول لفضاء المجتمع من خلال بوابة الحرية وتعدد الأصوات. وسأبدأ هنا بعمي مرهون الذي  بسببه غادرت الثانوية  قبل إكمالها  – رغم أني  رويت لكم أني درست بالكلية التطبيقية  برفقة زميلي  وصديقي راشد البسَام  الذي كان شعلة من النشاط ، كما كان مؤمنا بالحرية أكثر  كما دخل على خط الصداقة صديق آخر  اسمه مانع حنظل  كان نموذجاً آخر تقوم شخصيته على الاتزان ويتصرف وفق ما تمليه عليه مصلحته  وكان يمثل الكثير من الشباب ممن هم حولي  – المهم بسب عمي مرهون،  اشتغلت عسكريا  بسبب أن العسكرية أصبحت حلم أبناء جيلي ، حتى إنها أصبحت  حلم كل طفل  في هذا البلد، لأنها  تمنحه الهيبة التي يخاف منها الآخرون ،  ولأنها زرعت بذكاء، لكنهم لا يدركون أنها تسلبهم كل شيء ثمين من أشكال حريتهم، خاصة عندما ينتهك  القائمون عليها  في أيام تدريبهم  الأولى ؛ينتهكون، (خصوصياتك ، نومك، ..، أوقات صلاتك).

وعودا على أثر تخرجي من الكلية التطبيقية، كان جل ما أحلم به، وظيفة تكفل لي رزقي ورزق والدتي، لكن للأسف لا أحد يريد أن يسمعني ولا أحد يريد أن يلتفت إلى معاناتي، لقد ترددت كثيرا مثلي مثل غيري للدوائر الحكومية المعنية بالتوظيف. (وقد صدق من سماها دوائر لأنك تدور فيها في دوائر لا نهاية لها)، دون أن يلتف أحدا لطلبي ومن شدة ما ضاق بي الأمر. وعندما سمعت عن المسيرة الخضراء، قررت الخروج معهم، كان ذلك بتاريخ 2فبراير 2011م فأنا زرت ميدان الإصلاح الذي يعني لي هذا (الميدان، حقيقتنا الجارحة كما هي لا كما نتصورها أو كما تصورها لنا وسائل إعلامنا، أو مديح من يزورنا ويتملقنا) ولعل ذلك ناشئًا من خلال توجيه المناهج التربوية والإعلام للتشبث بالقديم وانكماش له والتغني به أكثر من المعقول ، كما رافق ذلك ، إهدار لطاقات الشباب والتحكم في المناصب وسيطرة العمالة الوافدة وتسخيرها لخدمة فئات وأفراد على حساب الأغلبية،  لتبدأ من هناك معاناتي الكبرى.

لا عليكم أنا أكثر ما يقلقني كثيرا جدا حالة الناس وما وصلوا إليه، لا تقولوا لي إنك رجل تشاؤمي فوق الحد المعقول ولكن الناس أصبح همهم الأكبر اللهاث وراء المال ” لقد صادقوا خنوعهم واعتادوا اللبس الواحد، والطعام الواحد، والأمنيات الواحدة، والمشي في ذات الطريق المرسوم لهم. ولكي لا يدخل الملل والسأم  على قلوبكم فإني سأفاجئكم هذه المرة بشخصية أخرى اسمها أبو الخرز  ولي معه حكايات ظريفة لكنها موجعة، وسأحاول أن أجعلها حية تعيش داخل نفوسكم، وتشاهدونها في كل وقت وتصادفونها أينما ذهبتم ، وقد تكون شخصيته ماهي إلا نسخة مني ومنكم وإن حاولنا إخفاء ذلك، رغم أني لا أذكر لكم أماكن وجودها بينكم فأنتم بأنفسكم من ستكتشفون  ذلك ربما دون تدخل كبير مني، لذلك سأختصر صورتها لكم في الآتي: قد تعتقدون عندما تشاهدونه بأنه شخص مجنون أو نقول نصف مجنون، لكن بالنسبة لي ليس كذلك، هو من أكبر العقلاء الذين يعرفون خبايا المدينة وأحوالها وهناك من يقف خلف أبو الخرز ويراقبه من بعيد وأن “هناك سراً يحرص الطرفان على إخفائه” فهناك غيوم تظلل هذا الرجل. مرة كنت حاضرا لغضبه وسمعته بأذني وهو يقول ” هذي البلاد لا تسمن فيها إلا الذئاب! كيف ستلتفت للعصافير التي تموت عطشا” لذلك أقول لكم لا أعتقد أنه مجنون، هل صدقتموني ؟.المهم واستمرارا لحكاية أبي الخرز  فقد زارنا مرة في المقهى وهو يترنم بتعويبته المفضلة التي يقول فيها:

” يا ناس نعق الغراب

في ديرتي دموا عليَ تراب”

ثم روى لنا حلماً غريباً جدا كانت نهايته أن الباز الصغير الذي حلق فوق رأسه أسر له قائلا: (قطيعكم لاه عن المتربص به). وفي الفصول الأخيرة وجدت نفسي موثقا ومدونا وراصدًا للمواجهات والأحداث التي جرت في ولاية صحار، ولكي لا أطيل عليكم كثيرا سأختصر حكاياتي في نهايتها بأنني منذ دخلت العسكرية وبعد تلك الحوادث التي وقعت في صحار ولعل ما يضفي على السرد من نقاط وأحداث موقفيه، حية، قيمة، لها صلة بالواقع عشتها وعاشها الناس وحفظناها في صدورنا وبقيت في مخيلتنا، أثبتت القوة الذاتية للمجتمع وصلابته التاريخية والواقعية وإن عاش فترة مهادنة. كما أوصلتني إلى قناعات شخصية مفادها، حول ما يراد لي أن أكون، وحول ما أرغب أنا أن أكون، لأخرج في نهاية الأمر منتصرا لنفسي ولن أكون أداة في يد أحد.

 

(* الصُّورة: أمل السَّعيدي).

0 559 03 أبريل, 2018 الرابع والتسعون, حداء الروح, قراءات أبريل 3, 2018