الفكر حينما يكون عدوا

لـ

                كيف يمكن لنا أن ننظر إلى حالة الثقافة والمنع للأفكار من أن تنساب في المجتمع بسلطنة عمان أيام معرض مسقط الدولي للكتاب (2018)؟ هل نضع الحالة في سياق العواطف التي يمكن أن تنفعل مع الوضع في راهنيته ثم نتجاوزه بعد انتهاء الحدث؟ أليس هذا الذي يريده صانعُ القرار؟  ما نوع الكتب الممنوعة في المعرض وما علاقة هذا المنع بالنظام الأساسي للدولة والتشريعات ذات العلاقة بحريات الفكر والتعبير عنه؟ ما الذي يجعل الدولة بعد رسوخ مؤسساتها ووضوح تشريعاتها ومحاولات فصل السلطات فيها وانضمامها إلى المواثيق والعهود الدولية بشأن الحريات وحقوق الإنسان أن تلجأ إلى مثل هذا القرار الغريب؟ هل يمكن فصل الدولة في اعتباريتها عن أهواء المسؤولين القيّمين على مؤسساتها وتفاعل التيارات المختلفة مع شخصياتها؟ هل يمكن أن يكون للأهواء دورٌ في اتخاذ هذه القرارات؟ ما الذي يخيفُ المؤسساتِ والجهاتِ المعنيةَ من أفكار الكتّاب وهم جزء من المجتمع ذاته؟ وأخيرا هل ينبغي أن نسكت عن هذه الحالة التي تؤرقنا فلا يجوز لنا مناقشتها لقداسة القرار وقداسة المسؤولين أم أن المناقشة والإعلان عن الرفض جزء لا ينفصل عن واجبات الدولة وحقوق مواطنيها؟ بمعنى هل يحق لنا أن نعبر عن استيائنا ويتوجَّب عليكم الاستماع؟

لا يعالج هذا المقال منع الأفكار أو الكتب في معرض مسقط الدولي (2018) بوصفه حادثةَ عين وانتهت؛ بقدر ما يريد طرح الموضوع بوصفه قضية ترتبط بمفهوم الدولة وصيروراتها والحريات الإنسانية وعلاقتها بتشظي السلطة حسبما يزعم ميشيل فوكو؛ لذلك فإن طرح الأسئلة السابقة مفتاحٌ لمغاليق يبحث عن التفسير الموضوعي الصريح لهذه الممارسات تجعل السلطنة في وضع يتعارض مع سمعتها وعلاقاتها الخارجية، بل يتعارض مع الشعارات والتشريعات داخل الدولة؛ كما يتعارض مع التقارير الإنسانية بشأن الحرية والديمقراطية ويعيدنا إلى فترات الانغلاق التي يرفضها مفهوم الدولة؛ ولذلك أيضا لا يمكن لنا أن ننظر إلى تطور البشر إزاء الفكر السياسي ومفهوم الدولة بوصفه تطورا يأخذ المنحى الخطي، بعيدا عن الفوضوية بالمعنى العميق أو العرضية التاريخية وتفاعلات البنى الاجتماعية وحالات الدولة في ضعفها وقوتها؛ كما أنه لا يمكن لنا أن نعزل هذه الحالة عن مسار الأحداث في السلطنة بشأن الفكر وحرية التعبير خلال العقد الأخير؛ لذلك فإنني أعتقد وفي ضوء ثنائية (الاتصال/ الانفصال) أن “المعادلة” التي تتحكم في الحالة السياسية في المجتمعات الإنسانية تتمثل في وضعين للدولة:

  1. حالة اندماج سلطة الدولة بسبب تشكل هذه السلطة لأنها سلطة متضمنة لأهواء الشخوص؛ وبسبب تراجع القانون الذي قد يصاب بالأذى حسب تعبير أرسطو؛ أو بسبب تقديرات استخباراتية بسلطة أخرى عارضة قد تتناقض مع مفهوم الدولة الذي أهم أسسه هو احتكار العنف المشروع الحامي للقانون؛ وفي هذه الحالة يتراجع القانون خطوة وتتقدم الأهواء خطوات بوصفها تحمي المجتمع من الانحراف الفكري وتحرمه من الهداية الحقة والفهم القويم للأخلاق والدين؛ فالسلطة هنا تندمج مع تيارات فكرية رئيسية لاعبة في الركح السياسي، ولكنها لا تبدو للملاحظة العيانية المباشرة؛ فهي من سنخ الجذامير والجراثيم؛ لأن الخيوط الرفيعة الشفافة التي تتحكم في مؤسسات الدولة تتأبّى على الرقابة من أن تحيط بها عيون المراقبين؛ فيذهب التمييز بين “عقل الدولة” المتمثل في القانون وتفسيره المؤسساتي “وعقل التيارات” الفكرية؛ فتغيب اعتبارية الدولة وتظهر الحالات الطبيعية لمجموع الكائنات الطبيعية المشكلة لمؤسسات الدولة؛ ويشهد تاريخ الدولة الإسلامية حالات الاندماج بين الدولة وتيار فكري محدد قد يخدم مصالحها المؤقتة؛ أو مصالح فئة محددة تخشى من التنوير؛ وفي هذه الحالة تتحكم الدولة في مسار الفكر بصناعة نسخة واحدة يعدّ نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه عقل المواطن؛ وتحاول الدولة تشغيل أدواتها التي تخدم مشروع بناء العقل الأوحد؛ إذ تتآزر الأدوات داخل البوتقة لتخرج بالصياغة المرجوة؛ فالعلم والفكر في هذه الحالة ينفصل عن أهم سماته المتمثل في “المنهج الموضوعي” كما تنازلت الدولة عن أهم سماتها المتمثل في “القانون” وتبقى القوى الفاعلة الخفية والواضحة هي اللاعب الحقيقي.

ينقل الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية” حالتين متناقضتين للأهواء الفاعلة لبناء “العقل الأوحد” الذي يخدم فئة محددة، (الأولى) أنه لما سلّم على عبدالملك بن مروان بالخلافة، كان في حجره مصحفٌ فأطبقه، وقال: “هذا فراقُ بيني وبينك”، و(الثانية) أن عبدالملك بن مروان يقول لأهل المدينة: إن أحقَّ الناس أن يلزم الأمر الأول لأنتم، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم؛ فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام، فأحكما ما أحكما، وأسقطا ما أسقطا[1]، وقريبٌ من هذا التحكم في الأفكار وسيرورتها ما كان من الدول العربية بعد الاستعمار من حيث القضاء على الأفكار اليسارية عبر تحريض الفكر الديني التقليدي؛ لذلك يفسّر وحيد الغامدي تنامي الصحوة الدينية في السعودية؛ إذ إن الدولة كانت تخشى الأيديولوجيا الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وأمام تلك الحاجة السياسية إلى الاستبدال بأيديولجيا الجماهير أيديولوجيا لا تقل عنها عنفوانا وديناميكية، باتت الحاجة ملحة إلى دعم تيار فاعل يتسم بالفحولة لمواجهة الأفكار اليسارية[2]؛ مما يعني أن الدولة تتدخل في بناء الأفكار كما حدث في عهد عبدالملك بن مروان وبدايات العصر الأموي تأييدا للجبرية المنتجة لإنتاج نظام سياسي محدد، والوضع العربي والغربي الراهن خير شاهد على المآلات.

  1. حالة انفصال سلطة الدولة وترفعها عن مسارات التيارات المختلفة داخل المجتمع: الدينية وغير الدينية؛ وهي الحالة الطبيعية المفترضة؛ بحيث تتدافع الأفكار وفق أعراف الكتابة والقوانين الخاصة والبنى الاجتماعية الفاعلة؛ فالقانون يشتغل بذاته مع الأفكار، والقانون عصارة نظامنا الأخلاقي فيما يتعلق بعلاقاتنا وآرائنا، وليس لأحد من الناس أن يعلن أو يدعوَ إلى مصادرة فكر ما بدعوى حماية الأخلاق واللحمة الوطنية، أو بسبب الأوهام التي قد تسيطر على عقولنا؛ فهذه الدعاوى إن هي إلا حالةٌ من التشبع الأبوي المرفوض قطعا وادعاء للتجانس الخرافي في البشر؛ ومن حقّنا الإنساني الأصيل أن نعلن رفضنا لتلك الدعاوى، وهذا يعني أن على الدولة ألا تسمح بمصادرة الفكر تمثلا لشعاراتها، وأن تمنع التيارات الدينية والقبلية وغيرها أن تفكر بالنيابة عن القانون أو عن الدولة بوصفها كيانا يتعالى على التاريخ.

وفي السياق الأخير نلاحظ أن الفترات التاريخية تسجل لنا إشراقات الدولة أو المجتمع في تعاملها/ ــــــه مع الأفكار، وأن التفكير العقلاني الحر الذي يسمح للأسئلة أن تنساب، وللأفكار أن تتدافع سمة قديمة في الحضارة الإسلامية منذ أشدّ الحالات الإنسانية التصاقا بلحظة الوحي؛فالجدل الفكري والعقلي كان شائعا في عهد الصحابة لا كما يروج له بعض سدنة الفكر الديني التقليدي من أن العقل شيطانٌ يجب على الفرد كبح جماحه؛ فهذا وهب بن منبه (34- 114هـ) يروي كيف كان الصحابة وأوائل التابعين يخوضون في تلك المسائل: “صحبت ابن عبّاس قبل أن يصاب ببصره ثلاث عشرة سنة، وبعد أن أصيب به، وإنّي معه ذات يوم بمكة، إذ قال لي: “يا ابن منبه، قُدني إلى مجلس المراء”. كان قوم يجلسون بين باب بني جُمَح إلى الباب الذي يليه، يتكلمون بالجبر، والقدر فقدته إليهم[3]، ولن نذهب بعيدا إن أردنا تسجيل المواقف المشرقة للدولة البوسعيدية من اعتناقها للتعددية الفكرية، وإرسائها للسلم الاجتماعي بعيدا عن التعصب الديني الذي يعطي الزمام لخطاب محدد أو تيار فكري أو مذهب؛ لذلك أضع للقارئ هذا النص للمستشرق فاليري هوفمان: “عندما أتى الشيخ علي بن عبدالله إلى زنجبار  سأله السيد ماجد: هل رأيت الخلاصة الدامغة التي كتبها الشيخ محمد بن علي المنذري في الفقه؟ أجابه الشيخ علي: نعم رأيتها، وسأله السلطان بعد ذلك: هل يمكنك الرد عليها؟ فأجاب الشيخ: إذ لم أحترم مذهبك فسأرد عليها، فأجاب السلطان: إذن لقد أعطيتك الإذن بالرد عليها، فشكره الشيخ على ذلك واقترح أن يجتمع أعضاء بمجلس المحكمة ليتلو رده على الناس. انظروا إلى عظمة السلطان ماجد، ولاحظوا نواياه الحسنة، إنه في الحقيقة يشبه أباه في سياسته العادلة، لقد وجد أن الإكراه والإجبار غير لائقين في تسيير أمور حكمه ولهذا أحبه رعاياه، لقد كان نقيض أخيه وخلفه السيد برغش في هذه الأمور”[4].

هذه السياسة التي تؤمن بالتعددية هي أهم سمات الدولة البوسعيدية منذ نشأتها بعيدا عن التيارات الفكرية المتحيزة في مجتمع متباين الأعراق والثقافات، ومنفتح في تجارتها وثقافتها على الآخر؛ فالدولة ليست مانحة لحقّ التعبير لأنه إنساني أصيل ولكنها ترعى هذا الحق في كل المناحي العلمية والفكرية في البحث والدراسة والنقد للأفكار، أما تضخيم تيار داخل المجتمع ورعايته فهو نوع من الردكلة المقيتة التي تتعارض مع القيم الإنسانية؛ إن منع المجتمع من الاطلاع على فكر محدد لا يمنع من انتشار الأفكار مستقبلا بقدر ما يحرم المجتمع من استيعاب موقف جديد، أو الإسهام في حل مشكلة إنسانية أو علمية، وهو نابع من خوف غير مبرر من الأفكار، ولعل التاريخ الحديث للسلطنة يدلل على عبثية فكرة المنع؛ ضمن وقائع مختلفة كمنع تداول كتاب “نهضة الأعيان” للشيبة السالمي، أو “اللؤلؤ الرطب” للحارثي، أو إتلاف كتاب “الكشف والبيان” للقلهاتي بعد تحقيقه وطباعته؛ فعلى المتابع أن يلاحظ ما الذي حدث بعد انتشار هذه الكتب والأفكار؟ هل انهار المجتمع أو انهارت نظمه السياسية لمجرد وضع النقول التاريخية موضع القراءة؟ ومن بين الوقائع التي حدثت ما لاحظه الباحث خالد العزري حينما صدر  كتاب سعيد بن مبروك القنّوبي بعنوان: “قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين” من الضجة وانتهاك المؤلف؛ لأنه انتقد أحد “الأئمة العلماء” وهو نور الدين السالمي على الرغم من أنه كان حريصا طوال صفحات مؤلفه من نعت السالمي بــ”الإمام العلامة”، ويترضّى عنه[5]

إنه من المؤسف أن تعمد المؤسسة الرسمية في صنع قرار يصادر فكرا؛ لتنحرف مساراتُنا عن مسارات الدولة وتاريخها في رعاية التعددية؛ لمجرد أنه يخالف توجهات تيار محدد، أو نزعة قبلية فردية تُستنتج من تغريدة بائسة في مواقع التواصل الاجتماعي؛ لوجود مفردة أو مصطلح منزوع من سياقه الخطابي، ولا أدري ما دور وزارة الإعلام في موقفها الغريب من مثل هذا الصنيع لا سيما إن سعت في صناعة قرار المنع والمصادرة وهي المعنية بحماية الحق في التعبير؟ إن إنجازات الدولة لا تنحصر في بناء مطار، أو ميناء، أو مصنع لإنتاج الأسمنت؛ وإنما أهم إنجازاتها هو تاريخها في التعددية وبناء السلم الاجتماعي بعد طي صفحات الدولة الدينية وبناء مفهوم يتأسس على القانون؛ فمصادرة الكتاب في المعرض إن هو إلا مصادرة لتاريخ الدولة وإنجازها الإنساني بسبب اجتهادات المسؤولين، أو الاستجابة للتيارات أو النزعات الفردية.

 

 

________________________________________-

[1] الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، القاهرة: مؤسسة زاد للنشر والتوزيع، 2012، جـ5/ ص. 342- 343

[2] وحيد الغامدي، حكاية التدين السعودي، لندن: مدى للثقافة والنشر والإعلام، 2015، ص.100- 101، ويمكن قراءة هذه التحولات عبر هذا الطرح في السياق العماني، وباستحضار مناقشات علي الرواحي في كتابيه:

  • ماركس في مسقط: بحوث حول البنية المادية وتوزيع الثروات وتاريخية القوانين، بيروت: جداول، 2017، ولا سيما الفصل الثاني حول جينالوجيا البرجوازية العمانية أو سردية اللامساوة، ص. 109- 155، مع التركيز على البرجوازية الدينية والقبلية باعتبارهما يتحكمان في سيرورة الأفكار وصيرورة البنى، ص. 124- 126.
  • الأصولية والعقلانية: دراسات في الخطاب الديني العماني، بيروت: دار الفارابي، 2012، لتشكيل أفكار مبدئية حول مسارات الفكر الديني الأحادي.

 

كما أقترح وفق السياقات العامة العودة إلى كلّ من:

  • Khalid M. Al-Azri, Social and Gender Inequality in Oman: The power of religious and political tradition, London: Routledge. pp. 114-134
  • سلامة كيلة، الإسلام في سياقه التاريخي، بيروت: دار التنوير، 2012، الفصل الثاني والثالث، ص. 55- 116

[3] محمد حسين بدر الدين، التفكير الكلامي في بواكيره الأولى: عمرو بن عبيد أنموذجا، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2015، ص. 25.

[4] فاليري هوفمان، مقالات مختارة، تر. عبدالوهاب داب، وموحمد ؤمادي، مسقط: بيت الغشام للنشر والترجمة، 2014، ص. 25

[5] خالد العزري، فكر السالمي السياسي حول نظام الإمامة بعمان (1865- 1914م)، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة، جامعة الزيتونة، (1997- 1998م)، (غير منشور)، ص. 81- 82

0 759 16 أبريل, 2018 الرابع والتسعون, ثقافة وفكر أبريل 16, 2018