كيف تسيطر إسرائيل على الأمن السيبراني

لـ

كيف تسيطر إسرائيل على الأمن السيبراني .. وتخاف في الوقت ذاته[1] ؟!

 

هذا المقال يتناول استعراضاً لأحداث أحد البرامج الأجنبية في قناة (Vice news ) على اليوتيوب. يتقصى البرنامج سؤالاً بسيطاً ولكن إجابته مخيفة للغاية. فهل تساءلت عن العالم الافتراضي الذي نقضي فيه اليوم عدد ساعات قد تكون أكثر بكثير من العالم الاجتماعي الواقعي، وهل هناك من يستطيع السيطرة على هذا العالم؟

 

وعلينا أن نتذكر في الوقت نفسه أن هذا الأخطبوط التقني الذي تنبت له ذراع جديدة كل يوم لا يرمي أذرعه القديمة؛ بل هي موجودة وتعمل رغم كفاءتها المتدنية، تماماً كمحطات الكهرباء القديمة في بلداننا العربية التي تتحكم في سدود المياه، وفي إضاءة الطرق وفي محطات معالجة مياه المجاري، معظمها إن لم يكن جميعها تستخدم تقنية قديمة وتقليدية. حسناً، ربما تعلمون هذا سابقاً ولكن هل تعلم أن كل هذا قابل للاختراق التقني. ببساطة هناك من يملك السيطرة على كل هذا، ويستطيع شنّ حرب عليك عن بعد، وقد يقرر أن يغرقك بمياه الصرف الصحي أو ببساطة يستهدف مستشفى بعينه قاطعاً عن مرضاه الكهرباء. هل تخيّلت أن تقود سيارتك وفجأة تخرج  عن سيطرتك بسبب اختراق خارجي، وتصبح كلعبة سيارة ذات جهاز التحكم بيد صبي أرعن قد  يقرر أن يضربك أنت وسيارتك بعرض خرسانة إسمنتية بشكل متكرر دون سبب. هل فكرت أن هذا الرعب قابل للتحقق ؟!

 

يبدأ التصوير بقيادة مقدم البرنامج لسيارة في مواقف داخلية للسيارات، وعلى مقدمة إحدى السيارات الواقفة هناك رجل مشغول بحاسوبه المحمول، ترى ماذا يفعل؟ بداخل السيارة بدأت النوافذ تفتح وتغلق، السائق – هو كما نعلم مقدم البرنامج- في حالة صدمة لن تتوقف بعودة النوافذ إلى وضعها الطبيعي حتى تباغته مفاجآت متتالية، فهناك من يعبث الآن بإشارات السيارة فتارة تضيء مشيرة لليمين وتارة لليسار، وها هو مؤشر السرعة يصل الآن إلى ٢٢٠، وفجأة هناك من أوقف محرك السيارة. لم يصرخ مقدم البرنامج، فقد كان على علم بذلك الرجل الذي يعبث بحاسوبه الذي تحداه بأنه يمكنه السيطرة على السيارة عن بعد بواسطة ذلك الجهاز. يقول مقدم البرنامج بعد أن توقفت به السيارة: (كان بإمكانه أن يقوم بصدم سيارتي بذلك الجدار الإسمنتي أمامي) و (لعلها  المرة الأولى في حياتي التي أصدق فيها أن الاختراق التقني يمثل خطراً يهدد حياتي).

 

فمن يكون الرجل صاحب الحاسوب ؟

 

الإسم : زيف ليفي – Ziv Levi

المهنة : المؤسس والرئيس التنفيذي لأريلو لخدمات للأمن السيبراني  Arilou Cyber security

الجنسية: إسرائيلي

 

يسأله المقدم : كم عدد السيارات حول العالم التي يمكنك أن تفعل بها ما فعلته بسيارتي قبل قليل؟

يجيبه زيفي: معظمها؛ فهي الْيَوْمَ مجهزة بتقنيات قابلة للاختراق.

 

 

ما جنسية الأمن السيبراني؟

 

إن كان للأمن السيبراني جنسية فستكون إسرائيلية بلا شك. فمع عدم وجود أية سيارة صُنعت في إسرائيل إلا أن إسرائيل تملك الشركات المسؤولة عن  تصميم معظم أنظمة الأمان للسيارات اليوم. فكل الشركات المهيمنة في هذا المجال إسرائيلية. في عام ٢٠١٧، وخلال افتتاح مؤتمر ( سيبرتك ٢٠١٧) بتل أبيب ، الذي حضره أكثر من ١٠ آلاف شخص، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو : ( في عام  ٢٠١٥ وضعنا هدفاً بأن تكون إسرائيل إحدى الدول الخمس الأقوى في العالم في مجال الأمن السيبراني، وها نحن حققنا الهدف. أنتم في مجال جميل ومزدهر ولا نهائي الإمكانيات).

ولفهم كيف أصبحت إسرائيل مرفأً رئيسًا في مجال الأمن التقني، وكيف أصبح مواطنوها يحصلون على أكبر حصة من رأس المال المخاطر[2] في هذا المجال. ولفهم هذا التفوق الإسرائيلي كان هذا  الحوار مع أحد أهم الصحفيين والمراسلين لجيش الدفاع الإسرائيلي ( ألون بن ديفيد – Alon  Ben-David ).

 

– يقول ألون بن ديفيد : إننا في إسرائيل نعيش في مجتمع صغير للغاية أشبه بالجزيرة التي تحيط بها المخاطر من كل الجهات، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية فنحن دولة بمواد محدودة، و للتأقلم مع هذا الوضع قمنا بتطوير الإبداع الخّلاق ورعايته. لقد أدركت إسرائيل أن خوض الحروب و التسلّح الدائم يستنزف الأموال والأرواح . فكيف تتكيف إسرائيل مع كل هذا؟ ( الأمن السيبراني) كانت الإجابة الأكثر مثالية لنا في إسرائيل.

 

– وحول سؤال إن كانت شركات الأمن السيبراني الخاصة في إسرائيل هي ابنة جهاز الجيش الإسرائيلي؟ يقول ألون بن ديفيد: نعم بكل تأكيد، فكافة شركات الأمن السيبراني تعتمد في الأساس على المعلومات التي يستطيع الشباب اليافع الذي أدى خدمته الإجبارية في الجيش الإسرائيلي في أي من وحداته الاستخباراتية التقنية أن يقوم بجمعها بكل سهولة.

 

 

واحة بيرشيبا والجيش السيبراني الإسرائيلي

 

قبل  الإجابة نعطيكم لمحة مهمة بأن خدمة التجنيد تعد إجبارية في إسرائيل وينخرط فيها سنوياً آلاف من الشباب. تحتل الوحدات الخاصة بالأمن السيبراني أجزاءً كبيرة ومهمة من الجيش، ويعمل في خلاياها أكثر من ٢٠ ألف جندي. تم تحويل هذه الوحدات مؤخراً إلى موقع صحراوي شاسع يسمى Beersheba  (بيرشيبا). وهي تعد واحة تقنية ومعلوماتية في وسط الصحراء تماثل مدينة  وادي السيلكون Silicon Valley في أمريكا. وتعد هذه المدينة أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخ إسرائيل. ولمعرفة تفاصيل هذه المنشأة المعلوماتية الضخمة تحدثنا مع رئيسها التنفيذي روني زيهافي Roni Zehavi.

 

مقدم البرنامج : كيف تفسر لنا وجود الجيش الإسرائيلي كجزء أصيل في هذا المشروع الضخم؟

 

روني : إن الدخول في مجال المعلوماتية وأمنها وكافة الخدمات المتعلقة بها أصبح الْيَوْمَ ضرورة وأمرًا إلزاميا. ويعد الجيش الإسرائيلي أكبر منظمة للموارد البشرية، فهم يستقطبون آلاف الشباب سنويا للتجنيد الإجباري، وجزء كبير منهم يخضعون للتدريب التقني والمعلوماتي بواسطة أفضل وأحدث الوسائل والأجهزة المتوفرة حالياً. ولو نظرنا إلى هذه الفئة الشابة التي تدخل الجيش في سن ١٨ وتخرج منه في عمر ٢٣ نجدها الفئة الأمثل التي تسعى الشركات المعلوماتية الكبرى لتوظيفها لديها.

 

في عام ٢٠١٣ قامت إسرائيل بإدخال حصص إضافية بعد ساعات الدوام الرسمي للمراهقين المهووسين بالتقنية، ومن هناك كان الجيش الإسرائيلي يختار النخبة من هؤلاء الشباب الذين سيقومون بتوزيعهم لاحقاً على وحدات الاستخبارات المختلفة، التي تقوم بمراقبة كل شاردة وواردة في الأرض المحتلة. تعد وحدة ٨٢٠٠ الأهم و الأخطر بين كل هذه الوحدات التقنية في الاستخبارات الإسرائيلية، إذ تقوم هذه الوحدة بجمع بيانات هائلة عن كل شيء، وعن كل فرد في فلسطين، وكما إنها مسؤولة عن أخطر الهجمات و الاختراقات الرقمية، حيث سبق واخترقوا منشآت الطاقة النووية الإيرانية. فالموضوع يتعدى المراقبة بهدف الدفاع وتوفير الأمن، كما يقول هذا الشباب الذي رفض التصريح عن اسمه، الذي قام بالتوقيع على رسالة موجهه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي برفقة ٣٣ من رفاقه، رافضين فيها الخدمة في الجيش الإسرائيلي بسبب سياسات العمل في وحدة ٨٢٠٠ التي تتعدى على خصوصيات الناس حسب قوله.

 

مقدم البرنامج: ألا تعدّ هذه الإمكانيات الكبيرة في جمع المعلومات عن العدو أمراً إيجابياً وتفوقاً لكم خصوصاً إنكم في حالة حرب ؟

الشاب : الموضوع يتعدى المراقبة الأمنية  التي عليها أن تحمينا من هجمات محتملة. فعلى سبيل المثال لو افترضنا أننا نقوم بمراقبة شاب فلسطيني يخطط للقيام بهجمه في تل أبيب، فإن وحدة ٨٢٠٠ لا تقوم بمراقبة هذا الشاب فقط ولكنها تراقب كل المقربين منه أخوته و أخواته وأعمامه وجميع معارفه. فهم يقومون بجمع معلومات خاصة لا تضر بإسرائيل ولكنها تخص حياتهم الشخصية، فنحن نعرف إن كانت أخت هذا الشاب لديها عشيق، أو إن كان أحد أقاربه مثلي الجنس مثلاً، أو إن كان أحدهم يخون زوجته. هذه البيانات الشخصية الحساسية تستخدمها إسرائيل في بعض الأحيان ضد هؤلاء، وتتواصل معهم لتعلمهم بأننا على علم بها، ثم تطلب منهم في المقابل أن يمدوها ببيانات حساسة.

 

مقدم البرنامج : هذا نوع من الإبتزاز والتهديد.

 

الشاب: نعم يمكنك تسميته كذلك.

 

 

 

الشركات التقنية و الشبكة السوداء

 

شارون نيميروفيسكي Sharon Nimirovsky سبق وعمل في إحدى الوحدات التقنية بالجيش الإسرائيلي قبل أن يؤسس شركته الخاصة التي تستقطب أفضل الشباب ذوي المهارات التقنية العالية، وأغلب هؤلاء تم تدريبهم في الجيش الإسرائيلي أثناء أداء خدمتهم الإجبارية. قام مقدم البرنامج بزيارته في شركته وأجلسه حول طاولة اجتماعات بها شباب منهمكين بأجهزة الكمبيوتر أمامهم. يقول شارون إنهم يقومون الآن باختراق أحد الأنظمة  بهدف كشف الثغرات بها وتحسينها. فالمتعاملون مع هذه الشركة يدفعون لها نظير خدمات اختراق أنظمتهم الجديدة وتحسين مواضع الضعف بها لتكون أكثر حصانة و أماناً.

 

يقول شارون نيميروفيسكي : الاختراق التقني أصبح سهلاً للغاية. فيكفي أن أرسل لك بملف ( بي دي أف) وتقوم أنت بفتحه لأنّصب بجهازك ما يستطيع أن يكشف لي كل كبسة زر تقوم بها وكافة الايميلات التي ترسلها وكافة أرقامك السرية وبياناتك الشخصية وتعاملاتك البنكية، فكل هذه البيانات تنتقل في فضاء الإنترنت، وأنا أستطيع الاستحواذ عليها، ومن ثم بيعها في الشبكة السوداء، هناك حيث تباع هناك البيانات السرية للأفراد والشركات بدءاً من بيانات الموظفين الشخصية و ملفات المرضى في المستشفيات وغيرها من البيانات، وفي سوق الإنترنت السوداء تعد حالياً بيانات التأمينات الصحية هي الأعلى ثمناً.

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن البيانات المسروقة لعبت دورًا لافتاً في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام ٢٠١٦ حيث أتهمت الولايات الأمريكية روسيا بالتدخل والتأثير على الرأي العام الأمريكي من خلال تسريب معلومات عبر الإنترنت.

 

البنية التحتية تحت التهديد

 

في بلدان عالمنا الثالث لازال العمل في البنية التحتية مستمراً، وهذه الأعمال الضخمة في البنية التحتية مصدر فخر واعتزاز لكثير من البلدان. فهذه الخدمات مع كونها أساسية إلا أن بلداننا العربية وخاصة الخليجية منها أقامتها في فترة متأخرة مقارنة بغيرها من الدول. المواطن في الدول الخليجية لا ينظر إلى هذه المشاريع كأغياره من الدول المتقدمة فهذه المشاريع تمثل له المعجزة التي رآها تتجسد أمامه مغيرةً أحواله من بعد فقر معدم وأرض قاحلة إلى رفاهة عيش و أرض خصبة. هل تخيل هذا المواطن أن الأنظمة التي تدير مشاريعه التحتية قابلة للاختراق؟! هل استعدت الدول العربية والخليجية بشكل خاص إلى حماية تلك الأنظمة وتحديثها من أي اختراق محتمل ؟

 

كان لمقدم البرنامج هذا اللقاء مع باراك بيريلمان Barak Perelman الرئيس التنفيذي وأحد مؤسسي شركة Indegy وهي إحدى المؤسسات الناشئة في إسرائيل مختصة في تحديث أنظمة البنية التحتية و بناء أنظمة أمان حديثة وقوية لمنشآت البنية التحتية.

 

يقول باراك : ما يحدث منذ ما يقارب العقد حتى الآن أن الأنظمة مرتبطة بعضها ببعض، وهذا الارتباط مع الميزة التي يقدمها للمنشآت المختلفة إلا أنها ميزة كذلك للمخترقين الذين يستطيعون اختراقها. على سبيل المثال : أنظمة التحكم بسدود المياه و المضخات تم تصميمها قبل أكثر من ٢٠ عاماً مما يجعلها سهلة الاختراق.

 

مقدم البرنامج: هل يمكنك اختراقها؟

 

باراك ( متردداً) : أستطيع القول نعم.

 

وليثبت أن الأمر سهل للغاية قام باراك بإجراء اختراق لمحطة الصرف الصحي. في البداية قام بإغلاق مضخات المياه في أحواض تجميع مياه الصرف الصحي، ثم قام بعدها بالتلاعب بشاشات المراقبة في المحطة، بحيث تعرض أن كل الأنظمة سليمة وتعمل بشكل جيد على الرغم من توقف المضخات. لو تم هذا الاختراق ستكون نتيجته كارثيه بفيضان مياه الصرف الصحي. هذه الاختراقات ليست خيالية، ولكن بعضها قد تحقق بالفعل. ففي أوكرانيا قبل أشهر تم اختراق محطة كهرباء وغلقها، وقبل سنوات قليلة أصدرت الحكومة الألمانية تقارير تثبت أن وراء حادث مصنع الصلب الذي خلف خسائر كبيرة اختراق إلكتروني قام بواسطته المخترقون باختراق أنظمة تحكم أفران الصهر عن طريق إرسال إيميلات ملغومة. لمعرفة المزيد حول حادثة مصنع الصلب قم بزيارة هذا الرابط[3]. هذه الاختراقات تهدد البشرية وحياة الشعوب، وفي وجود أنظمة قديمة وسهلة الاختراق سوف يمكن للمخترقين أن يشنوا حروباً خطيرة عن بعد، فمثلا: من الممكن قيامهم باختراق مصانع الأدوية و التلاعب بمكوناتها التركيبية، أو اختراق صهاريج النفط و تسريبه في عرض البحر وغيرها الكثير من الكوارث القابلة للتحقق الْيَوْمَ.

 

 

 

ونختم هذا المقال  بعرض وجه نظر الصحفي المعروف ومراسل جيش الدفاع الإسرائيلي ألون بن ديفيد، إذ  يعتبر أن هذا التطور التقني المخيف والمخاطر المُحتملة من اختراق هذه الأنظمة التي تسيطر على كل مرافقنا الحياتية هو أمر مخيف بلا شك. ولكن هناك أمر أكثر رعباً من السيطرة على الأنظمة المادية للمصانع والمنشآت وهو السيطرة على عقول الجموع، كما تفعل بعض البلدان التي لا تخشى ولا تخجل من استخدامها لإضرار غيرها كالصين وما قامت به روسيا في الانتخابات الأمريكية، حين غرّرت بالناس و أثرت في قراراتهم. هذا التحكم بعقول الشعوب قد يكون أكثر خطراً ورعباً من كل المخاطر التي ذكرناها. وهو ما قد يكون سبباً في إسدال  الستار على عصر إزهار الديموقراطيات والتفوق الاقتصادي لبلدان العالم الأول.

 

______________________________________

[1] هذا المقال ترجمة واستعراض لبرنامج وثائقي تجدونه عبر الرابط الآتي:

https://youtu.be/ca-C3voZwpM

[2] رأس المال المخاطر ويطلق عليه أيضاً رأس المال الاستثماري و رأس المال المغامر هي رؤوس أموال يساهم بها مستثمرون كبار لدعم مؤسسات ناشئة لها مستقبل واعد

https://www.investopedia.com/terms/v/venturecapital.asp

[3] http://www.bbc.com/news/technology-30575104

0 910 01 مايو, 2018 الخامس والتسعون, العدد الأخير, سياسة مايو 1, 2018