الأزمة السورية بين سقوط الدولة وضياع الفرد

لـ

صورة ذات صلة

 

من الطبيعي أن يكثر اللغط والخلاف في ظل الأوضاع الملتبسة منذ عام 2011، حيث بدأ ما يسمى بالربيع العربي، وكانت أبرز تجليات هذا الخلاف حول الشأن السوري، البعض يؤيد الدولة السورية على اعتبار أن الضغوطات والتدخلات الخارجية تهدد كيان الدولة السورية وتنذر بتفتتها، وتيار آخر يؤيد فكرة الحرية وحق الشعب وينصب حديثه حول الديكتاتورية الأسدية، كل من التيارين له حججه التي يستند إليها، ففكرة سقوط الدولة في قبضة الجماعات الإرهابية والتقسيم ليست بعيدة عن الواقع، خاصة في ظل ما حدث في العراق وما يحدث في ليبيا واليمن وغيرهم، فلم يعد الأمر مجرد فرض نظري، ولكنه واقع تؤكده سياقات نتابعها يوميًا عبر شاشات التلفزة. كما أن فكرة الحرية التي تطلق طاقات الإبداع وتمنح المواطن فرص العيش الكريم ليست بعيدة عن الواقع أيضًا، فالدول الديمقراطية واقعها ليس في حاجة إلى دليل كي نؤكد على أفضليته، للدرجة التي جعلت هذه الدول قبلة المهاجرين من كل بقاع الدنيا.

لكن من الطبيعي أن يحكمنا فقه الأولويات في ظل هذا الالتباس، وهذا ما تؤكده مواقف حتى أبرز الفلاسفة، فعلى سبيل المثال نجد أن العقد الاجتماعي لدى الفيلسوف الإنجليزي “توماس هوبز” قد تأثر بحالة الحرب الأهلية القائمة وقتها في بلده، مما جعل أكبر همّه هو حفظ الأمن لا أكثر ولا أقل، فاعتبر أن الحاكم ليس مطالبًا بشيء أكثر من حفظ الأمن، لأن كل شيء كان مهددًا، فاعتبر أن حق الإنسان في الحياة سابق على حقه في الحرية، فحين تتلاشى حياة الإنسان لن تفيده الحرية في شيء. وفي السياق الزمني نفسه خرج فيلسوف من نفس البلد هو “جون لوك” بتوجه مختلف، واعتبر أن الحق في الحياة مطلوب بالطبع كحق أصيل، ولكن حق المواطنين في الثورة أيضًا قائم إذا ساءت الأحوال ولم يحقق الحاكم ما تم الاتفاق عليه في العقد الاجتماعي مع مواطنيه.

وفي تاريخ الفكر تجد أن ثمة تيارات فلسفية تؤكد على أولوية الدولة، وأنها هدف في حد ذاتها، ومن أبرز الفلاسفة الذين أكدوا على هذا التوجه الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل. بينما أكد آخرون على أن الفرد هو الغاية الأسمى التي وُجدت الدولة من أجلها أساسًا. ولكن هذه التوجهات والتيارات ليست مطلقة، بل كلٌ منها مرتبط بسياقه الزمني والظروف التي دفعت المفكر لاتخاذها، سواء بشكل واع أو بشكل لا إرادي منه. وحتى من يؤكدون على مركزية الدولة وأهميتها وسبقها، ستجد أن فكرتهم في النهاية تصب في صالح الإنسان، على اعتبار أن سقوط الدولة أو تلاشيها سوف يضرب حرية الإنسان في مقتل، وسوف يتحول الحال إلى حرب الجميع ضد الجميع وفقًا لتعبير هوبز، ومن يؤكدون على حرية الفرد لا يسعون بالطبع إلى حالة فوضى عارمة أو حرب الجميع ضد الجميع، ولكنهم يسعون لحرية فرد داخل دولة تحكمها ضوابط صارمة أيضًا.

ومن هنا نجد أن تحديد الاختيار مرتبط بالظرف، وفي ظل الحرب السورية الدائرة منذ سنوات، ومع وجود الكيانات الإرهابية من كل حدب وصوب، نجد أن اختيار الدولة مقدّم الآن، ولا يتعارض ذلك مع حق الفرد على المدى البعيد، حتى وإن بدا للبعض أنه ضده في الوقت الحالي، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا التدخلات الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية، فلم يعد الأمر مجرد صراع بين نظام حاكم وشعب، بقدر ما أصبح مرتعًا للصراعات الخارجية على الأرض السورية.

لن نقول إن الوضع يشبه حالة الحرب، لأنها بالفعل حالة حرب، بل أكثر من مجرد حرب نظامية عادية، فهي تجمع ما بين حرب العصابات والحرب النظامية، كما أنها حرب أوسع من نطاق سوريا، لكونها تدخل دائرة تصفية حسابات دولية وإقليمية مع الدولة السورية ذاتها. وتأتي إسرائيل في خلفية المسرح، فكل ما يحدث يصب في مصلحتها بالأساس، وبالرجوع إلى كتاب “حفارو القبور” لـ “روجيه جارودي” نجده يقول إنه في مجلة كيفونيم (اتجاهات) التي تنشرها المنظمة الصهيونية الدولية في القدس، في عددها رقم 14 فبراير عام 1982، عام غزو لبنان، قد نشر مقالًا عن “خطط إسرائيل الإستراتيجية في عقد الثمانينيات من القرن العشرين تؤكد على ضرورة ضرب دول ثلاث تمثل تهديدًا لها، وكانت هذه الدول هي (العراق – سوريا – مصر).

ومما ورد في المقال: “لقد غدت مصر، باعتبارها كيانًا مركزيًا، مجرد جثة هامدة، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار المواجهات التي تزداد حدة بين المسلمين والمسيحيين. وينبغي أن يكون تقسيم مصر إلى دويلات منفصلة جغرافيًا هو هدفنا السياسي على الجبهة الغربية خلال سنوات التسعينيات. وبمجرد أن تتفكك أوصال مصر وتتلاشى سلطتها المركزية، فسوف تتفكك بالمثل بلدان أخرى مثل ليبيا والسودان وغيرهما من البلدان الأبعد. ومن ثم فإن تشكيل دولة قبطية في صعيد مصر، بالإضافة إلى كيانات إقليمية أصغر وأقل أهمية، من شأنه أن يفتح الباب لتطور تاريخي لا مناص من تحقيقه على المدى البعيد، وإن كانت معاهدة السلام قد أعاقته في الوقت الراهن.  وبالرغم مما يبدو في الظاهر، فإن المشكلات في الجبهة الغربية أقل من مثيلاتها في الجبهة الشرقية. وتعد تجزئة لبنان إلى خمس دويلات بمثابة نموذج لما سيحدث في العالم العربي بأسره. وينبغي أن يكون تقسيم كل من العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد. والخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف هي تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين.  فالبناء العرقي لسوريا يجعلها عرضة للتفكك، مما قد يؤدي إلى قيام دولة شيعية على طول الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، وأخرى في دمشق، بالإضافة إلى كيان درزي قد ينشأ في الجولان الخاضعة لنا، وقد يطمح هو الآخر إلى تشكيل دولة خاصة، ولن يكون ذلك على أي حال إلا إذا انضمت إليه منطقتا حوران وشمالي الأردن. ويمكن لمثل هذه الدولة، على المدى البعيد، أن تكون ضمانة للسلام والأمن في المنطقة. وتحقيق هذا الهدف في متناول يدنا . أما العراق، ذلك البلد الغني بموارده النفطية الذي تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع إسرائيل. ويُعد تفكيكه أمرًا مهمًا بالنسبة لإسرائيل، بل إنه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل”. (حفارو القبور، روجيه جارودي، طبعة دار الشروق 2002، ص: 41 – 42). وما حدث في العراق ويحدث في سوريا ليس في حاجة إلى بينة.

كل هذه التفصيلات تدفع بخيار الدولة نحو المقدمة، مع ضرورة عدم رمي أصحاب الرأي الآخر بالخيانة أو العمالة، فلم يشكك أحد في وطنية “جون لوك” حين أكد في فلسفته على حق الثورة، ولم يلعن أحد “توماس هوبز” حين دافع عن الأمن والأمن وحده باعتباره غاية الغايات، كل ما في الأمر أنها مجرد اختلافات في زوايا النظر لا أكثر ولا أقل. وحتى لا ندعي مثالية خرقاء يجب علينا أن نسقط من اعتبارنا أصحاب المصلحة في إسقاط الدولة السورية، سواء كانت هذه الأطراف داخلية أو خارجية، لأن الهوى حكم عقول وتوجهات هؤلاء، كما أن الكثيرين منهم ليسوا طرفًا في المعادلة السورية بالأساس، بعضهم لا همّ له سوى إسقاط النظام السوري أيًا كانت النتائج، وبعضهم الآخر كما عرضنا في حالة إسرائيل همّه الأساسي إسقاط الدولة ذاتها، وكل طرف من هذه الأطراف تجد له مؤيدين، سواء كان تأييدهم عن وعي باللعبة واستفادة منها، أو نتاج تضليل صنعته آلة إعلامية جبارة.

0 1845 03 مايو, 2018 الخامس والتسعون, العدد الأخير, سياسة مايو 3, 2018