مفهوم ” العلاّمةالمجدد” في الأوساط الدينية

لـ

                كنت قد طرحتُ في فترة سابقة  مفهوم “المثلنة” بوصفه مصطلحا في تقاليد التحليل النفسي؛ وفرّعت منه ما أسميته بـ”المثلنة الدينية” اعتمادا على معجم مصطلحات التحليل النفسي؛ والمثلنة عملية نفسية ترفع بواسطتها صفات الموضوع وقيمته إلى مرتبة الكمال[1]؛ على أن النفس البشرية تتوسل رهانات متعددة في عمليات المثلنة؛ ولعلّ إطلاق “الألقاب الدينية” مثل “العلامة المجدد” و”شيخُ الإسلام” وغيرهما من الألقاب المركبة تندرج تحت طرائق المثلنة وعملياتها النفسية؛ بحيث يسيِّج العقلُ الدينيُّ رموزه بهالات التقديس ليصل بها إلى مرتبة تقارب حياض النبوة والعصمة؛ وليكونوا علماء ربانيين لحومُهم مسمومة، وهم الأعلم بفهم الشريعة وفقه النص الشرعي؛ ولا يمكن سلب القيم الاعتبارية والافتراضية لهذه العمليات من حيث إن الواقع والتاريخ يشهد بنقيضها؛ فكل عالم عند طائفة دينية محددة يُعدُّ مجددا ربانيا هو لا يعدو من كونه مبتدعا مخالفا لما عليه السلف عند طائفة أخرى من المسلمين؛ لأن العقل الديني لا ينظر إلى الأفكار معزولة عن الشخوص أو الانتماءات المذهبية؛ فهي مشروطة في قبولها بنوع المصدر وانتمائه؛ وفي هذه الدائرة تعترك الأهواء وتؤلف كتبُ الردود المذهبية حتى يكرّس “العلامةُ المجدد” حياته في خدمة المذهب وإعادة البريق إلى جدرانه القديمة.

سأحاول ربط موضوع التجديد في الدين بوصفه ظاهرة دينية في الأوساط الإسلامية بمصطلحي “التجديد” و”التقليد” باعتبارهما مصطلحين ينتميان إلى “فلسفة المنطق” والنظرات الإبستمولوجية على ألاّ أجتثهما من الطبيعة التداولية لهما في الأوساط الدينية، وإنما أستمدُّ معناهما من داخل الدائرة الدينية لبيان درجات التناقض أو التضاد بينهما.

وقد لا ينبو اعتقادي بأن هذه الممارسات نزعاتٌ نفسية في عمق الوعي واللاوعي الإنساني وعلاقتهما بوحشة المصير والقلق تجاه الموت والاضمحلال؛ توسُّلا بأحادية الحقيقة واشتغالا للثنائيات الدينية التي تحدث شروخها وهزاتها العنيفة في العقل المسلم؛ يجعلني ذلك أستعيدُ فكرة الألقاب الدينية إلى الوضعيات الراهنة التي نعيشها في الأطياف الإسلامية والتاريخية التي عاشها الأوائل إزاء الآخر؛ فتنشأ التجاذبات النفسية- العقلية؛ لأن الألقاب الدينية بهذا التفسير النفسي تخرج من دائرة الانفعال إزاء الأنطولوجيا إلى دائرة الافتعال الاعتباري المنطقي؛ بعبارة أخرى: إنها إنتاجٌ مذهنيٌّ للعلامات اللسانية وليست وصفا لموجود قائم، فهي ترتبط بالمتخيلات أكثر من ارتباطها بالموجودات؛ وهي علاماتٌ مصنوعة للتداول بوصفها أنساقا ثقافية أو سيميائية تحمل في طياتها قدرا كبيرا من “التضليل” الذي يجافي الطبيعة الإنسانية للمعرفة بوصفها موضوعا؛ فلا تستطيع تلك العلاماتُ التفلّت إذَّاك من إكراهات الذات وربقة استهوائها؛ لأن التضليل يمارس دور التسييج وصناعة التقديس حول الرمز الديني الملقّب؛ فيتم عزل هذا”الرمز الديني”  المصنوع عن الذات الناقدة بتغليفه وإقصائه عنها؛ فتنشأ التناقضات والازدواجية والصراع الديني- العقلي؛ فهي ذات تنزع قدسيتها من علاقتها بالمقدس الإلهي المتعالي.

إن التجديد الديني عنصر داخل سيرورة دلالية كبرى يمكن فهمها وتفكيكها من خلال توظيف مصطلح “ميتاقصة” أو “ميتا- القصص”   metanarrative الذي نحته ليوتار؛ بمعنى أن إطلاق “اللقب” على “رجل الدين” البورجوازي أو المنتمي إلى هذه الطبقة انتماء هيراركيا أو هرميا بسبب اشتغال العناصر كلها بحركة متآزرة مع السيرورة الكبرى لإنتاج المعنى حتى تصل إلى المجدد الأكبر في المرحلة الراهنة أو المراحل التاريخية كلها بوصفه عنصرا من عناصر السند المتصل grand narrative؛ وذلك لـ”لتضفي المشروعية على أشكال معينة من المعرفة من خلال بث فلسفة معينة في ثناياها تقطع بصحتها، أو بعبارة أبسط نقول: إنها القصة التي تهدف إلى إقامة مذهب فكري أو أيديولوجي (عقائدي) معين، يستوعبه السامع أو القارئ أثناء استمتاعه بمتابعة الحكاية، ومن ثم فهي قصة لها ما وراءها”[2]، وهذا هو تغليف “الرمز” وتقديسه بوصفه منقذا للأمة من الضياع؛ لذلك ينزع ليوتار إلى عدم التصديق للميتا-قصص؛ لأن العلم وحده يستطيع تمكين البشر من الارتقاء فوق بؤس حالهم الراهن[3]؛ وبذلك تتحول سيرورة الدلالة إلى إعادة إنتاج للمعنى التاريخي في ظرف مختلف وفق سيرورات الميتا-قصص وأحيانا الميتا-خرافة إن صحَّ هذا التعبير.

إن “التجديد” بوصفه سيرورة معنى لا يشتغل إلا وفق ثنائية متلازمة مع “التقليد”؛ أي أنهما يتقابلان، ولكنه تقابل باطل[4] ؛ إذ لا يخلو مجدد من تقليد، ولا مقلد من تجديد؛ بل إن التجديد تقليد في أساسه في السياق الديني، على أن الأوساط الدينية لا تحمل هذه الألقاب على المعاني النسبية ضمن فضاءات التضاد أو التناقض باعتبار المنطق المتعدد القيم الذي يرفض مبدأ الثالث المرفوع الأرسطي؛ وإنما تحمله حملا نفسيا؛ بحيث يمكن أن يندرج في اللاوعي الجمعي الديني تحت التنصّل Negation  وهو عملية بوحٍ بإحدى رغبات الذات أو الأفكار مع الاستمرار في الدفاع عن نفسها[5] من خلال إنكار التقليد مثلا أو التعالي أو إنكار الرغبة في الظهور بإظهار عناصر التواضع والكرامات التي تُضفَى على الرمز الديني، وكأنه فعلٌ جمعي باعتبار الجمع ذاتا إنسانية تقاوم عمليات النفاذ إلى اللاوعي الكاشف عن مكبوت الميتا-قصص[6]؛ وبهذه العمليات يتحول حامل اللقب وهو الرمز الديني “المجدد”  إلى كائن مقدّس عصيّ على النقد؛ حتى نستطيع من خلال السيروة كلها إدراج ملحوظتين على الأقل:

1- انطواء العملية على تناقضات تجعلها تنهدم منطقيا؛ فهي تقدم شعارات التواضع وجواز النقد، وعدم مشروطية الحق بالمصدر؛ وهي في الآن نفسه تحاط بعمليات المقاومة التي تصادر كل نقد يروم فحص مقولات “المجدد” و”العالم الرباني” وارث علوم الأوائل، شيخ الإسلام؛ وحيد العصر، وفريد الدهر؛ الذي لم تر عينُه مثل نفسه، فهذا الواقع لا يكتفي بمصادرة النقد حتى تفتك بالناقد ذاته بعمليات الاتحاد مع السلطة السياسية باعتبار أن الأوساط الدينية طبقة بورجوازية لها مصالحها؛ فتتمازج القوى الدينية مع القوى الأمنية في البلاد العربية لتشكيل الثقب الأسود وفق تقارير التنمية الإنسانية، وبهذا حينما يتّهم شخصٌ بانتهاكه للدين إنما يتهم داخل عمليات اتحاد إرادة الله وحلولها في إرادة العلماء الربانيين الذين ينطقون باسم الله ما انطلقوا من كتاب الله وسنة نبيه.

2- أن النظر إلى النقد تبعا لعمليات “الميتا-قصص” أو “المثلنة الدينية” لا يتم بالنظر إلى النقد ومناهجه أو مضامينه وبراهينه، وإنما يتم النظر وفق ثنائية المقدس والمدنس؛ فالدعاوى النقدية ساقطة من الوهلة الأولى لأن الممارس للنقد ينتمي إلى الدائرة الشيطانية المدنسة، فإن هو إلا زنديق يريد أن يغوي المجتمع بنقده، ويحاول أن يتماسَّ مع علماء الأمة الربانيين؛ وعليه فإن آليات الحجاج التي يمارسها الوسط الديني إنما هي آلياتٌ تجانب علمية النقد إلى ما يسمى “الحجاج بالازدراء”؛ فالناقد يزدرى ويطرد من هذه الدائرة الطاهرة، ولا يمكنه أن يكون أو يقارب درجة “العلامة المجدد”.

إن الاشتغال السابق للسيرورة الدلالية ينم عن ميكانزمات الدفاع التي يفرزها الوعي الديني الجمعي بحيث يكون النقد للرموز الدينية تشتغل اشتغالا يتسم بسمتين هما: أنه دَرَجي يجعل الرموز الدينية على مستوى تراتبي؛ فلا يمكن نقد “العلامة المجدد” إلا ممن كان على درجته، وتاليا وبسبب انعدام الرمز الديني الذي هو على درجته فإن النقد منعدم داخل الدائرة ذاتها بسبب اشتغال هذه العاطفة ضمن إستراتيجية الدفاع النفسي، وثانيا؛ أن النقد لا يمكن أن يصدر متوجها إلى الرمز الديني خارج دائرة المقدس الطاهر؛ فليس لناقد حداثي تعتمل في عقله حُفنة من النظريات العقلية والعلمية أن يمارس نقده المدنس لمقام الطهارة للعلامة المجدد الذي ينطق باسم الله من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

إن ما يعدّ نطقا بالكتاب والسنة إنما هو تأويل واجتهاد ينصبغ بانتقاءات “العلامة المجدد” وانتماءاته المذهبية العاطفية؛ لذلك أنت إزاء كل “مجدد ديني” في كل الفترات التاريخية للتراث الإسلامي تجده بين تيارين: أحدهما ينتمي إلى دائرته المذهبية؛ فهو رافع له، وآخر ينتمي إلى خصومه فيعدّ المجدد ذاته مبتدعا ضالا يقدم له نصائح الهداية؛ فلا تخلو القضية من مواربات وتضليل خشية الاستدلال على مكامن النقد التي يخفيها مريدوه، وهي تنطوي على إظهار لمصطلحات التكفير والإقصاء والتأثيم للآخر الذي يخرجه أعداؤه من دائرة الطهارة؛ وهذا بحد ذاته يدلل على بطلان التقابل المنطقي بين التجديد والتقليد؛ لأن التجديد تقليد في حدّ ذاته، والتقليد فيه “تتجلى أصلية الاجتماع والترافق والتشارك في تسمية الجماعة من القوم باسم القِلْد، وإن سلمنا بأن الجماعة ما كانت جماعة إلا بمقتضى اجتماعها على أشياء وإجماعها عليها؛ لزم ضرورة أن يستتبع الحديث عن التقليد باستحضار مفهوم القلد، الحديث عن مواضع الإجماع التي بها تلتئم الجماعة”[7]، فلا يمكن أن يكون رمز ديني مجددا وربانيا إلا بانتمائه إلى تقاليد مذهب ديني محدد، والسير على نهج أسلافه من مذهبه، وإلا سقطت ادعاءات التجديد دون التقليد، وبالتقليد لقدمائه يقع التناقض؛ فلا ثمّ تجديد ولا مجدد، وإنما هو الوهم.

ومما يلفت الانتباه إلى التناقض بين الأصول والمرويات في أمر التجديد والمجددين، ما أخرجه الحاكم في المستدرك “عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولا أعلمه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدد لها دينها[8]؛ فالتجديد هنا “بعثُ القديم” ذاته دونما تغيير كما قد أسلفنا؛ لأن التغيير بالمعنى الديني يخالف التجديد ويتحول إلى الزندقة والابتداع؛ باعتبار أن الأمة تواجه عوادي الدهر، وظروف التاريخ ونواميسه فيسري إليها الضعف، والتجديد نسبة إلى الراهن الذي يتعالى على القديم؛ فيعيد إليها المجددُ تاريخَها؛ لذلك تلاحظ أن الحالة التدينية لا تكتفي بجوهر الدين وأخلاقه دون الشكل الضافي عليه الذي يعدّ علامة مميزة للذات المتدينة؛ لذا فإن المجدد داع لا محالة إلى التقليد باسم التجديد؛ وبالنظر إلى التيارات الدينية الراديكالية نلاحظ أمرين:

1- أنه بعدما تبين معنى التجديد والتباسه بالتقليد، يصبح “المجدد” عنصرا فاعلا في السيرورة المتجددة للدين؛ فهو معيد للمعنى ومنتج للخطابات القديمة واللغة الدينية التقليدية ذاتها؛ حتى يتكرّس المتدين، فيحسّ بتعالي القديم وقوته وقدسيته؛ ليحتقر الحاضر ويعده شرا محضا؛ فالتجديد يقع إزاء هذا الواقع الضعيف أمام قيم الدين التي تمثلت في أفعال الأوائل في التاريخ من الصحابة وغيرهم، وفي أفعال “العلامة المجدد” في الحاضر الذي يشكل صورة فعلية للقديم المثالي الذي يعاد إنتاجه؛ يقول الحسن بن علي البربهاري: “واعلم أن الدين إنما هو التقليد، والتقليد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”[9]؛ فتشتغل المثلنة الدينية ويظّهر اظَّهارات تتمثل في الألقاب والكرامات.

2- أن التجديد باعتبار تعدد زوايا النظر المذهبية التي أشرنا إليها قبل قليل ينهار بسبب الجمع بين الشيء ونقيضه؛ لذلك لاحظ الحافظ ابن كثير هذا التناقض حتى جعله علة لخبر التجديد الذي رواه الحاكم في المستدرك؛ يقول ابن كثير: “وقد ادّعى كلُّ قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر – والله أعلم – أنه يعمُّ حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف”[10].

بل الظاهر أن الأمر لا يخلو من أوهام وعاطفة.

 

_______________

[1] جان لابلانش، وجان برتراند بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، تر. مصطفى حجازي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص. 757

[2] سايمون تورمي، وجونز تاونزند، المفكرون الأساسيون من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية، تر. محمد عناني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016، ص. 17

[3] المرجع السابق، ص. 141

[4] حمو النقاري، أبحاث في فلسفة المنطق، بيروت: دار الكتاب الجديد، 2013، ص. 7

[5] جان لابلانش، وجان برتراند بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ص. 363- 364

[6] المرجع السابق، ص. 792

[7] حمو النقاري، أبحاث في فلسفة المنطق، ص. 7- 8

[8] أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، بيروت: دار المعرفة، 2006، جـ5/ ص. 730، رقم الحديث (8639)، وقد أخرجه جماعة منهم أبو داود، والبيهقي، والخطيب في تاريخ بغداد، وابن عساكر

[9] القاضي محمد بن أبي يَعلى، طبقات الحنابلة، القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، جـ2/ ص. 29- 30

[10] إسماعيل بن محمد العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتُهر من الأحاديث على ألسنة الناس، بيروت: مؤسسة مناهل العرفان، جـ1/ ص. 243

0 607 10 مايو, 2018 الخامس والتسعون, ثقافة وفكر مايو 10, 2018