حسن البشام راحلًا من السجن وخالدًا في الضمير العُماني

لـ

 (1)

أيها العُماني الجميل لوعيك أصلي. أنت ووعيك الوطن.”

                                                   حسن البشام. 12 مارس 2017

 

(2)

فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ

كان الخبر الذي طوى الأرجاء العمانية صباح الثامن والعشرين من أبريل 2018 قادمًا من سجن سمائل المركزي عن وفاة الدبلوماسي العُماني السابق حسن البشام أشبه بطلقة غادرة أحدثت نزيفًا في الوعي، شللاً في الحركة والاتزان، وجرحًا غائرًا في النفس والضمير والكرامة. كان خبرًا صادمًا وقاسيًا وجارحًا بكل ما تحمله الكلمات من معنى، وإلى هذه اللحظة لا نستطيع استيعاب ما حدث. كيف يموت رجل نبيل كحسن البشام بهذه الطريقة؟ وأين؟ في السجن! ومن أجل ماذا؟ بسبب تعبيره عن رأيه ! لم يكن حسن البشام في السجن لأنه كان قاتلًا أو سارقًا؛ بل لأنه كان رجلًا حرًا مارس حقه المشروع في التعبير عن رأيه الذي كفله له النظام الأساسي للدولة.

لقد رحل حسن البشام عن الحياة في مساء السابع والعشرين من أبريل من العام الجاري في سجن سمائل المركزي إثر تدهور حالته الصحية نتيجة ارتفاع حاد لمستوى السكر بالدم. رحل حسن البشام من السجن ومن الحياة إلى الأبد وهو في أوائل الخمسين من عمره، تاركًا لنا بفقده المرارة وعذابات الضمير والخيبات المتكررة  !

 

(3)

العُماني النبيل

لم يكن حسن البشام باحثًا عن وظيفة، فقد استقال بمحض حريته وإرادته من عمله في السلك الدبلوماسي حينما كانت الأبواب مشرعةً له للترقي والعيش الرغيد. كما لم يكن باحثًا عن مالٍ أو جاه، فقد كان ميسورًا معطاءً للفقراء والمحتاجين، عازفًا عن كل الوجاهات الاجتماعية، ومرتضيًا مكانةً له في قلوب الناس الذين أحبهم وأحبوه. كانت فضيلته الكبرى، التي عُدَّت ربما خطيئته التي لا تغتفر، هي قلبه العطوف على المحتاجين، إحساسه المرهف الذي يأبى الظلم، وتشبثه بحرية رأيه وفكره حتى لو كلفه الأمر حياته، أليس هو من كان يردد: “إذا لم تكن لك قضية إنسانية، ومشروع وإنسانية وطنية، وقدرة وإصرار على التضحية.. لا تتقدم الركب”.

حين انفتح الفضاء العماني لحرية الرأي والتعبير في دوار الكرة الأرضية بصحار عام 2011 وجد حسن البشام نفسه في المنصة أمام الحشود، يتنفس الحرية، ويصدح بآرائه وأفكاره بكل جرأة، وتحمَّل بعدها الضرب والأذى والسجن صابرًا محتسبًا في سبيل ما يعتقده. لهذا تجلى حسن البشام بشخصيته العمانية الأصيلة والفريدة، التي تعبّر عن نفسها بوضوح سواء في كلماته وعباراته المتفردة التي ينتقيها للتعبير عن نفسه، وفي حضوره الإنساني الراقي، أو مبادراته التي هي أقرب لروح الفنان المتمرد التي لا تقبل الحصار والأطر الضيقة، فالبعض ربما يتذكر أعماله الفنية الأنيقة التي صنع فيها من جذوع النخيل مجسمات متعددة الأشكال والاستخدامات بألوان زاهية، وباعها وخصص ريعها لمساعدة أسر المعتقلين آنذاك، لا ليوصل فقط رسالة التضامن والدعم لهذه الأسر؛ بل أيضًا رسالة الفن والجمال في خدمة الناس.

الآن، ونحن لم نُفق بعد من هول صدمة موته الفاجعة والمحزنة، نكتشف أكثر كم كان هذا العماني الأصيل حسن البشام جميلاً ونبيلاً، وكم كان محبًا لبلده وناسه، فإلى هذه الدرجة ضاقت البلاد بما رحبت عن احتمال هذا الإنسان المختلف الذي كان أشبه بنخلةٍ عمانيةٍ أصيلةٍ لم تؤذِ أحدا، وكانت تمنح ظلَّها وثمارها لكل الناس؟! ألهذه الدرجة لم يكن في الوطن متسعٌ لرجلٍ أصيل ونبيلٍ مثل حسن البشام سوى أن يودع السجن، ومنه إلى القبر؟! هل كان حسن البشام يستحق كل هذه القسوة والجحود والنكران؟!

 

(4)

المحاكمة

بتاريخ الثامن من فبراير من العام 2017 أصدرت المحكمة الابتدائية في مدينة صحار حكمًا بالسجن ضد حسن البشام بتهم من بينها:” استخدام الشبكة المعلوماتية في ما من شأنه المساس بالقيم الدينية.” وذلك بسبب عبارة يشوبها الغموض كتبها في حسابه بتويتر، كما أنه وضع في نهاية هذه العبارة نقاطًا للدلالة على أنها غير مكتملة. تلك العبارة التي كتبها كانت قابلة للتأويل على أوجه مختلفة، كما أنها لم تحمل أية إساءة صريحة، ولم تلحق الضرر بأحد. إن عبارات اللغة قد تلبس أردية الكناية والاستعارة والتشبيه والمجاز، ومن أبسط حقوق الكاتب أن لا يتم تفسير قصده وإدانته بما لم يصرح به تصريحًا واضحًا محددًا لا يقبل التأويل، لأن هذا يعني محاكمة النوايا لا محاكمة الأفعال. إن قابلية أي فعل للتجريم تتضح بالسؤال عن الأثر القانوني الذي ترتب عليه، والضرر الذي أحدثه ويستحق الإدانة والعقاب، فما هو الضرر الذي يحدثه تعبير إنسانٌ ما عن اعتقاده ؟

إن حق الإنسان في التعبير عن رأيه حقٌ أصيلٌ لا يجوز انتهاكه سواء وفقاً للدستور العُماني أو في أغلب دساتير الدول، وكذلك حرية المعتقد، إذ لا يجوز التدخل في علاقة الإنسان بخالقه،  فالرب لا يمكن الإساءة له بأي حال من الأحوال، لأن الإساءة تعني إلحاق الضرر، ولا يمكن لمخلوق أن يلحق ضررًا بالخالق، كما أن الرب ليس بحاجة لدولة تنظم علاقته بالبشر، فأبواب التوبة إليه مفتوحة دومًا لعباده، ومغفرته وسعت كل شيء. ولهذا من المؤسف أن تكون هنالك محاكمات يحاسب المرء فيها على نواياه الخفية، ويتم تفسير كلامه واتهامه بما لم يقصده، بل تتم استتابته، مع أنه لم يرتكب ما من شأنه أن يستوجب الاستتابة! والملاحظ أن الكثير من النصوص القانونية التي استحدثت في عُمان منذ عام 2011 تنتهك وتضيق على الكثير من الحقوق والحريات التي يكفلها أصلاً النظام الأساسي للدولة، مما يجعلها أحياناً في تعارض معه، وإحدى نتائجها المريرة التي نراها الآن لم تعد فقط في اعتقال إنسان بسبب ممارسة حقه المشروع في التعبير عن رأيه، بل في خروج هذا الإنسان من السجن ميتاً!

(5)

أسئلة مُلِحة ما انفكت تطرق أبواب الضمير

إن حياة السجين ورعاية صحته هي من مسؤولية المؤسسة العقابية طوال فترة محكوميته، ومن ثمَّ هنالك أسئلة تثور من تلقاء نفسها: هل تعدّ حادثة وفاة حسن البشام جريمة يجب أن تحاسب على إثرها المؤسسة العقابية؟ هذا السؤال يقودنا إلى تعريف الجريمة بحسب المُشِّرع العُماني وهي: نشاط مجرّم قانوناً بارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل يؤدي إلى إحداث نتيجة. فعل الامتناع بوصفه أحد عناصر الركن المادي للجريمة السلبية هو كل ما يأمر به القانون ويمتنع الشخص عن القيام به، ويتمثل في وجود واجب قانوني والجزاء لكل من يخالف هذا الواجب، ومن صوره: الإهمال. وحيث إنه بحسب المشرع العُماني لا يكفي وجود جريمة، بل لابد من وجود نص فالقاعدة تقضي بأنه: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على القانون” ففي الأحوال العادية سنجد العديد من النصوص تجرم فعل الإهمال، بما في ذلك الإهمال الطبي في تقديم المساعدة والعلاج اللازم للمريض والإهمال في إسعافه لإنقاذ حياته؛ لكن بالنسبة للأفراد العاملين في المؤسسة العقابية فيحكمهم قانون القضاء العسكري الذي يوجد به أيضًا نصٌ صريح في تجريم هذا الفعل في الفصل الثامن لـ”جرائم إساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة” في المادة:(96) من هذا الفصل، حيث تنص على عقوبة السجن لكل من تهاون بلا سبب مشروع في القيام بواجبات وظيفته.

وعليه فإن حادثة وفاة حسن البشام بسبب تدهور حالته الصحية لا يمكن اعتبارها قانونيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا حالة وفاة عادية. فحسن البشام كان يعاني من مرض مزمن وهو مرض السكر، وهو مرض يمكن التعامل معه سهولة بتوفير الدواء الضروري، والعناية الطبية المطلوبة، وأيضاً الإسعاف السريع في حال تعرض المريض لنوبة مفاجئة.

لقد احتج البعض بالقضاء والقدر في تفسير وفاة حسن البشام واعتبرها حالة وفاة عادية، وأنه لا يمكن اعتبارها جريمة، لكن هذا الاحتجاج يمكن الرد عليه بالآتي:

أولاً: كل حالة وفاة هي قضاء وقدر سواءً أكانت دون سبب أم كانت لأسباب واضحة. لنفترض أن إنسانًا ما مات مقتولاً بسبب الإهمال الطبي أو لأيما سبب من الأسباب، هل علينا أن نحتج بالقضاء والقدر للإعفاء أو التهاون عن محاسبة مرتكب الجريمة ؟

ثانياً: لنفترض أن حسن البشام كان في منزله ولم يكن في السجن؛ هل كان في الأحوال المعتادة سيموت بسبب سوء التغذية أو لعدم توفر دواء السُكَر، وهو رجل ميسور الحال كما يعلم الجميع ؟ هل كان سيموت بسبب التأخر في إسعافه ومنحه الأدوية التي يحتاجها ؟! هل كان هذا الإنسان يستحق الموت بهذه الطريقة المشينة والمحزنة ؟

أي مجتمع من الطبيعي أن يرفض تجاوز حالة وفاة كهذه دون التحقيق في أسبابها ومحاسبة المسؤول عنها. وللأسف لا توجد لدينا في عُمان نقابة أطباء تقوم بدورها الضروري في رعاية السجناء، كما أن اللجنة الوطنية العُمانية لحقوق الإنسان أهملت دورها، فأين هي من هذا التجاوز الصارخ لحقوق الإنسان ؟

لقد كان من المثير للاشمئزاز ظهور عدد هائل من الحسابات الوهمية في تويتر بعد وفاة حسن البشام قامت بنشر ما ينتهك حرمة الميت إنسانيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، إذ إنها قامت بتكفيره علنًا والتشكيك بأخلاقه ووطنيته والشماتة من وفاته دون مراعاة لمشاعر ذويه ومحبيه. أي مآل هذا الذي واجهه إنسان حر وأصيل كحسن البشام حياً وميتاً ؟

(6)

لا نريد خسارة أخرى

إن خسارة إنسان عظيم و نبيل مثل حسن البشام لا يعوضها شيء. ولكن يبقى من حقه علينا كإنسان وكمواطن عُماني أن يتم الكشف عن أسباب وفاته، وفي حال ثبت وجود إهمال أن تتم محاسبة من تسبب بهذا الإهمال، وأيضاً محاسبة من تعدى على حرمته بعد وفاته في مواقع التواصل الإجتماعي. كما أن موته بهذه الطريقة المؤسفة والفاجعة يثير قلقنا ومخاوفنا على الكاتب والسينمائي عبدالله حبيب الذي يقضي الآن في سجن سمائل المركزي مدة محكوميّته بسبب اتهامه بتهمه مماثلة وهي “الإساءة للمقدسات الدينية” بسبب عبارات كتبها في حسابه في الفيس بوك. فهل يا ترى تتوفر لعبدالله حبيب الرعاية الطبية التي يحتاجها في السجن بسبب أوضاعه الصحية الصعبة؟ وهل سمحت إدارة السجن بإيصال أدويته التي يحتاجها؟ هل تم السماح له بالذهاب إلى المستشفى؟ وهل هنالك استعدادات وجاهزية كافية لتوفير الإسعافات السريعة فيما لو داهمته أية أزمة صحية مفاجئة؟ قلوبنا يعتصرها الألم لفقد حسن البشام ويعتريها الخوف والقلق على عبدالله حبيب، فمصيبة كبرى أن يسجن إنسانٌ بسبب ممارسته لحقه في التعبير عن رأيه الشخصي الذي كفلته له كل الشرائع والقوانين، ومصيبةٌ أعظم أن يفارق هذا الإنسان الحياة في السجن بهذه الطريقة، والمصيبة الأعظم هي حين نغض النظر عن كل هذا، ونواصل حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث !

 

0 2349 17 مايو, 2018 الخامس والتسعون, سياسة مايو 17, 2018