مقابلة إمبرتو إيكو (3/3)

لـ

بين الترجمة وشخصية المثقف والكتاب الذي لن يكتب

(الجزءُ الثَّالث).

لقراءة الجزء الثَّاني، اضغط هنا.

ولقراءة الجزء الأوَّل، اضغط هنا.

مع تسارع وتيرة الأحداث العالمية التي تطال كل شأن، وتفرض التغيير على كل ميدان، تطرح الكثير من الأسئلة نفسها حيال الوضع الإنساني وموضع العلم والفن من كل ما يحدث، يمثل إمبرتو إيكو حالة ثقافية جماهيرية وذلك لمشاركته في العديد من الفعاليات الثقافية التي تسهم في النهوض بوعي الأفراد بشكل أو بآخر. في الجزء الثالث من المقابلة يتخذ الحوار منحى أكثر شخصية، فنجده يتحدث بشكل أكثر صراحة عن نفسه: عاداته، همومه وطموحاته، في مقطع الفيديو المصاحب للمقابلة، يقدم إمبرتو إيكو نصائح للكاتب الشاب، وفي المقابلة يتطرق الحديث عن علاقته بالقارئ والرب والترجمة التي يعدها شكلاً من أشكال التفاوض. يعد الإيطالي أنطونيو غرامشي مثالاً لشخصية المثقف ومنظرًا لها من خلال مسيرته النضالية حتى خلف قضبان السجن، حيث قضى السنوات العشر الأخيرة من حياته، وكتب أشهر مؤلفاته دفاتر السجنالتي تحدث فيها عن المثقف العضوي، فهل يتفق إمبرتو إيكو مع سلفه حيال شخصية المثقف في العصر الحديث ؟ وما سر الكتاب الذي لطالما طمح إمبرتو إيكو بكتابته وعجز عن فعل ذلك؟ كل هذه الأسئلة يجيب عنها في الجزء الثالث والأخير من ترجمتنا لمقابلة الفيلسوف والروائي الإيطالي إمبرتو إيكو.

 

 

 

– ما هي أعظم مُتعك اليوم ؟

 

قراءة الروايات في المساء. كوني مرتدًا عن الكاثوليكية أحيانًا ما أفكر أنه لم يعد هنالك وجود لذلك الصوت الناهر في رأسي هامسًا أن الروايات أكثر إمتاعاً حين تُقرأ آناء النهار. من ثمَّ فالنهار عادة مخصص لكتابة المقالات والعمل الشاق.

 

– ماذا عن المُتع المُخجلة ؟

 

لست في جلسة اعتراف! حسنًا: شراب السّكُّوتش. التدخين كان متعة مخجلة حتى أقلعت عنه قبل ثلاث سنوات. كان بإمكاني تدخين قرابة ستين سيجارة في اليوم. لكنني كنت مدخن غليون سابق؛ لذلك فقد كانت عادتي نفث الدخان أثناء الكتابة، لم أكن أستنشق كثيرًا.

 

– انتُقدتَ لسعة الاطلاع التي استعرضتها في أعمالك. ذهب أحد النقاد إلى حد القول إن الغاية الرئيسة من عملك بالنسبة لقارئ عادي هي الوصول به إلى حالة الخزي الذي يشعر به حيال جهله، والذي يتحول بدوره لإعجاب ساذج بألعابك النارية.

 

هل أنا شخص سادي ؟ لا أدري. مستعرض؟ ربما. أنا أمزح. بالتأكيد لا! أنا لم أعمل بجهد كبير طوال حياتي فقط لأكوّم المعرفة أمام قرائي. معرفتي تشي بنفسها حرفيًا في البُنى المعقدة لرواياتي. ثم يعود الأمر للقارئ لمعرفة ما يشاء.

 

– هل تظن أن شهرتك الاستثنائية بصفتك روائيا غيّرت من فهمك لدور القارئ ؟

 

حين تكونين أكاديمية لردح طويل من الزمن، تكون كتابة الروايات أشبه بكونكِ ناقدة مسرحية ودون سابق إنذار تتقدمين نحو أضواء المسرح وزملاؤكِ السابقين — النقاد — يحدقون بك. كان الأمر مذهلاً في البداية.

 

– لكن هل غيرت كتابة الروايات نظرتك عن مدى تأثيرك في القارئ كمؤلف؟

 

لطالما آمنت أن الكتاب الجيد يفوق مؤلفه ذكاءً. يمكنه قول أشياء لا يدركها الكاتب نفسه.

 

– هل تعتقد أن وضعك كروائي يحقق أفضل المبيعات قلل من سمعتك كمفكر جاد حول العالم؟

 

منذ نشرت رواياتي تلقيت خمسًا وثلاثين شهادة تقدير من جامعات من مختلف بقاع العالم. من هذا المنطلق أستنتج أن الجواب عن سؤالك لا بد أن يكون لا. في جامعة ميليّو، كان أساتذة الجامعة مهتمين بالتذبذب بين السرد والتنظير. غالباً ما وجدوا بعض الروابط بين الجانبين في عملي، أكثر حتى مما ظنت أنا نفسي أنه كان موجوداً. إن أردتِ، سأريك جدارية المنشورات الأكاديمية عني كاملة.

إلى جانب أنني ما زلت مستمراً بإنتاج مقالات تنظيرية، ما زلت مستمرًا في العيش كأستاذ جامعي يكتب الروايات في نهايات الأسبوع، بدلاً من العيش ككاتب يزاول التدريس في الجامعة أيضاً. إنني أحضر الندوات العلمية العامة في العادة أكثر مما أحضر مؤتمرات PEN  (المؤتمر الدولي للكُتّاب). في الواقع، يمكن أن يقول المرء العكس: ربما عملي الأكاديمي يشوش على اعتباري في دور النشر المشهورة.

 

– لا شك أن الكنيسة الكاثوليكية جعلتك تمر بأوقات عصيبة. صحيفة الفاتيكان قالت عن بندول فوكو إنها طافحة بالدنس، التجديف، التهريج، والقذارة، متماسكة بطين التغطرس والسخرية.“

 

الأمر الأغرب هو استلامي مؤخراً لشهادات تقدير من جامعتين كاثوليكيتين، لوفين وليولا.

 

– هل تؤمن بالرب ؟

 

لماذا يحب المرء شخصًا بعينه يومًا ما ثم يكتشف في اليوم التالي أن ذلك الحب قد ذهب؟ للأسف! إن المشاعر دائماً ما تختفي دونما تبرير، وأحياناً دونما أثر.

 

– إن كنت لا تؤمن بالرب، إذن لماذا كتبت بهذا الإسهاب الكبير عن الدين؟

 

لأنني أؤمن بالدين. المخلوقات البشرية حيوانات دينية، ومثل هذه السمة الشخصية النابعة من السلوك الإنساني لا يمكن تجاهلها أو نبذها.

 

بالإضافة للباحث والروائي، ثمة شخصية ثالثة تناور للحصول على مكان ما في داخلك المترجم. أنت مترجم يُترجم له على نطاق واسع، وقد كتبت بشكل مُطوّل عن ألغاز الترجمة.

 

قمت بتحرير عدد لا يحصى من الترجمات، ترجمت عملين بنفسي، كما تُرجِمت رواياتي لعشرات اللغات. ووجدت أن كل ترجمة بحد ذاتها هي حالة من التفاوض. إن بعتني شيئاً وقمت بشرائه، نحن نتفاوض، وأنتِ ستخسرين شيئاً. أنا سأخسر شيئاً. ولكن في النهاية كلانا بشكل أو بآخر راضٍ. في الترجمة، لا يكون الأسلوب قاموسياً كثيراً، إذ من الممكن ترجمته بالاستعانة بالموقع الالكتروني آلتافيستا Altavista، بدون نغم. أجرى الباحثون اختبارات على تردد الكلمات في رواية ”الخطيب“ لمانزوني، تحفة الأدب الإيطالي في القرن التاسع عشر. كانت مفردات مانزوني اللغوية فقيرة جداً، لم يبتكر استعارات إبداعية، كما استخدم الصفة (جيد) في عدد يثير الذعر من المرات. لكن أسلوبه كان مذهلاً، نقياً وبسيطاً. لترجمته، كما فعلت كل الترجمات العظيمة، يتوجب عليكِ استحضار أنيماه (الأنيما: المصطلح الذي استخدمه عالم النفس كارل يونغ للدلالة على الجانب الأنثوي في شخصية الرجل)، عالمه، أنفاسه، ووتيرته الدقيقة.

 

– إلى أي حد تتدخل في ترجمات أعمالك؟

 

أقرأ كل الترجمات باللغات التي تسعني متابعتها. عادة ما أكون سعيداً لأنني والمترجمين نعمل سوياً، وقد كنت محظوظاً بعملي مع نفس المترجمين طوال حياتي. إننا نتشارك الآن نوعاً من الفهم المشترك. كما أنني عادة ما أعمل مع مترجمين بلغات لا أعرفها ، كاليابانية، الروسية، والهنجارية، لأنهم على قدر عالٍ من الذكاء بحيث يمكنهم شرح ماهية المشكلة الحقيقية في لغتهم، حتى يتسنى لنا النقاش حول كيفية حلها.

 

– هل سبق أن طرح مترجم جيد اقتراحًا أفضى لاحتمالات لم ترها في النص الأصلي؟

 

نعم هذا وارد الحدوث. مجددًا، النص يفوق مؤلفه ذكاءً. أحياناً يطرح النص أفكاراً لا يملكها المؤلف في عقله. المترجم، حين يكتب النص بلغة أخرى، يكتشف هذه الأفكار الجديدة، ويظهرها لك.

 

– هل لديك وقت لقراءة روايات مُعاصريك ؟

 

ليس كثيراً، منذ أصبحت روائيًا اكتشفت أنني منحاز، إما أن أفكر أن رواية جديدة أسوأ من رواياتي وأنها لا تعجبني، أو أشك أنها أفضل من رواياتي فلا تعجبني.

 

– ما رأيك في وضع الأدب الإيطالي اليوم ؟ هل ثمة كُتّاب رائعون في إيطاليا لم نسمع عنهم بعد هنا في أمريكا ؟

 

لا أدري إن كانوا كُتّاباً رائعين، لكننا قمنا بتطوير الكتاب متوسطي المستوى، فكما ترين، لا تكمن قوة الأدب الأمريكي فقط بأن يكون لديكِ فوكنر أو هيمنجوي أو من سواه، لكن أيضا بامتلاككِ جيشًا من الكتاب المتوسطين الذين ينتجون أدبًا تجاريًا محترمًا. هذا النوع من الأدب يتطلب حِرفية جيدة، خاصة في الحقل الخصيب للروايات البوليسية، التي تشكل بنظري مقياسًا للإنتاج الأدبي لأي بلد. جيش من الكتاب المتوسطين يعني أيضًا أن أمريكا قادرة على إنتاج مواد تكفي احتياجات القارئ الأمريكي. لهذا السبب قليلاً ما يُترجم لهم. في إيطاليا كان هذا النوع من الأدب غائبًا لوقت طويل، لكن الآن على الأقل ثمة مجموعة من الكُتّاب الشباب ممن ينتجون هذه الكتب. لست بمثقف متعالٍ، لا أظن كما لا ألاحظ أن هذه المجموعة من الأدب منفصلة عن الثقافة الأدبية لبلدٍ ما.

 

– لكن لمَ لا نسمع عن الكُتّاب الإيطاليين؟ أنت ربما الكاتب الإيطالي الوحيد حتى اللحظة، الذي يُقرأ له على صعيد دولي، واسع النطاق على الأقل.

 

الترجمة هي المشكلة؛ في إيطاليا، أكثر من عشرين بالمائة من السوق يعمل في الترجمة، في أمريكا النسبة هي اثنان بالمائة.

 

– نابوكوف قال ذات مرة: قَسّمت الأدب لنوعين، الكتب الذي أتمنى لو أنني كتبتها، والكتب التي كتبتها.“

 

حسناً، لا بأس، في التصنيف السابق كنت لأضع كتب كورت فونيغوت، ودون ديليلو، وفيليب روث، وبول أوستر. مع ذلك بشكل عام فأنا أحب المعاصرين الأمريكيين أكثر بكثير من الفرنسيين، مع أن ثقافتي أساساً فرنسية لأسباب جغرافية، فقد ولدت قرب الحدود الفرنسية، والفرنسية هي اللغة الأولى التي درستها. قد أكون على دراية بالأدب الفرنسي أكثر من الأدب الايطالي حتى.

 

– وإن كان عليك ذكر المؤثرين فيك ؟

 

عادة أقول جويس وبورخِس للحفاظ على هدوء المقابلة، ولكن هذا ليس صحيحًا تمامًا، تقريبًا أثّر الجميع فيَّ. جويس وبورخِس بالتأكيد، ولكن أيضاً أرسطو، وتوما الأكويني، وجان لوك … وسمِّي من شئتِ.

 

– مكتبتك هنا في ميلان أسطورة بحد ذاتها. ما نوع الكتب التي تحب تجميعها ؟

 

أملك قُرابة خمسين ألف كتاب، ولكن كجامع كتب نادرة أنا مفتون بالميل البشري للفكر المنحرف، لهذا أقوم بجمع كتب عن مواضيع لا أؤمن بها، مثل الكابالا، والخيمياء، والسحر، واللغات المخترعة. الكتب التي تَكذب، وإن كان من غير قصد. لدي كتب بطليموس، لا جاليليو؛ لأن جاليليو قال الحقيقة. أفضل العلوم المجنونة.

 

– مع وجود الكثير من المجلدات، حين تذهب إلى رف الكتب، كيف تقرر أي كتاب تختاره للقراءة؟

 

لا أقصد رف الكتب لأختار كتابًا لأقرأه، أذهب إلى رف الكتب لآخذ كتابًا أحتاجه في تلك اللحظة، إنها قصة مختلفة، مثلاً، إن سألتني عن كُتّاب معاصرين، سأمر على مجموعاتي الخاصة بروث أو ديليلو لأتذكر تماماً ما أحببت، أنا باحث، بطريقةٍ ما علي القول بأنني لا أختار بحرية على الإطلاق. إنني أتبع احتياجات العمل الذي يناط لي القيام به في أي وقت.

 

– هل تقوم بإعطاء الكتب؟

 

أستقبل كمية هائلة من الكتب كل يوم – روايات، إصدارات حديثة من كتب أملكها سلفًا- لهذا فكل أسبوع أملأ بعض الصناديق وأرسلها لجامعتي، حيث توجد طاولة كبيرة، وبها لافتة كتب عليها ”خذ كتاباً واهرب“.

 

– أنت تعدّ أحد أشهر المثقفين الجماهيريين، كيف تُعرّف كلمة مثقف؟ هل ما زلت تمتلك معنى محددًا؟

 

إن كنت تعنين بالمثقف شخصًا لا يعمل إلا برأسه وليس بيديه، إذًا فمحاسب المصرف مثقف ومايكل أنجلو ليس كذلك. واليوم بالحاسوب، الجميع مثقف؛ لهذا لا أظن أنها مقرونة بتخصص شخصٍ ما أو بطبقته الاجتماعية. بالنسبة لي، المثقف هو أي شخص ينتج معرفة جديدة بشكل إبداعي، القروي الذي أدرك أن نوعاً جديداً من التطعيم يمكنه إنتاج أصناف جديدة من التفاح قام في تلك اللحظة بإنتاج نشاط ثقافي، في حين أن أستاذ الفلسفة الذي قضى حياته كلها مُكررًا المحاضرة نفسها عن هايدجر لا يصل إلى أن يكون مثقفًا، الإبداعية الحرجة — نقد ما نقوم به أو الإتيان بطرق أفضل للقيام بها — هي العلامة الوحيدة للعملية الثقافية.

 

– هل ما زال المثقفون اليوم ملتزمين بالواجب السياسي للأمة، كما كانوا عليه أيام سارتر وفوكو؟

 

لا أؤمن أنه حتى يكون ملتزمًا سياسيًا يجب على المثقف أن يتصرف كعضو في حزب أو أسوأ، الكتابة بشكل حصري عن المشاكل الاجتماعية المعاصرة. يجب على المثقفين أن يكونوا معنيين بالأمر سياسيًا شأنهم شأن أي مواطن آخر. على الأغلب، يستطيع المثقف استخدام سمعته لخدمة هدف مُعطى. إن كان ثمة بيان رسمي عن السؤال البيئي، على سبيل المثال، توقيعي قد يكون مُساعدًا؛ لهذا كنت لأستخدم سمعتي لطلب وحيد من ذلك الارتباط المشترك. المشكلة تكمن في أن المثقف نافع حقاً طالما كان المستقبل لا الحاضر، مدعاة للقلق. إن كنتِ في مسرح ونشب حريق، على الشاعر أن لا يتسلق المقاعد ويلقي قصيدة، عليه الاتصال برجل الإطفاء مثل أي شخص آخر، واجب المثقف هو أن يقول احذروا، انتبهوا لهذا المسرح فهو قديم وخطير! هكذا فكلماته لها دور العامل التنبؤي، دور المثقف في أن يقول: علينا فعل ذلك، و ليس: يجب علينا فعل هذا الآن! — هذه وظيفة السياسي. لو كانت يوتوبيا توماس مور قابلة للملاحظة، ينتابني بعض الشك بأنها ستكون مجتمعًا ستالينيًا.

 

– ما الفوائد التي عادت عليك من المعرفة والثقافة في حياتك ؟

 

الشخص الأمّي الذي يموت، دعينا نقل في مثل سِنّي، عاش حياة واحدة، بينما عشت أنا حيوات نابوليون، قيصر، دارتانيان. لهذا دائماً ما أشجع الشباب على قراءة الكتب، لأنها طريقة مثالية لتطوير ذاكرة رائعة وعدة شخصيات نهمة. ثم في نهاية حياتكِ تكونين قد عشتِ عددًا لا حصر له من الحيوات، إنه لامتياز رائع.

 

– لكن ذاكرة هائلة يمكن لها أن تكون عبئًا هائلًا. مثل ذاكرة فونِس، إحدى شخصيات بورخِس المفضلة لديك، في قصة فونِس الذَكور.“

 

تروقني فكرة التصلب العنيد. لغرس تصلبٍ عنيد، يتوجب عليكِ الحد من نفسكِ في بقاع معينة من المعرفة. لا يمكنكِ أن تكوني جشعة كليًا، عليكِ أن تلزمي نفسكِ بعدم تعلم كل شيء وإلا فلن تتعلمي شيئًا. الثقافة على هذا الأساس ستتمحور حول معرفة كيف تنسين، وإلا فإن المرء بالفعل سيصبح مثل فونِس، الذي يتذكر كل أوراق الشجرة التي شاهدها قبل ثلاثين سنة. تمييز ما تريدين تعلمه وتذكره يكون في معزل عن وجهة نظر معرفية.

 

– لكن أليست الثقافة نفسها، من منظور أوسع، أداة فرز؟

 

أجل، ثقافتنا الخاصة عملية ثانوية، لنقل هذا، لأن الثقافة في الحس العام تميّز بشكل مسبق. بطريقة ما، الثقافة هي الآلية التي يَقترح من خلالها المجتمع علينا ما يفترض بنا تذكره ونسيانه. الثقافة قد اختارت، على سبيل المثال — ألقِ نظرة على كل موسوعة — أن ما حدث لكالبورنيا بعد وفاة زوجها، يوليوس قيصر، لا يهم. على الأرجح أن لا شيء مثيرًا للاهتمام حدث لها؛ بينما كلارا شومان أصبحت أكثر أهمية بعد وفاة شومان. أُشيع أنها صارت عشيقة لبراهمز، وأنها أصبحت عازفة بيانو مطلوبة لبراعتها هي نفسها، وكل هذا ظل صحيحًا حتى لحظة ظهور دليل تاريخي، مستند غير معروف سيُوضح أن شيئاً قد أهملناه كان في الواقع ذو أهمية.

إن لم تقم الثقافة بالفرز، ما كانت لتكون مفرغة، مفرغة بمعنى بلا شكل، الإنترنت غير المحدود حر في نفسه. وإن امتلكنا جميعًا المعرفة اللامحدودة للشبكة، سنكون زمرة من الحمقى ! إن الثقافة أداة لصنع نظام هرميّ من العمال المثقفين. بالنسبة لكِ ولي من الكافي معرفة أن آينشتاين طرح النظرية النسبية. لكننا نترك الفهم المطلق للنظرية للمختصين، المشكلة الحقيقية هي أن الكثيرين مُنحوا الحق في أن يكون المرء مختصًا.

 

– ما رأيك بمن ينادون بموت الرواية، موت الكتب، موت القراءة؟

 

إن الإيمان بنهاية شيء ما حالة ثقافية معتادة، منذ عهد الاغريق واللاتينيين أصررنا على الإيمان بأن أسلافنا كانوا أفضل منا، لطالما كنت مستمتعًا ومهتمًا بهذا الدأب الذي تمارسه وسائل الإعلام مع تزايد الضراوة. كل موسم هناك مقال عن نهاية الرواية، نهاية الأدب، نهاية محو الأمية في أمريكا. لم يعد الناس يقرأون بعد الآن! المراهقون يلعبون ألعاب الفيديو فقط! حقيقة الأمر هي أنه في كل أنحاء العالم هناك آلاف المحلات الممتلئة بآلاف الشباب. لم يسبق في تاريخ الجنس البشري أن كان هناك الكثير من الكتب، الكثير من أماكن بيع الكتب، الكثير من الشباب الذين يزورون هذه المكتبات ويشترون الكتب.

 

– ما الذي تودّ قوله لمُروّجي الخوف؟

 

الثقافة تتبنى أوضاعًا جديدة بشكل مستمر، على الأرجح ستكون هناك ثقافة أخرى، لكن ستكون هناك ثقافة، بعد سقوط المملكة الرومانية مرّت قرون من التغيرات الجذرية: لغويًا، سياسيًا، دينيًا، ثقافيًا. هذا النوع من التغيّرات تحدث بشكل أسرع عشر مرات الآن؛ لكن إثارة أشكال جديدة سوف تواصل الظهور، وسوف ينجو الأدب.

 

– قلت في الماضي إنك تحب أن يتم تذكرك بصفتك أكاديميا أكثر من كونك روائيًا. هل تعني ذلك حقًا ؟

 

لا أتذكر قولي هذا لأن كُنه المشاعر يتغير وفق السياق الذي سُئلت فيه هذا السؤال، لكن عند هذه النقطة تخبرني التجربة أن عمل الأكاديمي يبقى بصعوبة كبيرة لأن النظريات تتغير. أرسطو نجا من النسيان؛ لكن عدداً لا يحصى من أعمال أكاديميي قرن مضى لا يعاد نشرها؛ بينما الكثير من الروايات يعاد نشرها بشكل متواصل. إذًا من الناحية العملية توجد فرص أكبر لأنجو ككاتب أكثر من كوني أكاديميًا، وإني آخذ هذه الأدلة في الحسبان بمعزل تام عن أمانيّ الشخصية.

 

– ما أهمية فكرة أن يبقى عملك حيًّا بالنسبة لك ؟ هل تفكر عادة بإرثك ؟

 

لا أومن أن المرء يكتب لشخص واحد، أظن أن الكتابة فعل حب، أنتِ تكتبين في سبيل إعطاء شيء ما لشخص آخر، لتوّصلي شيئًا، ليشارككِ أشخاص آخرون مشاعرك. مشكلة كم يستطيع عملك البقاء جوهريةٌ عند كل كاتب، ليس الروائي أو الشاعر فحسب. الحقيقة هي أن الفيلسوف يكتب كتابه حتى يُقنع عددًا كبيرًا من الناس بنظرياته، والأمل أن يستمر الناس في قراءة هذا الكتاب في الثلاثة آلاف سنة المقبلة. الأمر أشبه تمامًا بتمنيكِ أن يحفظ أطفالك ذكراك، وإن كان لكِ حفيدٌ تتمنين أن يحفظ ذكرى أبنائك. يطمح المرء لحسٍ من الاستمرارية. حين يقول كاتب ما، لست مهتمًا بمصير كتابي، ببساطة يكون كاذبًا؛ وإنما يقول هذا إرضاءً للمحاوِر.

 

– هل تساورك أي مشاعر ندم عند هذا الحد من حياتك ؟

 

إنني نادم على كل شيء، لأنني ارتكبت الكثير، الكثير من الأخطاء في كل مناحي حياتي؛ لكن إذا ما أتيح لي البدء من جديد، أنا صِدقاً أظن أنني كنت لأرتكب الأخطاء نفسها. إنني جاد فيما أقول. قضيت حياتي مراقبًا لتصرفاتي و أفكاري، ومنتقدًا لذاتي. إنني متزمتٌ إلى حد أنني ما كنت لأخبركِ ما هو أشد انتقاداتي الذاتية وطأة عليّ، ليس حتى مقابل مليون دولار.

 

– هل يوجد كتاب لم تكتبه لكنك تتمنى بحماس لو أنك فعلت ؟

 

أجل، كتاب واحد فقط. حتى الخمسين من عمري وطوال كل سِنيّ شبابي، حلمت بكتابة كتاب عن نظرية الكوميديا. لماذا ؟ لأن كل الكتب التي كُتبت عن هذا الموضوع كانت غير ناجحة؛ أقله كل ما أُتيح لي قراءته، كل مُنّظر للكوميديا من فرويد إلى بيرغسون، فسّر بعض جوانب الظاهرة لكن ليس كلها. هذه الظاهرة بالغة التعقيد بشكل لا تقارعها فيه أي ظاهرة أخرى، أو كانت إلى حد بعيد، عصيّة على التفسير بشكل كامل؛ لذلك قلت لنفسي إنني أرغب بكتابة النظرية الحقيقية للكوميديا؛ لكن لاحقاً أثبتت المهمة أنها صعبة بشكل بائس، لو كنت أعلم سبب صعوبتها الشديدة، كنت لأعرف الإجابة وسأكون قادرًا على كتابة الكتاب.

 

– لكنك كتبت كتباً عن الجمال، ومؤخراً جدًا عن القبح. أليست هذه الأفكار صعبة التفسير مثلها ؟

 

مقارنة بالجمال والقبح، الكوميديا مُرعبة. إنني لا أتحدث هنا عن الضحك، حَسبك. كلا، ثمة عاطفة خارقة للطبيعة في الهزل، وهذا أمر في غاية التعقيد حتى إنني — عاجز حقًا عن شرحه. ولهذا السبب، للأسف ! لم أكتب الكتاب.

 

– هل الكوميديا اختراع حصري بالبشر، كما قلت عن الكذب ؟

 

أجل، بما أن الحيوانات على ما يبدو تفتقر للدعابة، نحن على علم بأنها تمتلك حسًا للعب، إنها تشعر بالأسى، إنها تنتحب، إنها تعاني. نمتلك دليلاً على أنها سعيدة، حين تلعب معنا، لكن لا دليل على أنها تمتلك مشاعر هزلية. إنها تجربة إنسانية بحتة، تتألف من …. لا، لا أستطيع القول تحديداً.

 

– لمَ لا ؟

 

حسنًا، لا بأس. لدي شكوك أنها مرتبطة بحقيقة أننا الحيوانات الوحيدة التي تدرك بأن عليها أن تموت، الحيوانات الأخرى لا تدرك الأمر. إنها تفهمها في البقعة فقط، في اللحظة التي تفارق فيها الحياة. إنها غير قادرة على لفظ قولٍ مثل التصريح: كل البشر فانون. نحن قادرون على هذا، وربما لهذا السبب ثمة أديان، طقوس، وما إلى ذلك. أظن أن الكوميديا هي ردة الفعل المتجوهرة حيال الخوف من الموت. إن طلبتِ مني المزيد، فلن أستطيع إخبارك. لكن لعلي الآن أكّون سراً فارغاً، وأجعل الجميع يظنون أن لديّ نظرية للكوميديا قيد العمل، وحين أموت سيقضون وقتاً طويلاً محاولين استعادة كتابي السري.

في الحقيقة، ما حدث فعلاً مع رغبتي في كتابة كتاب عن الكوميديا هو أنني كتبت اسم الوردة عوضًا عنه. كانت إحدى تلك الحالات التي حين تعجز فيها عن تكوين نظرية، تروي قصة. وكلي إيمان أنني فعلت هذا في اسم الوردة، في قالب سردي.  تجسيد نظرية محددة عن الكوميديا. الهزل كأسلوب نقدي لتقويض التعصب. ظلٌ شيطاني من الشك يتوارى خلف كل إعلانٍ عن حقيقة مطلقة.

 

مجلة باريس ريفيو \ فن الخيال

حاورته: ليلى عزام زانجانيه

0 464 20 مايو, 2018 الخامس والتسعون, حداء الروح مايو 20, 2018