العلوم الإنسانية ومستقبل الذكاء الاصطناعي

لـ

في ظل تسارعِ العالم وتحولهِ إلى رُقعةٍ جغرافيةٍ صغيرة، أصبح بعضهم يرى في العلومِ الإنسانية عبئًا لابد من التخلص منه، فكيف لهذه العلوم أن تَلحق بركبِ الفيزياء، والكيماء، وعلومِ الحاسب –مثلًا- وما حققتهُ من إنجازات على الصعيد البشري، التي تنوّعت بين عقاقيرِ طبية وبرمجياتٍ سهلت إنجاز المهام في حياتنا اليومية. وقد تكون هذه النظرة القاصرة عائدة إلى أحد أهم اكتشافات القرن الحادي والعشرين وهو الذكاء الإصطناعي Artificial Intelligence  الذي دون أدنى شك قد اختزل الجُهد البشري لإنجاز مهمةٍ ما من دقائق تتراوح إلى ساعات إلى جُزءٍ من الثانية، ولقد أحدث الذكاء الاصطناعي نقلةً نوعيةً ضخمة؛ إذ  أصبحت الروبوتات والأنظمة المحوّسبة خير بديلٍ للإنسان؛ إلا أنَّ ما غفِل عنهُ بعضهم أنَّ الذكاء الاصطناعي مبنيٌّ على معارف إنسانية بحتة؛ بحيث تسُخر هذه العلوم بما يتناسب مع الأهداف التي يسعى مبرمجو هذه الأنظمة إلى تحقيقها، فإن كان هذا الذكاء المزعوم قد تفوّق على الذكاء البشري، إذًا لابد له من معرفة سابقة بالعقل البشري.

ولتتضح العلاقة بين العلوم الإنسانية والذكاء الاصطناعي، لابد من فهم الآلية التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي، التي تتمحور حول خلق آلة، أو نظام محوّسب، أو تطبيقات إلكترونية تُحاكي الذكاء البشري، بل وتتفوق عليه في بعض الأحيان، وتهدف هذه الأنظمة إلى خلق حلول برمجية لمختلف المعوّقات التي تُصادف البشر في مختلف المجالات الحياتية. إنَّ القرارات السريعة التي نتخذها في حياتنا اليومية كأيّ الشارعين أقل ازدحامًا، أو اختيار أقرب مقهى لشاي الكرك هي قرارت محوسبة تُقدمها هذه الأنظمة بعنايةٍ فائقة مع الأخذ بالحسبان الظروف الزمانية والمكانية للشخص، فتُقدم أقرب مقهى لشاي الكرك للمكان الذي نكون فيه، وتأخذُ بعينِ الاعتبار الوقت الذي يزدحمُ فيه الشارع قبل أن تُقدمِ تحليلًا مفصلًا للحركةِ المرورية مع مقترحٍ يبيّن أيّ الطُرق أقل ازدحامًا، وما قد نجدهُ قرارًا بديهيًا سريعًا هو ليس بتلك البساطة بالنسبة إلى هذه الأنظمة، بل يتطلب معرفةً سابقة بالظروف التي تحيط بنا. ووصلت هذه الأنظمة من الفطنة إلى الحد الذي يُمكّنها من معرفة ما نُفضّل من مجمعاتٍ تجارية، وشخصياتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتقاءاتنا من الأطعمة المختلفة فتقترح لنا أيّ الطعام أقرب إلى ذائقتنا وأيّ الشخصيات أقرب إلى آرائنا.

وهُنا يجدُر بنا أن نتساءل: ما المعارف التي تتطلبها هذه الأنظمة لتُحاكي العقل البشري؟ لا بد أنها على معرفةٍ عميقة بالجوانب الديمغرافية والاجتماعية والعِرقية لشخصٍ ما في إحدى المدن في العالم حتى يتنسى لها تقديم الحلول المناسبة لمشاكله، بل لابد لها من معرفة هذه المشاكل ومسبباتها حتى تقدم الحلول بناء على ما تقتضيه المشكلة. إنَّ عملية تصميم هذه الأنظمة هي ليست عملية رقمية بحتة؛ بل هي مبنية على علوم أُخرى خارج النطاق التكنولوجي، حيث تلتقي في منتصف الطريق بمجموعةٍ أُخرى من العلوم الحيوية، والإنسانية، والتطبيقية وغيرها.

ولتتضح هذه العلاقة أكثر، هب أن مبرمجًا بصدد تصميمِ نظام يُحاكي المساعد الشخصي (السكرتير)، فيقوم بترتيب المواعيد في جداول ويجيب على الأسئلة الصوتية، كما يقوم بعقد الاجتماعات والتواصل مع أصحاب العِلاقة وإرسال الدعوات اللازمة لتأكيد حضور الاجتماع. ولتصميم نظام بهذا التعقيد، لابد من الإلمام بعدة معارف، فعلى سبيل مثال لابد للمبرمج من أن يحدد الفئة التي يستهدفها هذا النظام لمعرفة السلوك الاجتماعي للمستخدمين (علم الاجتماع)، فسكُان القرى مثلًا أقل حاجة إلى مساعد شخصي من أصحاب الأعمال في المدن الكبرى، وكذلك على المبرمج دراسة المهام المكتبية (علم الإدارة) التي يقوم بها المساعد الشخصي البشري وكيف للآلة أن تتفوق عليه، وقد يكون هذا الكم المعرفي غير كافٍ، فعلى المبرمج الإلمام بالقواعد اللغوية والنحوية للغة المستخدمة للنظام (اللسانيات) حتى يتسنى لهذا النظام التفاعل مع مستخدميه والإجابة عن أسئلتهم كافة، ناهيك عن علم المنطق الذي يلجأ إليه المبرمجون لحل المشاكل البرمجية.

وعليه، نجد أن هذه الأنظمة المتقدمة ما كان لها أن تصل إلى ما هي عليه لولا دراسة منقحة للسلوك البشري والمؤثرات الاجتماعية التي تلحق به، فإن كانت مصممة للاستخدام البشري فمن الطبيعي أن تكون على درايةٍ تامة بما يجول في عقله وما يُعرقله عن الوصول إلى هدفٍ ما. وقد نجد أن تطبيق هاتفي للتجارة الإلكترونية قد يحقق نجاحًا منقطع النظير في دولة يُفضّل أغلب سكانها التسوق عبر الإنترنت لسهولة العملية وسرعة وصول المنتج، بينما يفشل نفس التطبيق فشلًا ذريعًا في دولة يجهل معظم سكانها طريقة التسوق عبر الإنترنت، ويرجع ذلك إلى سوء تقدير للسلوكِ الاجتماعي للأفراد المستهدفين.

ولسنا هنا بصدد مقارنة أي العلوم أفضل، إنما القصد هو إيضاح أن كل علم يتفرّد بأهمية عن غيره، وجميع هذه العلوم تُكّمِلُ بعضها بعضًا في منظومةٍ معرفيةٍ واحدة، فلا يصح إقصاء هذه العلوم الإنسانية دون النظر إلى البعد المستقبلي لها، وإذا كانت هي حجر الأساس للتقدم التكنولوجي، فكيف يمكن التخلي عنها ونسفها. إنَّ الجهود المُضنية التي تبذل في سبيل تعزيز الثقافية الرقمية من خلال استحداث الأنظمة التقليدية بأخرى رقمية، وإعداد كوادر بشرية مُسلحة بالمعرفة الرقمية المطلوبة، والتوجه نحو استخدام الآلة عوضًا عن الموارد البشرية تذهب جميعها في مهب الريح عند غياب الركيزة الأساسية التي تقف عليها هذه الثورة التكنولوجية الكبرى، وبذلك تنفق أموال طائلة على معداتٍ فائقة الجودة ولكن تفتقر إلى المعرفةَ الأساسية التي يجب على المبرمجين الأخذ بها.

لذلك، حقَ علينا أن نوائم العلوم الإنسانية بما يتناسب مع الاحتياجات المعاصرة، وإن عزمنا على مواكبة دول العالم الرائدة في مجال الذكاء الإصنطاعي، لابد من أساسٍ قويٍ مُحكم فما بُني على شفا جرفٍ هارٍ لابد له من السقوط. لذلك، وجب إعادة النظر في القرارات المتخذة بشأن تقليص مقاعد الدراسة في هذه العلوم بدعوى قلة الطلب عليها في سوق العمل، والأجدر هنا أن يتم احتواؤها وإعادة قولبتها بما يتوافق مع متطلبات العصر أسوةً بالدول الرائدة التي اتخذت نموذجًا تقنيًا يُحتذى به.

 

0 559 27 مايو, 2018 الخامس والتسعون, ثقافة وفكر مايو 27, 2018