محمد الحارثي

لـ

*

 

١.

أسمع الأجراس في الأرواح

يقولون مات الشاعر،

 

أصغي لأمطار الحنين

تغطي الأرض

رأيت ثياب القصائد تصفق في الريح

والباب مفتوح وموحش

كان الموت قد أتى وخرج..

 

يقولون مات الشاعر

أعيروني هذا العالم أسقِهِ بدموعي

ليهطل مطرٌ من الحنان.

 

كم مرة حاول الموت اصطيادك

وأنت بخطوتك الحية الثابتة

منذ مدّ إليك يده

تعاركه وتهزمه كل عام.

 

في المرة الأخيرة،

عرفتُ بروحي بأن الرحيل قريب

قالت الروح:

رأيته يكشف وجدانه للموت ويقول له:

اضرب بقوة، فقد انتهى كل شيء.

 

إلى هذا الوقت انهمكتَ في التي لا تمل

انتبذت بروحك وجذع حياتك

وحيدًا مفردًا تقدمت في الأيام

عانقت الموت أخيرًا وقبّلته بالقلب.

 

٢.

كان يأتي كإعصار عاصف

يبعثر كل شيء برياحه

ثم يروي ما حطمه

بدمعه السخي،

 

ها يرحل الشاعر

وما زال مطره هاطلاً.

 

ترك عباءة شكلياته، أعار خنجره شعارًا لجواز سفر القصيدة،

خرج إنسانًا نقيًا يعانق الحياة بقوة الروح.

 

كان حرًا طليقًا

أهمل الأنصاب والأزلام لم يمدد إليها قلبًا ولا يدًا

أبيض ناصعاً

من كل إثمٍ وسوء.

 

هو ذا الشاعر

وجوده أصعب سؤال عن الحياة

وغيابه أصدق إجابة عن الإنسان.

 

ها يمّحي الشاعر

بعد أن أهدى كل شيء لديه لفن الحياة.

 

٣.

ذوّب أيامه في التضمخ بالحبر والدم والأحلام النادرة

بعد ليالي المدينة والقرى

تصعلك في نهارات القارات

استشرف حدود الأرض وغاص أعماق الحياة.

 

ها هو ينتظر في المواقف العامة في بلاد بعيدة

بقلبه الفسيح الذي سيّجه بالشوك

كي لا يطل الفضوليون والمزعجون

فيلمحون الحديقة والبستان

 

كان يحرس وحده شذى القرنفل والشاي والقهوة والكأس

التي تحيط روح القصيدة.

 

انتصبت روحه حرةً

عاليًا عاليًا كعلمٍ فوق جبل في المحيط

والآن عند الميناء

أرسى قارب كلماته

بعيدًا أبعد من زنجبار.

 

٤.

كان لي الباب والظل والأبجدية الرابعة

كان لي مقصداً كعبةً لم تعد في يدي

كان لي كان لي

صديقًا شفوقًا، مثالا لنبل الروح، للحب البلدي، وللصدق حد الجرح.

 

وكانت قصيدتنا تتوالد من خطونا

وكانت خطانا تمد الظلال

وكان الطريق جميلاً

إلى كوةٍ في الزمن

كنبع مضيء.

 

صببت علينا كؤوس الغرام الحقيقي

لتروي ظلام الليالي حتى ينير

أشعلت في القلب شمع الدهاليز

طهّرت بالتوق رمل السواحل

وأظهرت درب الينابيع.

 

كنت صافيًا صادقًا شجاعًا وحرًا كمياه الحنان

روحك الآن حرة لم يعد لها من سجون وأجساد

روحك الآن..

خفيفة كالأصل جميلة كالبرء

شابةً لا تشيخ

 

ها صعدتَ محيط جبل الأرض العظيم: كتمندو

نحو غيب السماء،

كشفت الأرض

بالقدمين بالأجنحة وبالعيون طوال النهار

وكتبتها كل ليلة وضحاها

حصاة حصاة وكلمة كلمة.

 

ها بإبرة قلبك

رتقت بخيط الشعر الوثيق

شقوق ثياب السماء.

 

ها تمشي

في جسور القلوب

فوق نهر اللغات وأودية الثقافات

تفتش عن واحة يستريح إليها حصان التعب.

 

ها أنت

والشاعر ساقي النور

تروي الظلال

فينير شباب النبات

وتتعلق القلوب بجسد القصائد.

 

ها يرفع الشاعر اليوم من عاديّته

يضفي عليه ضوء المعجزات

كلما صاغ نحاس الكلام

وسبكه بذهب القلب.

 

ها هو يخمّر الحوادث

يصنع منها نبيذًا

ويشرعه للندامى لطيور القلوب للثكالى الحزينين والعشاق المهجورين

لكل الجرحى والمصابين

في حوادث المشاعر.

 

ها كل الكلام الذي ينبغي أن يقال

ولم يقله أحد

موثقٌ في القصائد

محروسٌ بالقلوب اليقظة

يجف كل سيل الكلام الباقي

وفي الأرض المروية وحدها بقلب الشاعر

تنمو أشجار الحياة الباقية.

 

كل صباح كنت تقطع دربك

المضيء إلى آخره

بالحب

بالشغف الحر

بالعشق

ولما امتطيت جياد الحياة

جريت بها

حتى اختلطت اليوم بتراب الأرض

وفي يديك عنان السماوات.

 

____________________

* الصورة: محمَّد الحبسي.

0 1123 29 مايو, 2018 الخامس والتسعون, حداء الروح مايو 29, 2018