القهوة الأخيرة في وداع محمد الحارثي

لـ

 

ترتشفُ قهوتك على مهلٍ

وتتأمل حياتك

وهي تترقرق ساخنةً بأحداثها في الفنجان

ترتشف الرشفة الأولى

وأنت ساهٍ في ملكوت البُن والفتنة

ها هي ذي طفولتك

تتراءى لك بين بيوتٍ وأشجارٍ

لم تعد مورقةً سوى في صدرك

هائمةً في دروبٍ

لم تعد تفضي إلا إلى قلبك

هكذا أنت

عالقًا بجذورٍ

أشد رسوخًا من أن تقتلعها حداثتك

معجونًا بتراب “المضيرب” الخفّاق في جسدك

بمياه أفلاجها الدافقة في دمك

وأشجارها الوارفة في حناياك

ومسكونًا بفرسانٍ يطلقون العنان لخيولهم

في الفجر

ميممين صوب الشمال

ورؤوسهم تتمايل بأحلام المجد

……….

كنْتَ ساهياً في طفولتك

ها هي ذي المرابع الأولى

بيوتُ الطينِ الدافئة

ووجوه الأحبةِ الوضاءة كليالي الصحراء

ها هي ذي تتوافد إليك كُلُها

أمواجٌ من الشجى الموجع

ترتشف معك القهوةَ

الممزوجة بمدامع الحنين

………

ترتشف الرشفة الثانية

وأنت تتأمل رحلتك في هذا العالم

هكذا هي الحياة

قهوةٌ مرةٌ

وهيامٌ في الملكوت

تطوف بأحلامك على القرى والمدن

الجبال والبحار التي عبرتها

بحثًا عن الزمن الضائع

والمَهْد المفقود

مهدهداً روحك المغتربة في هذا العالم

……….

هكذا وجدتَ نفسك

عازفًا عن زعامةٍ بائدة

وزاهدًا في أمجاد السراب

هازئًا من الحياةِ

ومن الموت

كنت تضحكُ صاخبًا في أزمنة غشيها النسيان

وترفعُ عاليًا أنخاب المحبة

لطرفة ابن العبد

وعروة ابن الورد

ولصعاليك نبلاء

هجروا مثلك المجد الزائل

وهاموا مجذوبين بنداءٍ غامض

يطاردون إيقاعات ساحرة

وكنوزًا من الاستعارات والمجازات

………..

تتأمل حياتك وأنت ترتشف رشفتك الأخيرة

هكذا هي الحياة

رشفاتٌ لا تنتهي من الذكريات

ورائحةٌ يتسع بها فنجان الحياة

ليغدو مجرةً هائلة

كل حواسك متيقظةً الآن

وعيناك تومضان بالفطنة والسكينة

وأنت تضع بكبرياء

فنجان قهوتك الأخيرة على الأرض

وبابتسامةٍ مطمئنةٍ ظافرة

تنظر لقصائدك المحوِّمة

حول رأسك بمجازاتها المتشابكة

وتتمتم بصوتٍ خافت مشعٍ بالرضا:

ها هي ذي قهوتي

حياتي

وقصيدتي الأخيرة.

 

مسقط     27/5/2018

0 1180 31 مايو, 2018 الخامس والتسعون, حداء الروح مايو 31, 2018