إجمالي السعادة المحلية

لـ

 

تنظر معظم الدول  إلى (إجمالي الناتج المحلي) بوصفه معيارًا لنجاحها ودليلًا على تقدمها؛ إلا أن الدول المتقدمة باتت تشغلها أمور أخرى قد تبدو لغيرها من الدول النامية قضايا غير رئيسة لا تستحق أن يُلقى لها بال، فانتعاش إجمالي الناتج المحلي هو معيار مادي قد لا يحدد لنا المعايير غير المادية التي لا تقل أهمية عنه كمدى سعادة الشعوب ومدى رضاهم أو مدى صون الدول لقيمة الحرية وحق التعبير  وحفظ حق الشعوب في ممارستها، وغيرها من المعايير التي تعكس تقدم الدول وازدهارها؛ ففي مقابل ازدهار الاقتصاد هنالك ضريبة باهظة يُدفع ثمنها من الموارد الطبيعية وسلامة البيئة التي يتم استنزافها من أجل تحقيق هذا النمو الاقتصادي. فهذا المعيار المادي في قياس التقدم لا يجب أن يكون هو المعيار المهيمن والمسيطر على تفكير الدول.

وهنا سأستعرض لكم باختصار بعضاً مما تعلمته حول موضوع ( المفهوم الآخر للتقدم العالمي متجاوزاً إجمالي الناتج المحلي). وقد قامت جامعة لندن بإعداد هذه المادة الثرية وجعلها متاحة للدراسة عن بعد.

إن السؤال المحوري لما سأتناوله هنا هو:

هل يمكننا يا ترى تحقيق النمو الاقتصادي والمحافظة في الوقت ذاته على ديمومة وازدهار الإنسان و الأرض التي تحمله ؟

 

البدء في تغيير الشائع؟

 

نوع السيارة، وحجم البيت، وعدد السفرات، معايير مادية قد يقيس بها الناس مدى النجاح الذي تحققه في حياتك ، وكذلك الحال بالنسبة للناتج المحلي قد تقيس به بلدان كثيرة مدى نجاحها من عام إلى عام. وللأسف هناك ترسيخ دائم لهذه المفاهيم على مستوى الدول والأفراد، حتى أصبح يخيل لهم أنها المعايير الوحيدة التي تعكس مدى نجاحهم وتقدمهم. ومع أنها مفاهيم سائدة إلا أنه بالاقتراب منها وفحصها نجد أنها معايير قاصرة  تعجز في كثير من الأحيان عَن تحقيق السعادة للبلدان والشعوب. فعلى سبيل المثال نجد أن عدد البريطانيين الذي يصنفون أنفسهم ( سعداء جداً ) تراجع من ٥٢٪ في عام ١٩٥٧ إلى ٣٦٪ في عام ٢٠٠٥ على الرغم من زيادة معدلات الدخل. وفي كتاب ( الثمن الباهظ للمادية  The High Price of Materialism ) للمؤلف تيم كاسير Tim Kasser ، يؤكد الكاتب أن غالبية الأفراد الماديين أقل سعادة من غيرهم. ولا ينكر أحد أهمية المادة في تحقيق السعادة ولكنها ليست العامل الوحيد لتحقيقها.

وفي ظل التحديات التي يواجهها العالم اليوم، أصبح من الضروري العمل على إلقاء الضوء على المعايير المهملة في قياس مدى تقدم الدول التي تم تهميشها لفترة طويلة.

 

متى بدأت قصة إجمالي الناتج المحلي؟

 

تحديداً خلال الحرب العالمية الثانية وبعد كارثه الكساد الكبير ، ولكن هذا المفهوم الذي بدأ لإحصاء مقدار الضرر اللاحق بالمؤسسات  والكيانات الاقتصادية كحساب عدد البنوك المنهارة وإحصاء كميات الفولاذ التي يتم إنتاجها  في خطوة لتفادي تكرار وقوع الكساد المالي ، قد تغير كلياً عن الشكل الذي بدأ به، والذي تغير اليوم إلى الضد تماماً عن ما أراده مؤسس فكرة الدخل القومي سيمون كوزنتس Simon Kuznets. فهو أراد من معيار إجمالي الناتج المحلي أن يكون الأداة التي تستخدمها الحكومات لمعرفة مدى تقدم اقتصادها ومجتمعها على حد سواء، وليس أن يكون هذا المعيار هو مقياس للتقدم الاقتصادي كما هو حاصل حالياً.

 

 

معضلة النمو Dilemma of Growth

 

تتمثل معضلة النمو في عدم استدامة النمو الاقتصادي. فالنمو الاقتصادي بمعناه الحالي المتمثل في قياس إجمالي الناتج المحلي هو غير مستدام في البلدان التي تحقق إجماليًا مرتفعًا وأيضاً في دول الاقتصاديات الضعيفة، فكلها تعاني من عدم  الاستدامة. هذه المعضلة ذات الاتجاهين تتطلب نشر الوعي بخصوص معنى ( الازدهار والتقدم الحقيقي) الذي يتجاوز الفهم المادي للأمور. فمفهوم الازدهار والتقدم يرتبط بأمرين رئيسين : بجودة الإنتاج وجودة الحياة المقدمة للشعوب. فما تحققه الدولة من  دخل لا يعدّ تقدماً، ولكن تقدم الدول هو ما ينعكس على رضا الشعوب ورفاههم.

الاقتصاد ليس كل شيء، وليس معياراً لقياس التقدم الحقيقي، ونلمس ذلك من الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة لعام ٢٠١٧ ، إذ قامت بتحديد ١٧ هدفاً للتنمية المستدامة للاقتصاد المزدهر، وهي[1] :

١- القضاء على الفقر.

٢- القضاء على الجوع.

٣- صحة ورعاية صحية جيدة.

٤- جودة التعليم.

٥- المساواة الجنسية.

٦- مياه نقية وصرف صحي.

٧- طاقة نظيفة في متناول الجميع.

٨- عمل جيد ونمو اقتصادي.

٩- تحقيق البنية التحتية وبيئة صناعية راعية للإبداع.

١٠- تقليل اللاعدالة على كافة الأصعدة وتحقيق المساواة.

١١- مدن ومجتمعات مستدامة.

١٢- تحقيق إنتاج واستهلاك يتمتع بالمسؤولية.

١٣- خطوات عملية من أجل حماية المناخ.

١٤- حماية الحياة البحرية.

١٥- حماية الحياة البرية.

١٦- مؤسسات ذات استقلالية لضمان تحقيق السلم والعدالة.

١٧- الشراكة لتحقيق هذه الأهداف.

 

 

بدائل مقياس إجمالي الناتج المحلي

 

إن كان مقياس إجمالي الناتج المحلي معياراً قاصراً يركز على الجانب الاقتصادي فقط، ويهمل الجوانب الأخرى؛ فإن المختصين قد صاغوا عدة مقاييس أخرى أكثر شمولية واتزانا وأكثرها شهرة الْيَوْم:

 

١- مقياس الكوكب السعيد[2].

هو مقياس صاغته منظمة الاقتصاد الجديد New Economics Foundation  وهو مقياس يحدد مدى تحقيق الاستدامة والازدهار لكل دولة عبر قياس أدائها على المستوى البيئي أو ما يسمى بـ ecological footprint  وقياس جودة الحياة المقدمة لشعوبها ومتوسط معدل أعمارهم. ويركز هذا المقياس على إمكانية توفير الدول حياة جيدة لشعوبها دون إلحاق الضرر بالكوكب الذي يعيشون فيه.

 

٢- مؤشر ليجاتوم للازدهار [3]

 

هو مؤشر صاغه معهد Legatum  لقياس جودة الاقتصاد وبيئة الأعمال والحوكمة والتعليم والصحة الأمن والأمان والحريات الفردية و رأس المال الاجتماعي والبيئة الطبيعية. وقياس هذه المؤشرات كلها كفيله بحماية الناس من الوقوع ضحايا للفقر. وفيه احتلت عمان المراكز الآتية من بين ١٤٩ دولة :

المركز ٧٠ عام ٢٠١٦

المركز ٧٠ عام ٢٠١٥

المركز ٦٥ عام ٢٠١٤

المركز ٦٤ عام ٢٠١٣

المركز ٥٩ عام ٢٠١٢

المركز ٥٧ عام ٢٠١١

المركز ٥٨ عام ٢٠١٠

المركز ٥٨ عام ٢٠٠٩

المركز ٥٩ عام ٢٠٠٨

المركز ٦١ عام ٢٠٠٧

 

 

 

٣- مؤشر التقدم الاجتماعي

صاغ هذا المقياس Social Progress Imperative ويعتمد على ثلاثة معايير رئيسة:

 

١- هل يحصل كافة أفراد المجتمع على أساسيات العيش من: ماء وغذاء وسكن وأمن.

٢- هل يحصل كافة أفراد المجتمع على المقومات الأساسية لجودة الحياة من تعليم وحق الحصول على المعلومة والصحة وبيئة محيطة صحية وجيدة.

٣- هل يحصل كافة أفراد المجتمع على فرصة لتحقيق ما يحلمون به في الحياة دون وجود ما يعيقهم عن تحقيق تلك الأهداف والأحلام؟ هل لديهم حرية الاختيار؟ هل يمنحون الفرصة لمعرفة آخر ما توصلت إليه البشرية من معرفة وعلوم؟

كما نرى هذا المؤشر يعتمد على معايير  اجتماعية، ويخلو تماماً من أي مؤشرات اقتصادية.

فيما يتعلق بأداء سلطنه عمان في هذا المؤشر فهي في الفئة الرمادية التي تعني ( تقدم اجتماعي غير مكتمل) وسنستعرض نقاط القوة  والضعف في التقييم الخاص بالسلطنة لعام [4]٢٠١٧ :

نقاط القوة :

٩٧.٢٠ في التغذية والرعاية الصحية.

٩٦.٢٦ الحصول على المعرفة الأساسية.

٨٦.٤٤ توفر السكن .

نقاط الضعف:

٣٧.١٢ حقوق الفردية.

٥١.٩٨ جودة البيئة المحيطة .

٦٢.٦١ حق الأفراد في الحرية و حرية الاختيار.

 

تحدي ٢٠٥٠

 

من المتوقع أن يكون عدد سكان الأرض في ٢٠٥٠ ما يقارب ١٠ بلايين إنسان. بمقدار زيادة ٤٢٪ عن وقتنا الحاضر. وسيكون الضرر على الموارد التي تسير حياتنا هائلاً. قراراتنا الْيَوْم قد تساعد في تخفيف هذا الضغط أو قد تحيل حياتنا إلى جحيم. في المادة الثانية من اتفاقية باريس للمناخ لعام ٢٠١٥  التي تنص على : وضع حد مستقر للغارات المنبعثة من البيوت الخضراء للحد من الملوثات المهددة للنظام المناخي”. ولتحقيق ذلك يجب وضع الضمانات اللازمة لعدم تعدي درجة الحرارة ١،٥ درجة سيلزية ، الأمر الذي يتطلب تحقيق ما يسمى ” بالحياد الكربوني” وهو أن نقضي على الانبعاثات الكربونية لتصل إلى الصفر بحلول عام ٢٠٥٠ ، وذلك عبر الاستعاضة ببدائل كالطاقة المتجددة و الكف عن حرق الوقود. هذا الأمر يبدو شبه مستحيل، ولكن عدم العمل على تحقيقه سوف يُعرِّض حياتنا على الأرض للخطر.

 

أحد الحلول المقترحة: اقتصاد الدونت الدائري Doughnut

 

لعل معظمكم أكل أو شاهد معجنات الدونت المميزة بشكلها الدائري التي كما يبدو أصبحت ملهمة لاقتصاديي القرن الـ ٢١. ففي كتاب اقتصاديات الدونت : ٧ طرق لتفكر كاقتصادي من القرن الـ ٢١ [5] للاقتصادية  كايت راورث. المؤمل من هذه النظرية أن تسهم في الحد من اللاعدالة في استهلاك وتوزيع الموارد البيئية على مختلف الأصعدة. فالتقدم الذي نعيشه في بلدنا يحرم منه غيرنا في بلدان أخرى؛ حيث يوجد ملايين من البشر محرومون من أساسيات العيش كالطعام والماء العذب و التعليم والأمن. وأبرز العوامل التي أَدت إلى حالة اللاعدالة هذه هي المنافسة القائمة بين الدول في زيادة دخل إجمالي الناتج المحلي الذي تعتقد أنه هدفها الأوحد لتعكس تقدمها وازدهارها. هذا الاختلال القائم والخطر الذي يشكله لنا في قادم الأيام، جعل الاقتصاديين يبحثون عن حلول بديلة تضمن استغلال الموارد بشكل أمثل وأكثر عدالة، وأبرز هذه النظريات نظرية الدونت.

تنطلق نظرية الدونت من أحقية جميع الشعوب في التقدم؛ إلا أن المنافسة بين الدول من أجل تحقيق النمو الاقتصادي قد ألحق الضرر بالعديد من القطاعات. وما يميز مخطط هذه النظرية هو كونه مخططا موزعا بذاته، بمعنى أنه يعمل على توزيع الموارد بشكل متساوٍ على الجميع دون إلحاق الضرر بأي طرف من الأطراف. كما أن ميزته الأساسية هو وجود سقف لكل المكونات بحيث نضمن ديمومة الموارد وكفايتها للجميع، وتحد من الاستهلاك الجائر لأي مورد من الموارد، كما أن وجود مقاييس توضح مقدار استهلاك الموارد ومقدار توزيع الثروة على القطاعات المختلفة يمكننا معرفة مواطن الاختلال وتعديل دفة سلوكياتنا لتحقيق التوازن المطلوب.

 

السعادة كمعيار للتقدم الاجتماعي

 

في غالب البلدان العربية لا ينظر للسعادة كمعيار جاد وحقيقي. فغالباً ما يرافق الحديث أن الشعب الأسعد عربياً أو إنشاء مؤسسة معنية بالسعادة إلى ردود أفعال مجتمعية تتندر على هذه الخطوة. لقد ظهر مصطلح ( إجمالي السعادة المحلية) لأول مره عام ١٩٧٢ في مقابلة صحيفة مع ملك جمهورية بوتان جيجمي سنجي وانجتشوك Jigme Singye Wangchuck قال فيها : ” إجمالي السعادة المحلية أكثر أهمية من إجمالي الناتج المحلي”. في عام ١٩٩٨ أعلنت بوتان بشكل رسمي في قمة  دول آسيا والمحيط الهادي  أن فلسفة بلادها قائمة على معيار السعادة المجتمعية[6]. بوتان البلد الذي شاءت الأقدار أن يكون بين قمتين اقتصاديتين هائلتين، الصين من جهة الشمال والهند من جهة الجنوب ، حيث المنافسة تبدو شبه مستحيلة، فكانت خططهم في التنمية أكثر واقعية وقرباً من شعبهم. وقد صاغ هذا البلد الصغير هذا المفهوم ليكون الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، فهذا البلد يعرف مقدراته وإمكانياته جيداً، ويعرف كذلك أن فتح الباب للاستثمارات وغيرها قد يجلب له المال الوفير، ولكنه قد يكون مهدداً لثرواتهم الثقافية والطبيعية. ويصر هذا البلد أن تبقى أكثر من ٦٠٪ من أراضي بلاده كما هي دون مساس؛ إذ تعتبر تلك الأراضي مساحات طبيعية خضراء، ويخصص هذا البلد يوماً واحداً في الشهر  لا يقود فيه شعبها السيارات.

قد يعود سبب سخرية البعض من السعادة  وقياسها بين الشعب بسبب قصور فهمهم لمعنى ( السعادة) وهنا من الجيد أن نضع أمام القارئ المعايير الأساسية التي يتضمنها نموذج بوتان لمؤشر قياس السعادة[7] :

١- العدالة في التنمية الاجتماعية ( خالية من التمييز والتفرقة وتطبيق تكافؤ الفرص)

٢- المحافظة على المقومات الثقافية الخاصة بالبلد.

٣- الحفاظ على البيئة الطبيعية وضمان عدم استنزافها وتلويثها.

٤- ضمان تحقيق الحوكمة الجيدة لكافة القطاعات.

 

 

كل ما سبق نجده ينصب في محاولة إيجاد معيار منصف للتقدم التنموي الذي لم يقس بطريقه منصفة حتى الآن، وكل البدائل التي تصاغ اليوم هي محاولات لاستبدال ذلك المؤشر المادي غير المنصف، والمتمثل في إجمالي الناتج المحلي. هي جهود تبذلها الدول الرأسمالية المتقدمة منذ فترة قريبة مقارنة بالفلسفة التي نشأت في دولة بوتان النائية بين سلسة جبال الهمالايا منذ أن فتحت أعينها على العالم في السبعينيات. فالتركيز على زيادة الثروة ليس مؤشراً على الإنجاز، وإنما ما تستطيع هذه الثروة تحقيقه من رضا شعبي هو الإنجاز الحقيقي. فكم من دولة تنعم بالموارد النفطية التي حرمت منها دول كثيرة ولكنها لم تنجح في إدارة هذا المورد، وذلك بسبب الفساد أو الخلل في توزيع العوائد المالية، فباتت الشعوب متذمرة شاكية وبعيدة كل البعد عن مفهوم السعادة. وكم دولة ظنت أن تقديم الخدمات الصحية والتعليمية المجانية تكفي المواطن وتغنيه عن حرية التعبير و الكلام، غير أن قضبان السجن الذهبية لن تجعل من الطير حراً. وخلاصة القول إن كل العناصر مهمة بما فيها العنصر الاقتصادي الذي لا يمكن تحقيق سعادة حقيقية بدونه، ولكن السر يكمن في حكمة الاعتدال، والتوزيع العادل، وإنصاف البشر، والبيئة التي لم نمنحها حتى الآن بقدر ما أخذنا منها.

 

__________________________

[1] https://unstats.un.org/sdgs/report/2017

[2] http://happyplanetindex.org

[3]http://www.prosperity.com/rankings

[4] https://www.socialprogressindex.com/?code=OMN

[5] Raworth، Kate. Doughnut Economics: Seven Ways to Think like a 21st Century Economics.Chelsea Green Publishing Company,2017.

 

[6] https://earthjournalism.net//stories/6468

[7] https://www.theguardian.com/world/2012/dec/01/bhutan-wealth-happiness-counts?CMP=Share_iOSApp_Other

0 819 03 يونيو, 2018 السادس والتسعون, ثقافة وفكر يونيو 3, 2018