اللاعبون الدوليون في الشرق الأوسط

لـ

بين تلاقي المصالح وتضاربها

 

 

 

بقلم: الدكتور عوديد عيران

كبير الباحثين في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي.

الرئيس السابق للمعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، والمدير العام السابق للمكتب الإسرائيلي لدى الكونجرس اليهودي العالمي، والسفير الإسرائيلي الأسبق لدى الاتحاد الأوربي في بروكسل، والسفير الإسرائيلي الأسبق لدى الأردن، ورئيس سابق لفريق التفاوض الإسرائيلي مع الفلسطينيين لتنفيذ الاتفاقيات المؤقتة واتفاقيات التسوية الدائمة.

 

تبنّى اللاعبون الرئيسون في الساحة الدولية, خلال عام 2017 والسنوات السابقة، سياسة حذرة في تدخلهم في ملفات الشرق الأوسط؛ بُغيَةَ تجنب الانزلاق إلى بؤر التوتُّر الإقليمية اللاهبة، التي ما انفكت تغلي، وإن كان بعضها على نيران هادئة. ومن بين الأحداث الجسام التي شهدها الشرق الأوسط وشغلت اهتمام اللاعبين الدوليين: استمرار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وكذا استتباب الأمور لصالح نظام بشار الأسد في سوريا، واحتدام الصراع الشيعي السني، لا سيما بين المملكة العربية السعودية وإيران. بخلاف تلك الملفات، لم تغب قضايا شرق أوسطية أخرى عن اهتمام أولئك اللاعبين الدوليين، منها ترسيخ الرئيس رجب طيب أردوغان ركائز حكمه في تركيا، وسعي الأكراد إلى الانفصال عن العراق، والحرب التي يشنها النظام المصري على الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، ومساعي المصالحة بين الفصيليْن الرئيسين المتناحرين على الساحة الفلسطينية المنقسمة بين قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس والضفة الغربية التي تحكمها السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح، وتطورات الحرب في اليمن، وتأثير الاضطرابات التي يشهدها النظام السياسي السعودي على المنطقة.

وسنتناول في مقالنا هذا بالدرس والتحليل سياسات القوى العظمى حيال أهم القضايا المطروحة على ساحة الشرق الأوسط وانعكاساتها على مصالح إسرائيل وسياساتها. وتتلخص هذه القضايا في:

– إيران وما تمثله من تحدٍّ معقد.

– ماذا بعد حسم المعركة ضد تنظيم داعش, لا سيما في سياق الحرب السورية والمساعي المبذولة لإعادة استقرار الدولة ؟

– العلاقات الأمريكية الروسية وتعاطي البلدين مع تلك القضايا.

– العلاقات الروسية الإيرانية، والتحسن الذي طرأ على علاقات روسيا مع دول أخرى في الشرق الأوسط.

– دور الاتحاد الأوروبي في المنطقة.

لقد كان التحول الأبرز على الساحة الدولية من وجهة النظر الإسرائيلية هو بلا شك التحول الذي شهدته الإدارة الأمريكية بتولي الرئيس دونالد ترامب مقاليد الأمور فيها قبل أكثر من عام، بعد عهد الرئيس باراك أوباما الذي اختلف إلى حدّ التصادم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضيتين رئيستين هما: العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، والملف النووي الإيراني. لقد أوجدت مواقف ترامب المبدئية حول هاتين القضيتين أرضية مشتركة لحوار واسع ومنفتح بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، وبات ممكنا القول إن الموقف الأمريكي بات متطابقا مع الموقف الإسرائيلي؛ فقد حققت الإدارة الأمريكية الجديدة جميع الآمال والتطلعات التي علقتها إسرائيل عليها، وعلى رأسها وعد الرئيس ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والتحول الجوهري في الموقف الأمريكي من الاتفاقية النووية المبرمة بين القوى العظمى وإيران عبر الانسحاب منها. أما الجانب الفلسطيني الذي تفاقمت مخاوفه القديمة بسبب تصريحات ترامب المؤيدة لإسرائيل عندما كان بعدُ مرشحًا للرئاسة، فقد صار – بعد نقل السفارة الأمريكية – يعتبر الولايات المتحدة وسيطا غير نزيه في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل هي شريك لإسرائيل في التغوُّل على حقوق الشعب الفلسطيني.

المعضلة الإيرانية

أدّى فوز الرئيس دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني نوفمبر 2016 إلى ارتفاع سقف التوقعات بحدوث تحوّل كبير في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضايا المحورية في الشرق الأوسط. فقد صرّح ترامب، عندما كان بعدُ مرشحًا رئاسيًّا أن أهم هدفين يطمح إلى تحقيقهما  في الشرق الأوسط هما: القضاء على تنظيم داعش، وتقويض الاتفاقية النووية مع إيران (JCPOA) عبر انسحاب الولايات المتحدة منها. ويُذكر أن الدول الموالية للولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وإسرائيل ومصر والأردن، لم تُخفِ خيبة أملها مما اعتبرته “سياسة مائعة” و” يدًا مرتعشة “دأب الرئيس السابق باراك أوباما على انتهاجها تجاه إيران ومن يدور في فلكها، وكذا تجاه روسيا التي أحكمت سيطرتها على سوريا، ووسّعت دائرة علاقاتها في المنطقة، مستغلةً ضعف إدارة أوباما. ولكن خلال العام الأول من حكم ترامب، شعر حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط مرة أخرة بخيبة أمل من الإدارة الجديدة؛ لأن سلوك الولايات المتحدة في المنطقة خلال هذا العام كان لا يُنـبئ أبدًا عن وجود استراتيجية واضحة، أو يكشف حتى عن عزمٍ أمريكي على إلغاء الاتفاقية النووية مع إيران، أو إقناع الدول الشريكة في الاتفاقية بضرورة تعديلها، أو يُبشِّر حتى على الأقل بأن تقوم واشنطن بعمل مباشر وواضح لتقويض الإنجازات الكثيرة التي حققتها إيران في الشرق الأوسط، من قبيل نجاحها في إقامة بؤر للهيمنة وتعزيز النفوذ في المنطقة.

وبعد بضعة أشهر من تولي إدارة ترامب مهام عملها, أخذت إسرائيل والمملكة العربية السعودية- اللتان عارضتا الاتفاقية النووية قبل الانتهاء منها، وعارضتا كذلك سياسة إدارة أوباما حيال ذلك الملف- تدركان الواقع الجديد فتبنتا مواقف وأوراق ضغط أخرى في سعيهما لكسب تأييد قادة الدول العظمى بشأن إيران، وغيّرتا خطابيهما ووفقا لذلك. فبدأت إسرائيل وبعض الدول السنية في المنطقة تسلط الضوء على مساعي إيران وتحركاتها التآمرية في المنطقة، وعلى دعمها للمنظمات الإرهابية، وكذا على ترسيخ وجودها في العراق واليمن وسوريا ولبنان عبر تنظيمات إيرانية كالحرس الثوري وأخرى مدعومة إيرانيًّا كالميليشيات الشيعية على اختلاف تسمياتها، هذا إلى جانب الحديث عن مشاريعها لتطوير الأسلحة بما فيها مشروع الصواريخ بعيدة المدى. ولكن حتى مع تغيير إسرائيل أوراق ضغطها في معركتها ضد ايران، فقد كان النجاح في إقناع الإدارة الأمريكية – خلال العام الأول من حكم ترامب –  أمرًا صعبا وغير محسوم.

ومع دخول الرئيس ترامب عامه الثاني في الحكم بدا أن الإدارة الأمريكية بدأت تقتنع شيئا فشيئا بالأدلة والحجج الإسرائيلية – التي تشاطرها فيها دول عربية أخرى – حول النوايا والمخططات الإيرانية، وكذا حول التداعيات الخطيرة لأنشطتها، كما بدا أن واشنطن توصلت إلى بلورة استراتيجية واضحة للتعامل مع إيران في الملف النووي وكذا فيما يخص سياساتها المريبة في الشرق الأوسط. وكانت المفاجأة المدوية هي خروج الرئيس ترامب يوم الـ 9 من مايو أيار هذا العام 2018 ليعلن انسحاب بلاده من الاتفاقية النووية مع إيران.

ماذا بعد حسم المعركة مع داعش ؟

إن السياسة الأمريكية تجاه ما يدور على الساحة السورية مرتبطة هي الأخرى بتلك القضية. فقد شدّد ترامب أكثر من مرة – خلال حملته الانتخابية وكذا بعد دخوله البيت الأبيض – على أهمية محاربة تنظيم داعش وضرورة تدمير معاقله. ولم يكن بقاء نظام الأسد من وجهة نظر ترامب يشكل أزمة سياسية أو أخلاقية تستوجب الإطاحة به. وإن تحقيق هدف القضاء على معاقل تنظيم داعش بشكل شبه كامل في العراق وسوريا خلال الأشهر الأخيرة من عام 2017، يُـثير تساؤلات عديدة في واشنطن وعواصم الشرق الأوسط بشأن ما ستفعله الولايات المتحدة على هاتين الجبهتين في المستقبل. وبحسب تقارير موثوقة فإن لدى الولايات المتحدة على الأراضي العراقية والسورية وحدات من النخبة يبلغ قوامها نحو ستة آلاف جندي، هذا بالإضافة إلى مواصلتها قصف مواقع داعش بشكل يومي.

على ضوء غياب أهداف واضحة في سوريا بعد القضاء المُبرم على وجود داعش هناك, تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل وجود القوات الأمريكية ونشاطها هناك؛ إذ يتضح أن الولايات المتحدة ليس لها إلى الآن في سوريا مصالح محددة أو أهداف واضحة, بخلاف روسيا وإيران اللتين تعملان حثيثًا للإبقاء على نظام بشار الأسد الذي يضفي على وجودهما السياسي والعسكري في بلاده الشرعية اللازمة. وسيشكل غموض السياسة الأمريكية معضلة حتى بالنسبة لإسرائيل، التي لن تستطيع بعد الآن أن تتصرف من منطلق ثقتها بأنها ستحظى بدعم أمريكي كامل لما تتخذه من إجراءات لحماية مصالحها في الساحة السورية في مواجهة اللاعبين الآخرين في تلك الساحة, لا سيما إيران وروسيا. كما أن قدرة إسرائيل وحظوظ مشاركتها في بلورة التسويات السياسية والأمنية في سوريا تتدنى كلما اتجهت الولايات المتحدة إلى تقليص وجودها هناك، لا سيما وجودها العسكري.

العلاقات الأمريكية الروسية وتعاطي البلدين مع قضايا الشرق الأوسط

تتطلع إسرائيل إلى أن تتفهم موسكو متطلباتها الأمنية في الساحة السورية, في ظل الواقع السوري الجديد الآخذ في التشكُّل على أُسُس توطيد دعائم استقرار بشار الأسد، وتثبيت أركان حكمه، ومأْسَسَة النفوذ الروسي ثم الإيراني في سوريا، مع اعتزام روسيا الحفاظ على إنجازاتها التي تكاثرت خلال سنوات الحرب السورية. ويبدو الإنجاز الروسي في سوريا، فضلا عن توطُّد العلاقات بين موسكو وعواصم أخرى في المنطقة على رأسها أنقرة والرياض وبالطبع طهران, أمرا بالغ الوضوح لا سيما في ظل الصعوبات والعراقيل التي تواجهها موسكو في ملفات خارجية أخرى، وكذلك في ملفات داخلية كان لزاما عليها أن تعالجها مؤخرًا. لكن رغم إجراء الانتخابات الرئاسية الروسية خلال شهر آذار مارس من هذا العام 2018، إلا أن نظام بوتين لم يطرح خارطة طريق لتحسين الوضع الاقتصادي المتأزم. وفي هذا السياق واجه النظامُ صعوبة كبيرة خلال الأعوام الماضية بسبب الركود المستمر في أسعار النفط الذي يُعد واحدًا من أهم مصادر الدخل في المنظومة الاقتصادية الروسية. وعلى الرغم من تصريحات الرئيس ترامب بشأن رغبته في الاستعانة بروسيا في حل الأزمات الدولية, إلا أن الأجهزة القضائية والتشريعية الأمريكية تواصل العمل ضد روسيا للاشتباه بتدخلها في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ولقيامها بضم شبه جزيرة القرم إلى سيادتها، ولتدخلها في أوكرانيا عام 2014. كل هذه الرواسب تجعل من الصعب على موسكو الاستفادة من إنجازاتها في سوريا، وكذلك من تأثيرها المحدود على النظام الكوري الشمالي، للتخلص من حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عليها  بسبب سياستها في أوكرانيا.

ومع ذلك فإن التفاهمات التي تحققت حتى الآن بشأن الترتيبات السياسية والأمنية في سوريا، تُعد ذات أهمية قُصوى لإسرائيل. فقد ساعد الحوار الروسي الأمريكي بمشاركة أردنية، على هامش مؤتمر قمة مجموعة الـ 20 الذي انعقد في هامبورج في تموز يوليو 2017، على إنشاء منطقة لخفض التصعيد في جنوب سوريا، وفي هذا الإطار تم نشر قوات تابعة للشرطة العسكرية الروسية في تلك المنطقة. أضف إلى ذلك أن هناك اتفاقا آخر بين الولايات المتحدة وروسيا وبمشاركة أردنية أيضا، تم التوصل إليه بعد اجتماع غير رسمي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب على هامش مؤتمر منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، الذي انعقد في فيتنام خلال شهر تشرين الثاني نوفمبر عام 2017. وبحسب “مذكرة التفاهم” التي وقعها الطرفان، تم الاتفاق على صياغة الترتيبات الأمنية لمنطقة الجنوب السوري, التي تقضي بحظر وجود أية “قوات أجنبية” غير سورية في تلك المناطق. إن مذكرة التفاهم تلك تعكس في واقع الأمر طبيعة المعضلات المتناقضة التي تواجهها إسرائيل، من قبيل رغبتها في تجنب المزيد من التورط فيما يدور على الأرض السورية، في مقابل ضرورة الحفاظ على مصالحها الأمنية في تلك البؤرة اللاهبة، وينبغي عليها في الوقت نفسه أن تتدبر أمورها في ظل تراجع التدخل الأمريكي في سوريا والتفهم الروسي لمتطلباتها الأمنية، فضلا عن التعاون القائم على قدم وساق بين روسيا وإيران. وفي حين لا تشتمل “مذكرة التفاهم” إلا على تفاهم مبدئي بشأن عرض الحزام الأمني الممتد على شرق الحدود بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان، فإن النشاط العسكري الإيراني الدائر على الأراضي السورية يجري في إطار مسافات هي أقل من العرض المذكور. ومن جانبها تعلن موسكو أنها تعد الوجود الإيراني على الأراضي السورية وجودًا مشروعًا، وأن روسيا نفسها لن تجبرها على إخلاء القوات الأجنبية من سوريا. وهكذا نشأ الثالوث اللّا مقدس الذي تتصدره روسيا التي تُجري معها إسرائيل حوارا لإيجاد آلية لمنع الاحتكاك وتلافي الخسائر بين قواتهما، ويمتد الحوار ليشمل البحث في مستقبل سوريا وموازين القوى فيها. ومن ناحية أخرى، فإن روسيا تعتبر إيران شريكا أساسيا في الشرق الأوسط وفي منطقة ما بعد الاتحاد السوفييتي في آسيا الوسطى.

علاقات روسيا مع العواصم الإقليمية

توطّدت العلاقات بين روسيا وإيران في أعقاب الاتفاق النووي بين إيران والمجتمع الدولي, وتجلى ذلك في الزيارة التي أجراها حسن روحاني إلى موسكو في آذار مارس 2017, وردّ بوتين الزيارة إلى طهران في تشرين الثاني نوفمبر من العام نفسه. وقد مهّد الاتفاقُ النووي الطريقَ لشراكة عسكرية بين روسيا وإيران، وأسهم في تعزيز التعاون بينهما في كل ما يتعلق بالحرب في سوريا، وخاصة في الجهود الرامية لإحراز تسوية بين الفصائل الداخلية المشاركة في الحرب السورية تفضي إلى إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار, عبر المفاوضات الجارية على قدم وساق في العاصمة الكازاخية “أستانا”، التي تتم برعاية روسية.

ومع ذلك، فربما تقع الدولتان في مشاحنات وخلافات حول المستقبل السياسي في سوريا، وكذا حول أنشطة إيران في الشرق الأوسط عموما وسوريا بالأخص، تلك الأنشطة التي ربما تتعارض مع المصالح الروسية في الساحتين الإقليمية والدولية. فبينما تعتقد موسكو أن التسوية السياسية في سوريا تستوجب إقامة نظام فيدرالي, بما يعني إضعاف الحكومة المركزية ونظام الأسد في دمشق، فإن موقف إيران غير واضح حيال ذلك. وهناك ملف آخر ربما يكون مثار خلاف بين روسيا وإيران، ألا وهو تحسُّن العلاقات بين روسيا – التي تسعى إلى توسيع دائرة نفوذها في الشرق الأوسط ليتجاوز محور إيران / دمشق – وبين المملكة العربية السعودية، التي تسعى هي الأخرى للرد على سحب الولايات المتحد لقواتها من المنطقة. وفي هذا الإطار قام العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان بزيارة موسكو في عام 2017، ووقّع البلدان جُملة من الاتفاقيات المتبادلة شملت شراء أسلحة روسية.

إن تحسن وضع روسيا في الشرق الأوسط بدا واضحا أيضًا في علاقاتها مع تركيا. ولم يكن لهذا التحسن – الذي طرأ بعد فترة الركود والفتور التي أعقبت إسقاط سلاح الجو التركي مقاتلة روسية في عام 2015 – أن يحدث إلافي ظل تجاهل روسي للسياسات الاستبدادية (هذه وجهة نظر الكاتب الإسرائيلي في وصف السياسات والإجراءات الداخلية التي اتخذها أردوغان ضد خصومه بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضده) التي ينتهجها رجب طيب أردوغان، وللانتقادات اللاذعة ضده من قِبل المجتمع الدولي، خاصة من الاتحاد الأوروبي. وقد قامت روسيا بإشراك تركيا في عمليات التسوية السورية، وأغلب الظن أن أنقرة لن تعترض على إقامة حُكم فيدرالي في سوريا إذا ما قررت موسكو تبنيه؛ لأن مثل هذا الحُكم سيُمَكّن تركيا من تعزيز نفوذها على الجانب السوري من الحدود بينها وبين سوريا.

وأمام منظومة العلاقات المتنامية باطراد بين روسيا ودول المنطقة- رغم ما بين بعض هذه الدول من عداء، كما الحال بين المملكة السعودية وإيران- ينبغي على إسرائيل أن تفكّر وتبحث عن آليات لاستمرار تعزيز علاقاتها مع موسكو. فالحوار مع روسيا هو مكسب استراتيجي لإسرائيل لا تملك رفاهية التفريط فيه, حتى وإن كان محفوفا ببعض القيود والضغوط. ويجب على إسرائيل في هذا السياق سماع رأي الإدارة الأمريكية وأخذه على محمل الجد. فالكونجرس الأمريكي يوصي بالتقدم الحذر في إنشاء علاقات مع موسكو، وينبغي أن يكون هذا التقدم محكوما بمدى استعداد روسيا لمراعاة الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية, ومحكوما كذلك بمستجدات العلاقات الأمريكية الروسية. فتحسن العلاقات بين الدولتين العظميين سيجعل واشنطن تتفهم بل وتتقبل قيام إسرائيل بإجراء حوار مع روسيا. أما تدهور العلاقات الأمريكية الروسية سيجعل إسرائيل تتخوف من رد فعل واشنطن حيال تعزيز علاقاتها مع روسيا. فصعوبة تقدير اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية طويلة الأمد، إضافة إلى سياسة الضبابية والغموض التي ينتهجها الرئيس الأمريكي, تعيقان إسرائيل وتضعفان من قدرتها على بلورة سياسة واضحة إزاء روسيا فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية التي تشغل اهتمام إسرائيل, لا سيما قدرتها على الاحتفاظ بحرية التحرك والعمل في الساحة السورية لمواجهة التحديات التي يمثلها محور إيران / دمشق / حزب الله.

موقف الاتحاد الأوروبي مما يدور في الشرق الأوسط

ظل الاتحاد الأوروبي- تحت وطأة الأزمات الداخلية التي تعصف بدوله الأعضاء، ومنها المعارك الانتخابية التي جرت خلال عام 2017 في دول محورية مثل فرنسا وألمانيا, إضافة إلى الأزمات التي تعصف بنظام الاتحاد نفسه- يحافظ على مستوى منخفض من الأداء في الشرق الأوسط, في ظل خسارة ما تبقي له من نفوذ سابق في المنطقة. وانصبّ معظم النشاط الأوروبي على الحرب السورية وتداعياتها, لا سيما على ملايين اللاجئين السوريين الذي دقّوا أبواب أوروبا. وفي نيسان إبريل من العام الماضي اعتمد مجلس رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوربي خطةً لمواجهة تلك الأزمة المتفاقمة, تمثَّلَ أهم بنودها في السعي للتوصل إلى حل سياسي يرتكز على تماسُك الدولة السورية ووحدتها الإقليمية وضمان سيادتها واستقلالها. فيما أكد الاتحاد الأوربي على تجديد دعمه للمعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني في الدولة. ورغم أن الاتحاد الأوربي يعتبر نفسه أكبر ممول للجهات التي تقدم الدعم للاجئين السوريين, إلا أنه يرفض الإسهام في إعادة إعمار سوريا قبل إجراء العملية الانتقالية السياسية الشاملة بمشاركة جميع الأطراف السورية, كما هو منصوص عليه في القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي فيكانون الأول ديسمبر عام 2015. وجدير بالذكر أن ذلك القرار قد تبنى مخرجات وبيان مؤتمر جنيف عام 2012 الذي حضرته الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشئون الخارجية والأمنية, وهو البيان الذي أكد على السعي بأن تصبح سوريا دولة مؤمنة بالتعددية والديمقراطية، وتحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتلتزم بسياسة تكافؤ الفرص دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو غير ذلك. لكن معظم الأُطر والهيئات والجهات السياسية المختلفة التي ظهرت في السنوات اللاحقة بهدف التوصل إلى تسوية للأزمة السورية، قد أهملت الاتحاد الأوروبي وتركته بمعزل عن مجموعة اللاعبين المؤثرين, إلا أن الاتحاد الأوروبي سيعود على الأرجح شريكا فاعلًا حينما يتم التوصل لاتفاق بشأن الحل السياسي.

إن المشاركة المحدودة للاتحاد الأوروبي في عملية التسوية السورية لا تساعد إسرائيل على حماية مصالحها الأمنية في تلك الساحة المشتعلة على المدى الطويل. ومع أن الاتحاد الأوروبي على دراية كاملة بالدور السلبي الذي تلعبه إيران في الشرق الأوسط؛ لكنه في الوقت نفسه ليست لديه نية حقيقة لمواجهتها أو مواجهة أتباعها في المنطقة. والأدهى من ذلك أن الحوار السياسي الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل, الذي لم يكن على مستوى عالٍ في أي وقت, قد وصل إلى طريق مسدود قبيل انتهاء المفاوضات حول الاتفاق النووي؛ بل إنه في الحقيقة توقف ولم يعد قائما.  إن “مجلس الشراكة الأوروبي”, الذي يمثل الإطار الرسمي لإدارة العلاقات الثنائية بين الاتحاد الاوروبي ومعظم الدول المجاورة له ومنها إسرائيل, لم ينعقد منذ فترة طويلة. ويرجع سبب القطيعة إلى وجود خلافات عميقة في وجهات النظر بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وجمود العملية السياسية. وقد انعكست تلك الخلافات على سياسة الاتحاد الأوروبي في التفرقة الفعلية بين إسرائيل الواقعة داخل حدود ما قبل عام 1967 وبين المستوطنات الإسرائيلية التي تم فرض جمارك على السلع المُصدَّرة منها, أو في منح مساعدات للمنظمات التي تعمل- من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية- ضد مصالح دولة إسرائيل. ولا يخفى أن تلك الخلافات مرشحة للتفاقم في حال طرحت الإدارة الأمريكية- كما أعلنت اعتزامها ذلك – مبادرة لاستئناف العملية السياسية وقامت إسرائيل برفضها أو بدت كأنها ترفضها.

منذ عدة سنوات تفضل الحكومات الإسرائيلية التعامل مع الدول الأوروبية على المستوى الثنائي المباشر, متجاوِزةً مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ويمكن لهذه الطريقة من التعامل أن تخدم أهداف إسرائيل طالما تعاطت حكومات دول الاتحاد مع تلك الطريقة بإيجابية، وطالما كانت المؤسسات الرئيسة للاتحاد الأوربي في بروكسل منشغلة بقضايا أكثر سخونة وإلحاحًا قد تؤثر على مستقبل الاتحاد الأوروبي، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد وتأثير المفاوضات معها على رغبة بعض الدول الأعضاء الأخرى في إضعاف قبضة مؤسسات الاتحاد عليها. في مثل هذه الحالة قد لا تعبأ مؤسسات الاتحاد الأوروبي بالمخاوف الإسرائيلية حيال القضايا الاستراتيجية الإقليمية. ولعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والعلاقات بين إسرائيل وكل من فرنسا وألمانيا, التي لا تعدو أن تكون مجرد علاقات عادية, تُخفض هي الأخرى من سقف التطلعات الإسرائيلية من اللاعب الأوروبي في الشرق الأوسط.

وختامًا، فإن دراسة العلاقات بين إسرائيل واللاعبين الدوليين المتدخّلين عسكريًّا وسياسيًّا في الشرق الأوسط تكشف عن اتجاهها نحو الاستقرار، بل والتحسن الذي أسهمت فيه أمور عدّة، كان على رأسها دخول رئيس جديد إلى البيت الأبيض في مطلع عام 2017، وتعزيز الحوار مع روسيا. كما يمكن عزو هذا التحسن أيضا إلى تدنّي مرتبة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على جدول الاهتمامات الإقليمية في الشرق الأوسط وجدول الاهتمامات العالمية عموما في ظل مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية الأكثر سخونة وإلحاحًا. ومع ذلك فإن هذا الوضع الإيجابي قد ينقلب رأسًا على عَقِب إذا أخذنا في الحسبان غموض تطورات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الرئيسة المتعلقة بإسرائيل، وعلى رأسها التهديد الذي يمثله وجود قوات محلية وأجنبية على الحدود السورية الإسرائيلية، بالإضافة إلى احتمال طرح مبادرة أمريكية لإحياء عملية السلام.

ومع أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس على رأس جدول الأعمال الإقليمية أو الدولية؛ إلا أنه ينبغي على إسرائيل أن تتحاشى بكل السبل أن تكون مسؤولة عن فشل مبادرة السلام الأمريكية. وبالرغم من عدم وجود صلة بين القضية الفلسطينية والحل السياسي العسكري المستقبلي للأزمة السورية، ولكن حسنا تفعل إسرائيل إذا هي سهّلت على اللاعبين الإقليميين- باستثناء إيران بالطبع – أمر تلبية احتياجاتها الأمنية في حل الأزمة السورية، من خلال منع القضية الفلسطينية من أن تشغل حيزا من اهتماماتهم وتأثر سلبا على مجمل اعتباراتهم بشأن سوريا.

0 2069 05 يونيو, 2018 السادس والتسعون, سياسة يونيو 5, 2018