المسلسل التلفزيوني ” المهلب بن أبي صفره”

لـ

جدلية التاريخ وسطوع المشهد   

 

 

المسلسل التلفزيوني “المهلب بن أبي صفرة” الذي بدأ عرضه مع بداية شهر رمضان لهذا العام أثار جدلًا كبيرًا حتى قبل عرضه؛ فهو يحكي سيرة شخصية تاريخية فذّة، وهو القائد الأزدي العماني المهلب بن أبي صفرة الذي تتفق المصادر التاريخية على أنه كان أحد ولاة الدولة الأموية في خراسان، وقاد مجموعة من الفتوحات الإسلامية في بلاد فارس وما جاورها.  ويعكس المسلسل حقبة تاريخية مهمة ومعقدة، تداخلت فيها الأحداث والمصالح بين قوى سياسية عدة، وهذا ما أعطى المسلسل أهمية تاريخية كجزء من تاريخ المنطقة بشكل خاص، وجزء من تاريخ المشرق العربي بشكل عام.

وهنا سوف ألقي الضوء فنيًّا على الحلقات الأولى من المسلسل؛ حيث كان مسرح الأحداث مدينة دبا حسب ما ظهر في المسلسل وحسب ما تم تعريف بطل المسلسل بها، على أنه “فارس من دبا”.  وفي كل الأحوال فأنا لست بصدد الدخول في الجدلية التاريخية حول مكان ولادة المهلب، فلست بضليع ولا متخصص في التاريخ، ولكن سأقدم من خلال هذا النص قراءة لمسلسل درامي قدم رؤية فنية معينة لفترة تاريخية مهمة من تاريخ الإسلام في المنطقة.

 

مثيرٌ للجدل

 

لقد أثارت شخصية المهلب مؤخرًا جدلًا حول أصوله، ومكان ولادته، وفي كل الأحول ومع تعدد الروايات التاريخية (التي لسنا بصدد التطرق إليها) فهو ينتمي إلى إقليم عمان التاريخي، وربما من هذا المنطلق لم ينسب المسلسل الشخصية إلى أي حدود سياسية، سواء كان إقليمًا تاريخيًا أم كيانًا سياسيًا حديثًا، وإنما نسب المهلب إلى مدينة تاريخية مهمة في تاريخ جنوب شرق الجزيرة العربية دون الإشارة إلى تبعية هذه المدينة إلى أي كيان سياسي كما أشرنا، آخذا بإحدى الروايات التي تحدثت عن ولادة المهلب في دبا حسب ما أشار إليه القائمون على هذا العمل. ولإضفاء مزيدٍ من الدراما التاريخية ولرفد المسلسل بشيء من الإثارة، فقد قام القائمون على العمل بالربط بين بعض الأحداث التاريخية المهمة في تاريخ مدينة دبا بشكل خاص وتاريخ المنطقة بشكل عام ألا وهي حروب الردة ودور لقيط بن الحارث بن مالك الأزدي في الحرب التي قامت بين جيشه وجيوش أبي بكر الصديق. وسواء اتفقنا أم اختلفنا مع تلك الرواية ومكان مولد المهلب إلا أن المسلسل قدم صورة عن الأحداث التاريخية للمنطقة جديرة بالوقوف عليها، وخصوصًا عملية التقارب بين تاريخ ولادة المهلب وتلك الأحداث المهمة.

 

نصٌ مع رتوش

 

الحقيقة إن فكرة المسلسل رائعة، فقد سلطت الضوء على شخصية تاريخية مهمة كان لها دور سياسي وعسكري في التاريخ الإسلامي، كما أنه من الأعمال القلائل التي عالجت دراميًا جزءًا من تاريخ إقليم عمان القديم. وكان المسلسل في حلقاته الأولى مليئًا بالأحداث التي تداخلت بين المسار الاجتماعي والمسارات الفكرية والسياسية. ومع ذلك الإبهار في طرح الأحداث إلا أن هناك بعض النقاط يمكن الوقوف عليها في النص منها:

– إن الحوار الدرامي للمسلسل كان سابقًا لعهده في بعض المواضع؛ فمثلا كان الحوار الأول في الحلقة الأولى عن الجدليات المعاصرة التي لا أحسبها قد تشكلت في تلك الفترة من بدايات الإسلام؛ إذ أصبح الناس أقسامًا وأصنافًا، وأن القائمين على الدين يرسلون من يشاؤون إلى الجنة ويرسلون من يشاؤون إلى النار (وإن لم تكن معي فأنت ضدي)، وتكرر ذلك في الحلقة الرابعة عندما بدأت الجارية عناق في قراءة الكتاب المصنوع من الذهب والمكتوب بلغة إغريقية قديمة، وبدت الحوارات هنا وكأنها آنية تبث مجموعة من النصائح بشكل مباشر عن واقع متقدم، لا يتناسب مع الفترة التاريخية التي كانت يتحدث عنها المسلسل وهي فترة الخلافة الراشدة.

– كذلك أغفل المسلسل إظهار أبناء أبي صفرة، مع أن أغلب المصادر التاريخية تحدثت عن أن ظالم ابن سارق كان له العديد من الأبناء والبنات (وإن اختلفت الروايات في عددهم) إلا أن المسلسل لم يظهر في الحلقات الأولى إلا المهلب وقد بدا وكأنه وحيد والديه، حتى الحلقة السابعة من المسلسل التي ظهر فيها الابن الثاني لأبي صفرة “نجف”، ثم استمر المسلسل برواية أن لأبي صفرة ولدان فقط، أحدهما فارس مغوار على أفضل خلق، والآخر تاجر طمّاع على سوء خلق.

– من النقاط التي تحسب لنص المسلسل خلقه نوعًا من الإثارة والتشويق من خلال قصة الجارية رباب، التي رافقت قصتها الأحداث بشكل جعلها جزءًا من الحبكة الدرامية؛ إلا أن المبالغة في طرح هذا المسار كان على حساب الشخصية الرئيسة التي يتحدث عنها المسلسل التي من المفترض أن تكون المحور الرئيس للأحداث؛ ومن ثمّ كان التركيز كثيرًا على تجارة العبيد والجواري واختلاف معاملتهم من شخص إلى شخص آخر، والمبالغة في رسم علاقات الحب والصراعات حول الوصول إلى تحقيق الرغبة، بالشكل الذي أثّر في الخط الرئيس للمسلسل.

 

كادرٌ فني متمكن

 

الأداء التمثيلي كان رائعا، وقد أجاد أغلب الفنانين المشاركين في العمل أداء أدوارهم، ونجح الممثلون بشكل عام في إظهار المشاعر وردود الفعل بما يتناسب مع الحدث؛ مما أعطى أحداث المسلسل كمية من الصدق تدفع المشاهد للتفاعل معها بشكل كبير. في المقابل تجب الإشارة إلى أداء الممثلة ديمة قندلفت في دور رباب؛ فقد كان فيه شيء من المزايدة على قيمة الشخصية في المسلسل أحيانًا، خصوصا في تعابير الوجه والحركات عند السير والمكياج مقارنة بأداء الممثلة روبين عيسى في دور أم المهلب، فقد كانت بسيطة متناغمة مع الحدث والشخصية بشكل مبهر.

 

سطوع الصورة ورمزية المكان

 

ومن المهم بمكان الحديث أيضا عن الإخراج الرائع للمسلسل، وخصوصا في رسم بيئة الأحداث، فقد وفق القائمون على المسلسل وعلى رأسهم المخرج محمد لطفي في حشد البشر بما يتناسب مع الأحداث، كما أن الصورة عكست المكان والزمان بالكثير من الحرفية، حيث تقف القلاع الشامخة في خلفية الصورة في الأحداث التي وقعت في دبا، وتقف القصور والأنهار بارزة في الأحداث التي وقعت في البصرة مع بساطة الديكورات وتحرك الشخصيات في المسلسل بمهنية عالية؛ إلا أن المسلسل ارتكب جملة من الهفوات كان لابد من الانتباه لها، ونذكر منها:

– الأزياء في المسلسل وإن عكست الزمان فإنها لم توفق في التناغم مع بيئة المكان؛ فبدت الأزياء في المسلسل نمطية جدا، فقد استخدمت في الكثير من المسلسلات التاريخية. والحقيقة أنه كان على المخرج أن يراعي قليلا طبيعة المكان وطريقة اللباس المستخدمة لدى سكان المنطقة، فهي وإن تقاربت مع باقي الأزياء في أصقاع جزيرة العرب إلا أنه وبالتأكيد هناك ما يميزها. ومع الإشارة إلى الأزياء فإنه لم يكن متوقعا مثلا أن ينزل لقيط بن مالك أرضا دبا وهو يرتدي حذاءً طويلا من الجلد يعود تصميمه إلى القرن العشرين الميلادي على أقل تقدير.

– وفيما يخص موائد الطعام كان المسلسل تقليديا أيضا (كنمط المسلسلات التاريخية) حيث صحن الفواكه المتوسطية الطازجة من التفاح وغيرها يكاد يكون في كل بيت من بيوت وجهاء دبا، وكم كنت أتمنى أن تكون هناك خصوصية تعكس بيئة المكان، كأن يكون الطبق الذي يتوسط البيوت في دباء هو طبق من التمور مع إدراكنا لأهمية النخلة وامتدادها التاريخي في المنطقة.

– أيضا تكررت أحيانا زوايا التصوير، وبدا المخرج وكأنه لا يملك إلا زاوية واحدة لتصوير العديد من المشاهد، كمشهد البحر في دبا وظهور خلفية الجبل أو ظهور الورود الحمراء في تلة بالقرب من الشاطئ في عدة مشاهد أخرى. وربما من المشاهد التي قد تحدث سقطة في المسلسل هو مشهد ميمونة وهي تمشي على البحر في الحلقة التاسعة؛ ذلك أن الأحداث في البصرة، وكما هو معلوم فإن البصرة مدينة لا تقع على شاطئ البحر. وكان من الأحرى التصوير في ضفة نهر أو بستان نخيل أو غيره من المظاهر التي تحاكي واقع البصرة كمدينة تقبع على ضفاف الأنهار وليس البحار.

ختاما: إن المسلسل كان جيدًا في مجمله، مع أنني كمشاهد كنت أرغب في معرفة تفاصيل أكثر عن الشخصية التي يتحدث عنها المسلسل، وليس عن بيئة الجواري وصراعات العشق والغيرة بين الأبطال. وبغض النظر عن الاختلافات والخلافات التاريخية، فأنا كمشاهد كان يهمني معرفة مسار طفولة البطل بين إخوانه وأقرانه حيث ولد، وكنت أتوقع أن تكون هناك محاولة للمزج بين الروايات التاريخية للخروج بمسار متوافق مع الأحداث والوقائع التي شكلت شخصية المهلب (المهلب الرمز والإنسان).  كما كنت أتمنى التطرق إلى النواحي النفسية والاجتماعية التي أسهمت في خلق شخصية قوية وشجاعة بحجم شخصية المهلب بن أبي صفرة (الملهب القائد والفارس).

وربما تكون لي عودة بعد اكتمال حلقات المسلسل.

 

0 1659 05 يونيو, 2018 السادس والتسعون, ثقافة وفكر يونيو 5, 2018

عن الكاتب

كاتب وأديب عماني

عرض كل المواضيع التي كتبها خليفة سليمان