امتلأ كأس الشعوب من نهج “الحلب أو الضرب” !

لـ

 

أكثر ما يميز مرويات التاريخ العربي والإسلامي، هذا الإغراق المعرفي الدؤوب على إظهاره باعتباره تاريخ فتوحات مجيدة وبطولات وغزوات مظفرة، وفي الغالب فإن هذا الجانب يطغى على كافة مجالات الإنجاز الحضاري. وبالإضافة إلى هذا الإغراق في السرد بطابعه القتالي العنفي، فإن أضواء الرواية للمنجز التاريخي- أيّا كانت صورته- تبقى مسلطة عادة على الحاكم أو الملك أكثر من سواه، حتى إننا في بعض المحطات لا نكاد نلمس وجودًا أو حضورًا لأحد سوى حضور الملك أو الأمير، باعتباره صاحب التدبير الناجز، والتخطيط الذي لا يُقارب في براعته، إضافة إلى البطولة الطاغية التي لا تقاوم، فهو الحكيم والبطل والعالم الذي بدونه تتخطف الأمة الشرور من كل جانب. وبصورة طوعية أو استجابة لأمر؛ ينخرط الكاتب / المؤرخ في تلبية رغبة ولي الأمر، وكلٌّ من طرفي المعادلة يحقق مراده، الأمير يحافظ على صورته النمطية التي يشتهي أن تُستحضر كلما ذكرت سيرته، والمؤرخ أو المثقف يلبي شغفه في نيل حظوة ومكانة في محيطه، أو يستجيب لطمعه من خلال الظفر بمبلغ وافر، وربما زهيد، من المال. هذا هو تاريخنا، تاريخ الحاكم والقائد والأمير وذوي النفوذ والحظوة بامتياز، بينما الإنسان العادي والمواطن فلا نلمح له حضورًا في تاريخه، إلا بعد بحث وتقصٍ عميقين.

بالتوازي مع هذا الطابع المغرق في تفاصيله والغالب للسرد التاريخي النخبوي في عموم الثقافة العربية الإسلامية، تبرز بين سطوره بعض الصور والمواقف التاريخية، التي تظهر تاريخنا بصورته وتجلياته الحقيقية، أو على الأقل تظهر – وربما من دون قصد –  الجانب الآخر المهمل والمعتمّ عليه، ليس باعتباره تاريخًا ملائكيًا ونورانيًا، وليس بالضرورة كذلك تاريخًا شيطانيًا قاتمًا، إنما وببساطة بوصفه تاريخًا بشريًا، خاضعًا بالكامل لحسابات البشر وأطماعهم وصراعاتهم اللامنتهية، إنه التجسيد الحقيقي للمكون الثقافي الشائع والمؤثر في محيطه.

من الروايات والقصص المهملة، تلك التي دونها المؤرخ ابن الأثير في موسوعته التاريخية “الكامل في التاريخ”، يذكر فيها جانبًا من سيرة حياة أحد ملوك الدولة الغزنوية، وهي دولة إسلامية حكمت أجزاء من إيران  وأفغانستان وشمال الهند قرنين متتاليين “الحادي والثاني عشر الميلاديين”، واسم هذا الملك محمود بن سبكتكين، الذي اشتهر باعتماده طوال فترة حكمه نهجا عسكريًا وسياسة قتالية توسعية صارمة، تقوم على الغزو والسبي وإنجاز المزيد من “الفتوحات”. تذكر الرواية، أنه فيما كان الملك محمود منشغلا بـ “غزو” بعض المناطق في إقليمه،  تعرضت عاصمته – مدينة كابل – لهجمة معاكسة، وحاصر جيش الأعداء المدينة فترة طويلة، غير أنه لم يتمكن من فتحها؛ لأن أهلها المدنيين استبسلوا في الدفاع عنها، حتى إذا استيأس المهاجمون من فتح المدينة، وقبل مغادرتهم المكان، قاموا بإحراق وإتلاف الأشجار المثمرة خارج أسوار المدينة، وبعدها رجعوا من حيث أتوا، وقد اكتفوا من الغنيمة بالإياب.

كتاب الكامل في التَّاريخ.

 

عند عودة الملك من غزوته، عرف بقصة الهجوم الذي تعرضت له عاصمته، وأخبره المقربون بكافة التفاصيل من استبسال المدنيين إلى مغادرة الجيش المهاجم وإتلافه البساتين قبل المغادرة. الغريب أن ردة فعل الملك جاءت على نحو لم يكن متوقعا، فأخذ يلعن شعبه ويقذف مواطنيه بأبشع الصفات. واحتار الناس كيف يسترضون الملك، ويفصحون له عن أسفهم وندمهم عن ذنب إلى هذه اللحظة لا يعرفونه، ناهيك عن افتراضهم السابق أنه كان سيسرّ منهم ويفخر بهم، وربما يكافئهم على نحو من الأنحاء لتصديهم في الدفاع عن المدينة وقيامهم وهم المدنيون بدور الجيش على أحسن وجه. وبعد كثير توسل ورجاء قبل الملك لقاء وجهاء المدينة وأعيانها، وكشف خلال اللقاء عن سبب غضبه من شعبه، ليتضح وفقا لوجهة نظر الملك “الغازي”، أن شعبه أساء إليه إساءة بالغة، ولم يحسن التصرف في شيء، لأن إغلاق أبواب المدينة أمام العدو دفعه إلى حرق الأشجار وقطعها، وهذه الأشجار يجبي منها في نهاية كل موسم الضرائب والخراج، وهو نصيب حرمه شعبه منه لهذا العام وربما لأعوام قادمة، وأنه كان يفضّل لو أن الأعداء دخلوا المدينة، وقتلوا عددًا من سكانها، ونهبوا جزءًا من أملاكهم، وربما سبوا بعضًا من نسائهم، على أن تلحق به هذه الخسارة ويفقد خراج هذه البساتين، وقال موجها كلامه لوفد المدينة: ” إنما أنتم للحلب أو الضرب”. هذه خلاصة رؤية ملك إسلامي كبير، يعد من كبار الغزاة والمجاهدين، يرى شعبه كيانًا بشريًا لا يصلح إلا لجباية ماله وثرواته، ليزداد هو غنى وثراء، وإن تعذر الحلب والجباية فلن يكون البديل سوى الضرب لا أكثر من ذلك ولا أقل. لا شك أن محتوى القصة يبعث في النفس الحزن والغضب، ولكن مشاعر وأحاسيس الحزن والغضب تتفاقم إذا أدركنا أن هذه النظرة للشعوب العربية، ما زالت مضمرة في نفس عدد غير قليل من حكامها وعقولهم.

القصص المخفية والمهملة التي تختزن المعنى السابق نفسه كثيرة ومتنوعة في تاريخنا؛ لكنها تحتاج إلى بحث وتنقيب، وبالإضافة إلى هذه الوقائع التاريخية التي تسوغ الاستبداد، هناك وفرة في المسوغات الشرعية التي تبرر الاستبداد بكافة أشكاله وصوره، وما زالت أطياف بعض التفاسير والتشريعات المؤيدة لهذا النهج حاضرة وفاعلة إلى يومنا، ومسار هذه الوقائع التاريخية والوثائق النصية والقانونية يسير في مجرى معرفي واحد، تتجمع تفاصيلها عند نقطة محددة، تفضي إلى كشفٍ ملخصُه أن واقع التجربة التاريخية لدولتنا، دولة الخلافة أو الدويلات التابعة لها، صفتها الرئيسة هي الاستبداد، وأن هذه السمة التاريخية بقيت حاضرة ولم تغادر الواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي المعاصر. وهذه نتيجة حتمية واستنتاج واقعي دونما مغالطة أو مبالغة، باعتبار أن دولتنا التاريخية هي نموذج حقيقي لنمط إنتاج يختلف عن النمط الرأسمالي- الغربي، الذي يعظم ويقدر قيمة الفرد وحريته، أو النمط الاشتراكي، الذي يمنح المجتمع أهمية قصوى، ويصنف النموذج الإسلامي عادة باعتباره امتدادًا لـ ” نمط الإنتاج الآسيوي”، حيث تخضع المجتمعات بالكامل لإرادة الدولة ونهجها السياسي والاقتصادي، وهو النمط الذي يمنح الحاكم سلطة وصلاحيات تكاد تكون مطلقة، وبذا تكتسب الدولة صفة الاستبداد. بالطبع هناك عدد لا بأس به من ذوي الاختصاص، يرفضون إلحاق التجربة الإسلامية بالنمط الآسيوي للإنتاج، ويرون أن للتجربة الإسلامية صفة وكينونة خاصة بها تميزها عن سواها، وأن هذه التجربة أبدعت نظامًا سياسيًّا واقتصاديًّا خاصًا بها، يوازي إن لم يكن متفوقا على سائر الأنظمة التاريخية؛ إلا أن هذه القناعة أو التعميم التبسيطي يواجهه سيل لا ينقطع من الإثباتات والبراهين التي تنقضه سواء على مستوى التجربة التاريخية، أو على مستوى التجربة المعاصرة، التي هي بالأساس امتداد طبيعي وتمثل حقيقي للتجربة التاريخية، وذروة هذا التمثل نجده في توحّد النظام العربي بنقطة جوهرية جامعة هي الاستبداد.

خلال المائة عام الماضية صار للعرب، في المشرق العربي على وجه الخصوص، وللمرة الأولى في تاريخهم دول وحكام ونخب سياسية من بينهم، يمكن اعتبار غالبيتهم من مخلفات المرحلة السابقة لمرحلة الاستعمار. وكما حرصت هذه النخب على استرضاء الدولة العثمانية وتذللت لها بكافة أشكال التذلل، كذلك تواصلت هي ذاتها مع قوى الإمبريالية العالمية، وقوبل هذا التواصل بانفتاح وتودد مقابل، وزودت القوى الاستعمارية هذه النخب بمقومات البقاء والحفاظ على النوع، وتعاملت معها باعتبارها أجنّة في رحم المنطقة، وسرعان ما أخذت هذه الأجنة بالنمو والتضخم لتمارس دور القائد في مرحلة انتقالية بالغة الحرج والتعقيد، وكان الهم الأكبر لهذه الفئة منذ البداية اختطاف الأوطان لصالحها هي، من خلال إضفاء مفاهيمي يمنح نظامها السياسي مبررات وجوده وشرعيته، ومن خلال هذه الشرعية المفتعلة وأحادية الجانب، أمعنت هذه الطبقة وتوغلت على الأوطان، وتعاملت مع الدولة على النحو الذي تعامل به ابن سبكتكين، باعتبار أن الأرض والثروات والناس موارد سائبة، موظفة لخدمتهم وعدد من المقربين حولهم، كل حسب اجتهاده وشطارته، بهذه الصيغة وعلى هذا الأساس، تشكلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أجزاء كبيرة من عالمنا العربي.

قيل وكتب الكثير عن أسباب تنكب وتخلف الدولة العربية الحديثة مقارنة بالدولة الغربية على وجه الخصوص، إضافة إلى عدد لا بأس به من الدول الآسيوية بعد أن خلعت هذه الأخيرة عن نفسها وتخلت عن  نمطها التاريخي المستبد، وعقد الباحثون والمفكرون مقارنات وأفاضوا  في تبيان أسباب اخفاقنا وفشلنا، والغوص لمعرفة أسباب نجاحهم وتفوقهم. وبعيدًا عن تعقيدات الفكر وتشابكه في معالجة هذه المسألة، وبالرجوع إلى المنطلقات الجوهرية التي تشكلت هذه الدول من خلالها، نجد أن الفارق الأكبر يكمن في آلية التفكير التي اعتمدها قادة هذه الأمم وزعماؤها منذ البداية، بالمقارنة مع الآلية التي اتبعتها زعامات المنطقة وقادتها. إن تركيز رموز السياسة والفكر لدى الغرب، وفي مرحلة لاحقة في الدول الآسيوية،  كان مقصده  تلمس مظاهر القوة التي تميزت بها مجتمعاتهم، درسوا رهانات هذه المجتمعات وتطلعاتها المستقبلية. كانت المجتمعات وليس القيادة محل الاهتمام والعناية، وبذا جاءت ولادة هذه الدول ونمت واتسع حضورها الدولي انطلاقا من هذه الحالة في التوافق بين الدولة/ النظام، والمجتمع، وعليه وصلت إلى ما وصلت إليه. وبالنسبة لرموز السياسة والحكم في العالم العربي فكان تركيز هذه الأجنّة الملحقة بالغرب كان ومنذ البداية باتجاه واحد، هو الاتجاه الذي يفضي إلى مصلحتهم هم ولا أحد سواهم، كانوا وما زالوا يرون في أنفسهم التجسيد الأسمى لمفهوم الدولة/ النظام، وليست المؤسسات ولا المجتمع ولا حتى القانون. وفي ظل تكيّف أحادي كهذا، كان من الطبيعي أن لا تتحقق أو تتراكم إنجازات بالمعنى العميق للمنجز الحضاري، أو أن تحدث تغيرات تدريجية على مستوى الوعي الاجتماعي.

نتابع وبشكل شبه يومي ظاهرة الانتقاد الحادة التي يوجهها صحافيون ومشتغلون بالسياسة، وأحيانا مواطنون عاديون، لحكامهم وقادتهم السياسيين، وهذه حالة ألفتها واعتادت عليها معظم المجتمعات المدنية في شتى أنحاء المعمورة، باستثناء العالم العربي وعدد قليل من الدول المتخلفة. فالدولة العربية الحديثة، بصورة قائدها أو رئيسها، منذ نشأتها وإلى الآن ليس فقط لا تتقبل، بل إنها لا تستوعب فكرة توجيه نقد أو التقدم بطرح بديل لهذا الذي يعرضه الحاكم. وهناك العديد من  اللحظات الموثقة التي تظهر ردة فعل غاضبة على نحو طفولي لزعماء وقادة حاليين لا لشيء إلا لأنهم تعرضوا لاستفسارات أو تساؤلات فَهِمَ منها الزعيم/ القائد أن محتواها يتضمن تعريضا أو نقدا لإحدى سياساته، فكانت النتيجة تجسيدًا كاملًا لمعنى الملهاة الحزينة، حيث تتداخل المشاعر مع بعضها على نحو غريب، تارة تستدعي الضحك، وأخرى تستوجب البكاء، وهنا يطفو السؤال الأكبر على السطح: هل يعقل أن تصدر مثل ردة فعل صبيانية كهذه ممن يرى في نفسه التجسيد الكامل والأسمى لمعنى الدولة. هذه المشاهد الحاضرة بغزارة في أيامنا هذه تستدعي بالضرورة قصة العالم الإسلامي الكبير، البيروني، وقد أجاب على استفسارات أحد الأمراء أو الملوك بحسابات دقيقة، لكن حسابات الرجل العالم لم تكن على هوى الأمير، فأمر الملك بحبسه ستة أشهر، فبقي البيروني في محبسه حتى شفع له الشافعون. الغريب أن الملك كان يعلم أن البيروني على حق، وأنه على خطأ، وكان مما قاله في هذه المناسبة:” إني أعلم أن هذا الرجل لا نظير له، ولا ابن سينا، ولكن تنبؤاته جاءت على غير مرامي، والملوك كالأطفال الصغار، لكي تنال خيرهم يجب أن تتحدث بما يجول في خواطرهم”.

وإلى اليوم ما زالت شعوبنا تعامل حكامها وتنظر إليهم باعتبارهم أطفالا، تجهد في استرضائهم وعدم إغضابهم بشتى الصور والوسائل؛ لكن الواقع ومجريات الأحداث لم تعد تحتمل مثل ألاعيب كهذه من التزلف في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولم تعد تحتمل الشعوب العربية تحتمل علاقة التكايد والتخادع فيما بينها على نحو لا ضابط له، وكأن الجوامع المشتركة التي تغنينا بها لعقود طويلة تلاشت بصورة مفاجأة. لا بد أن نستشعر ضرورة إحداث قطيعة مع كل سلوك أو أسلوب في التفكير يعمق من الأزمة التي يعاني منها الجميع، لم يعد هناك من مفر بأهمية التمسك والتعلق بحبال الذكاء والوعي في إدارة الأزمات الناشبة، والاعتراف أنه لم يعد مقبولا على المستويين الأخلاقي أو العقلي أن نبقى نعالج مشاكلنا بالأدوات ذاتها والنهج ذاته الذي جعلنا نراوح مكاننا لا نغادره إلا كمن يغادر من فشل لينتقل إلى فشل آخر. على مدى ستة عقود وأكثر، وهذا هو حال الدولة العربية، حتى كاد بعضها يلامس اليوم ما يمكن وصفه بـ ” تلاشي الدولة” التي هي النتيجة الحتمية لـ ” دولة الاستبداد”.

0 1085 11 يونيو, 2018 السادس والتسعون, سياسة يونيو 11, 2018