يوم عالمي لمنع الانتحار

لـ

خاطرة في المعاناة والعلاج المعنائي *

 

ـــــ 1 ـــــ

 

جلست هي وشابة أخرى على كراسي الطاولة التي كانت مقابل طاولتي في صالة مطعم أحد المستشفيات في مسقط العامرة، كانت تمسح بمنديل مخاط البكاء من أنفها، وكانت عيناها محمرتين من الدمع. كتبت هذه الكلمات على قصاصة، وطلبت من نادلة قريبة أن تعطيها إياها:

 

” الابتلاء جزء من حياة المؤمن والمؤمنة، والأوقات العصيبة تركز نظرنا إلى الداخل وتقوي علاقتنا مع الله، والعلاقة مع الله تجعل لمعاناتنا معنى وتجعل لنا مخرجًا. وكل ابتلاء له أجل “إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)” (سورة الانشراح).

 

تناولت القصاصة وقرأتها، ثم التفتت إليّ بعد أن قالت لها النادلة إنها من الرجل الجالس هناك. لم تقل شيئا لكن بدت على وجهها أمارات العرفان. نهضتا وخرجتا من الصالة. ولم أرها في حياتي مرة أخرى قط.

 

لقد كنت أنا على الجانب الآخر من الطاولة مرارًا عديدة.

ــــــــ 2 ــــــــ

 

 

إن إدراك معنى للمعاناة هو عمود مدرسة العلاج النفسي المسماة بالعلاج المعنائي Logotherapy أو العلاج باللوجو( المعنى) التي أسسها بعد الحرب العالمية الثانية طبيب النفس النمساوي الراحل فكتور فرانكل، وذلك بعد فتحٍ فتحه الله عليه أثناء مكابدته في معسكر الاعتقال النازي سيئ الذكر (أوشفتز) المخصص  لتصفية غير القادرين على العمل في أعمال السخرة من اليهود الأوروبيين والغجر والأسرى السوفييت.

وله في العلاج باللوجو بضعة كتب لعل أشهرها كتابه الأول  man search for meaning (بحث الإنسان عن المعنى) وقد قرأته ثلاث مرات، ويعد من بين أهم عشرين كتابًا صدرت في القرن العشرين. وقد ترجم إلى لغات عدة منها العربية. هذا الكتاب يفصل لنا معنى مقولة نيتشه: “أعطني لماذا وأنا استطيع تحمل كل كيف”. أي أعطني معنى لحياتي، وأنا أستطيع تحمّل أية مكابدة. ويمهد الكتاب لمبادئ العلاج باللوجو الثلاثة، وهي:

1- للحياة معنى تحت كل الظروف حتى الظروف التي لا حيلة للإنسان فيها.

2- دافع الإنسان الأساسي في الحياة ليس طلب المتعة وتجنب الألم؛ بل هو طلب معنى الحياة.

3- يمكن سلب كل شيء من الإنسان إلا حريته في اختيار موقفه من معاناته.

 

ولفرانكل أيضا كتابه  The Unheard Cry for Meaning (صرخة للمعنى غير مسموعة) الذي يقول فيه: (انظروا إلى معدل الانتحار المفزع بين طلاب الجامعات الأمريكيين؛ إذ يعد السبب الثاني للوفاة بين هذه الفئة بعد حوادث المرور. هذا يحدث في مجتمعات الرخاء ودول الرعاية الاجتماعية ! منذ أمد حلمنا بحلم ندفع ثمنه الآن: حلم أنه بتحسين ظروف الإنسان ( المجتمع- اقتصادية) فسيصبح كل شيء على ما يرام، وسيصير الناس سعداء. المعضلة أنه عندما انحسرت المجاهدة من أجل البقاء برز السؤال الآتي: البقاء من أجل ماذا؟ فمعظم الناس اليوم يمتلكون وسائل العيش لكن بدون معنى ولا مقصد يعيشون من اجله) (1).

 

الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة قد خصصت العاشر من سبتمبر من كل عام يومًا عالميا لمنع الانتحار بسبب تفشي الظاهرة في المجتمعات الحديثة.

وفي هذا الصدد لم أجد أحسن مما كتبه أدهم شرقاوي في مجلة الوطن القطرية (تاريخ الدخول على الموقع 31/5/2018)  إذ يقول:

” في العام الماضي انتحر ثمانمائة ألف شخص حول العالم بحسب قوائم منظمة الصحة العالمية، أي بمعدل إنسان كل أربعين ثانية. والغريب أن دُولاً كالسويد وأميركا واليابان في قائمة العشر الأوائل، وفرنسا وبريطانيا وكوريا الجنوبية في العشر التي بعدها، وهذه دول تتمتع بمستوى من الرّفاهية يصل حدّ الخرافة؛ في حين لا توجد دولة عربية واحدة ضمن المائة دولة الأولى في معدلات الانتحار. فبرغم الفقر والاستبداد والبطالة والظلم الاجتماعيّ ما زال فينا بقية من روح، وهذا هو الشيء الوحيد الذي نملكه ويفتقده العالم. نحن رغم كلّ شيء نعرف من أين جئنا، وإلى أين سنذهب، وأن هذه الحياة ليست إلا مرحلة عمرية من عمرنا الحقيقي ” (http://www.al-watan.com/PrintNews_Writer.aspx?id=7214 ).

 

 

ويبين فرانكل في كتبه أن الإنسان يستطيع اكتشاف معنى للحياة بثلاث سبل:

 

1- بالاشتغال بشغل يرضي النفس.

2- بخبرة شيء ما خبرة ذاتية أو بالعلاقة بشخص ما.

3- بموقفه تجاه المعاناة التي لا حيلة له فيها أي المعاناة الحتمية التي لا مفر منها.

 

 

ويؤكد هنا أن القناعات الدينية نافعة في تحمل المعاناة الحتمية؛ إذ يقص لنا الآتي:

” جاءني رباني** من أوروبا الشرقية يشتكي معاناة الاكتئاب منذ سنين بعد أن قتل النازيون بالغاز زوجته وصغاره الستة في معسكر (أوشفتز). ولقد تبين أن زوجته الثانية التي تزوجها بعد تحريره من المعتقل عاقر. من ثمَّ، باعتباره يهوديا أصوليا، شعر بالكرب؛ لأنه لن يكون له ولد يدعو له بعد موته بدعوة قاديش ( صلاة الأموات اليهودية). فقلت له : ألا يأمل أن يلقى صغاره في الجنة؟ فكان جوابه دمع منهمر قائلا إن صغاره في أعالي الجنان، فقد لاقوا ربهم شهداء من غير ذنب في حين أنه كشيخ مذنب لا يتوقع أن يكون معهم. فقلت له : ربوني، ألا يعقل أن يكون هذا تماما هو المعنى لمعاناتك بعد صغارك أي أن تتطهر من خلال معاناتك بحيث تصير أهلا للحاق بهم بالرغم من أنك لست بريئا مثلهم ؟ أليس مكتوبا في الزبور: ” إن الله يحفظ دموعنا فهي في كتاب عنده” ؟ لذا فمعاناتك ليست عبثا بلا جدوى”. لأول مرة منذ سنين وجد الرباني راحة من خلال المعنى الذي كشفته له” (2).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أهدي هذا المقال الى أستاذي الدكتور أحمد بن علي المعشني رائد العلاج بالطاقات النفسية و الروحية في محافظة ظفار.

 

(1). فكتور فرانكل، The Unheard Cry for Meaning ، 1978 ، ص 20-21

 

**    الرباني هو العالم بالشريعة عند اليهود. وهي كلمة وردت أيضا في القرآن الحكيم بصيغة الجمع، الربانيون.

 

(2). فكتور فرانكل، man search for meaning ،  1985،  ص 142-143

 

0 461 26 يونيو, 2018 السادس والتسعون, ثقافة وفكر يونيو 26, 2018

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان