تعويبة الظل.. الذاكرة والمكان والحرية

لـ

 

أكثر ما تردد في ذهني وأنا أتردد على الرواية خلال الشهر الذي وعدت نفسي بإنهاء قراءتها؛ هو الذاكرة. الذاكرة هي الوطن الثقيل الذي لا نستطيع أن نغادره. ولعلي لا أخطئ إذا قلت إن هذه الذاكرة هي المحرك الجوهري لتدافع الأحداث بالرواية. تعمل الذاكرة على نحو لا نستطيع التنبؤ به. وفي الأعم الأغلب نحن نتحلل من عبء الذاكرة بطرق كثيرة، ولكن في ظني تحويلها إلى مشروع رواية؛ يتطلب انعطافة هائلة كالتي يحاول الكاتب الالتصاق بها ليكثف فيها كل سنوات الطفولة والفتوة والشباب؛ قبل أن يجريها على ألسن شخصياته التي ستكون شهوده على مرحلة مهمة من حياة الوطن الخفيف؛ عُمان. لا يوجد في الذاكرة ما يمكن وصفه بالمهم وغير المهم. كل شيء له مكانه وموقعه، من لحظة تصويب بندقية راعي الغنم الجبلي على الذئب الجائع الذي يتحرش بخرافه، إلى الرصاصة التي تقتل المتظاهر السلمي لتقلب كيان مكتوم الحلزوني؛ راعي الخراف، فتجعله أبا الخرز الجديد؛ الحكيم الذي يسخر الجميع من حكمته.

واضح جدا بين سطور تعويبة الظل وصفحاتها أن الكاتب مشغول جدا بخوف ما يشتعل داخل الحروف والكلمات. إنه الخوف الأخير الذي يريد أن يكسره. أكاد أجزم بأنه الخوف من النسيان، نسيان التضحية. إنه نسيان يوازي العقوق والخيانة، خيانة المبادئ التي حركت الجماهير لتنزل إلى ساحات الاعتصام خلال أحداث فبراير ومارس 2011. عبر الكاتب عن ذلك الخوف في كتابات كثيرة سابقة، ولكن أن يضعه في قالب أدبي روائي فهذا يعني أنه يحاول الوصول إلى أبعد المناطق الغائرة في إنسانيتنا. أليست هذه هي وظيفة الأدب؟ إنه يكتب رسائل ذات ضوء خافت، لا يرسلها لنا نحن أبناء هذا الجيل الذي عاش ذاكرة تعويبة الظل، بل إلى أطفالنا الذين سيأتون بعد سنين ليسألوا: ماذا قدم لنا آباؤنا؟ وهنا يترك المؤلف جوابا يمثل خلاصه من وجع النسيان.

لست أديبًا ولا ناقدًا ولا ناشطًا، ولم أكن متظاهرًا يومًا ما؛ ولكن في تعويبة الظل تكتشف ألما عجيبا؛ يتراوح بين حجم ما نمنحه للآخرين من أرواحنا وهم لا يكترثون، وما يمنحه الآخرون لنا من أرواحهم ونحن لا نكترث. القيم التي تحرك الناس في علاقتهم مع أشباح السلطة مرتبكة وتفتقر إلى المعيار. ولكن المعيار موجود وقارٌّ في أنفسهم، ولا يحتاج إلى أكثر من وقفة حرة مع الحق الصانع للواجب. هناك واجبات يمليها أحد ما علينا، وهناك واجبات نكتشفها تلقائيا عندما نحصل على حقوقنا. وبين ثقافة الواجبات وثقافة الحقوق؛ تتردد شخصيات تعويبة الظل، لتعيد كاتبها في كل مرة إلى ظل شجرة جبلية كان يسكن إليها مرددا تعويباته المتعبة من وجع الغربة وحب الأرض. السرد في هذا العمل ليس هدفا في ذاته، بل أسلوب يشجع الكاتب به قراءه الذين سيأتون يوما ما؛ على اكتشاف هذا المعيار الذين يحاكمون أنفسهم عن طريقه قبل أن تحاكمهم أي سلطة تحاول التحكم فيهم.

عُمان وطن جميل، فيها أناس مخلصون، فيها حالمون بغد أفضل، أياد كثيرة تبني، لا أحد يزايد على حب عمان، هذا لسان حال الرواية. يأخذنا المؤلف فيها في تطواف على بيئات كثيرة ومختلفة تمتد من جبال الشرقية في السبعينيات وصولا إلى حاضرة صحار في ٢٠١١. صحار ٢٠١١ لدى الكاتب هي قصة يجب أن تروى وتكرّر باستمرار؛ لأنها اختصرت المشهد العماني بكامل تناقضاته منذ السبعين، وربما قبل ذلك. كما لو أن الكاتب يريد أن يعيد تشييد دوار الكرة الأرضية، ولكن بطريقته الخاصة، وفي خيالات القراء الذين ما زالوا في الأصلاب. في صحار تشتبك وتتحلّل عُقَد الرواية، تماما كما اشتبكت وتحلّلت علاقات الواقع العماني. بالتأكيد لم يكن الهدف هو صحار؛ بل هو هواجس الحلزوني والزاهي. فصحار في تلك اللحظة كانت هي البيئة الأصح لتمثيل الصراع بين مفهوم الواجب ومفهوم الحق، وذلك بالمقارنة مع مواقع الاعتصام الأخرى. الصراع بين رصاصة مكتوم الحلزوني ولافتة خالد الزاهي.

لا أبرئ الكاتب من تهمة شيطنة السلطة في تعويبة الظل، ولا أظنه يبرئ نفسه منها، فتمركز الذاكرة الثقيلة في مقابل الوطن الخفيف الذي يبحث عنه؛ يدفعه إلى دفع السلطة عنه إلى أبعد زاوية ممكنة حتى لا تتلبّسه وتستوعبه؛ تماما كما فعلت مع الحلزوني. وهنا الكاتب يدعونا لنتعاطف مع الحلزوني رغم أنه أداة بيد السلطة، ولكن مرة أخرى؛ لأن الكاتب يريد أن يقدم مرافعة في منتهى الإنسانية فيما يتعلق بالخضوع الذي تفرضه لقمة العيش بحيث يتجرّأ الشرطي في إطلاق رصاصة حية على متظاهر سلمي لم يكن يحمل سوى لافتة. كما لو أن الكاتب يريد أن يقول لنا: هناك شبكة معقدة من الدوافع داخل السلطة، ويجب أن نعزل النقي منها عن غير النقي. وشيطنة السلطة ستكون هي الوسيلة التي تجعل القارئ يلتفت إلى تلك الشبكة. كيف سنعتذر إلى الزاهي ونتعاطف مع الحلزوني بدون هذه الشيطنة؟ وهنا يجوز لي أن أتخيّل تلك اللعنات التي ستوجَّهْ إلى القتلة: قتلتوه! الله يلعنكم! ولكن من هم المخاطَبون هنا؟ إنها هذه الشبكة الغائمة!

حاز المكان في الرواية على قداسة غير طبيعية، للدرجة التي تساءلت مع نفسي: لماذا هذا الإلحاح من الراوي على المكان؟ تعويبة الظل تجعلك في قلب الحدث. تتنفس المكان وتشم رائحته على بعض التعابير المتداولة في النقد. وهو أمر مدهش حقا من كاتب في روايته الأولى. لست متأكدا؛ ولكن أظن الجواب في “الظل”. يريد الكاتب أن ينحت في أذهاننا مفهوم الظل؛ كإطار للزمان والمكان نذيب داخله الآلام والأحلام. تماما كما يفعل هو. عادة ما يكون الظل ملتقى المتعبين والباحثين عن فاصل الراحة قبل أن يعودوا لمعمعة المعترك. الظل هنا يتجاوز هذه الصورة التقليدية المناقضة للهجير، إذ يصبح هو مسرح الأحداث. تنتقل المعركة إلى الظل؛ لأن المستريح إلى الظل مسكون بالحدث أكثر من الموجود في قلب الحدث. هل من الضروري أن نكون في الواجهة لكي نحرك الأحداث؟ الكاتب يقول لنا: لا، حتى في الظل تستطيع أن تكون فاعلا، فالظل لا يعني السكون ما دمت تحمل في قلبك قضايا الحق والعدالة.

وهذه فكرة أخرى في تعويبة الظل، وهي التردد بين الواقعية والمثالية. واقعية السلوك عند شخصيات الروائي ومثالية الحوارات التي تجري فيما بينها. ولأن الرواية تتبع أسلوب اليوميات، هناك مزج في الحوارات بين ما تريده الشخصيات وما يريده الكاتب على لسان الراويان، فالحوارات تنحو إلى المثالية؛ ما خلق مسافة بين الفعل وبين اللغة. وهي مسافة في تقديري طبيعية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كلًا من الحلزوني والزاهي كانا يكتبان يومياتهم المشتبكة بآلامهم وطموحاتهم وهواجسهم، التي قاما وفي اللحظات الأخيرة بتوصيلها إلى أبي الخرز الذي بدوره أرسلها إلى الباهية، التي قامت بإرسالها إلى دار التنوير. الفكرة هنا تبدو لي كما لو أن الكاتب يتعمد في صنع هذه الازدواجية بين الواقع والمثال، حتى لو جاءت على حساب الحوارات؛ لأن ما يريد توصيله هو الصراع الذي يجري في الظل، ليختزن واقعية الأحداث ومثالية الطموح، ولينتقل هكذا وبهذا الشكل إلى القراء؛ الذين أكرر بأنهم لم يولدوا بعد. وأعتبر ذلك من ذكاء الرواية، وإن كنت أميل شخصيا لمنح الحوارات حقها من الواقعية، كونها ستكشف أكثر عن الجدليات والتناقضات الهائلة داخل السلطة، التي يحاول الروائي محاصرتها.

وأخيرا ألفت إلى نكتة مهمة في الرواية، وهي عن مفهوم الجسد. لا ينفصل الظل عن الجسد، والجسد كمكون فلسفي؛ يتجاوز حدود اللحم والدم ليصبح هو وعاء الذات وبيئتها التي بها يتم الاتصال بالآخر. ثقافة الجسد هي ثقافة التفرد وهي الوسيلة في كافة أشكال النضال ضد الاستبداد والظلم والشموليات. أنا حر في جسدي! ومن هذه الحرية يتم الانطلاق في اتجّاه باقي الحريات. واضح في تعويبة الظل أن الجسد حاضر في التفاصيل التي يصرّ عليها الكاتب وهو يصف التعب والرغبة والألم والحركة والسجن. حتى في أقصى حالات سيطرة النظام على الجسد؛ كما هو الحال في الاعتقال والحبس أو في صد التظاهرات، يصوّر لنا الكاتب لحظة الانفصال عن الجسد الخاضع، ليحصر الكينونة في المعنى الذي يريد الاستقلال عن الجسد حتى لا يتضرر مع محاولات تفتيت الجسد لكسر إرادته. عدم الشعور بالجسد فن يحثّنا الكاتب على تخيّله والتفكير فيه منعا للانهيار.

الجسد هنا يشتبك مع الظل، ويصبح هو محور الصراع؛ هل أسلّم جسدي للجلاد؟ ولكن أنا في الظل؛ هل يستطيع أن يصل الجلاد إلى جسدي الممتزج بالظل؟ إنه وقت الراحة. أووه حقا؟! هل هي فعلا راحة؟ ربما؛ فالجلاد سيجلد الظل، أما الجسد فقد تسامى على طريقة آلهة الإغريق. وهنا يبدو لي أن الكاتب قد ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو كشف أن السلطة عندما تصل إلى الظل فإنها لا تستطيع أن تبرر لنفسها أنها تعمل لأجل الوطن، لهذا تتبع استراتيجيات أخرى لطرد الذاكرة من الظل تمهيدا لمحوها، ولكنها لا تنجح، بدليل أنها منعت الكتاب، وهذا هو العصفور الثاني. السلطة ابتلعت الطعم الذي وضعه سعيد الهاشمي لها، فمن يكتب في الظل؛ يكتب لقرّاء لم يأتوا بعد.

0 702 04 يوليو, 2018 السابع والتسعون, حداء الروح يوليو 4, 2018