القيم البانية في كتب الثقافة العربية

لـ

“ألف باء” أنموذجا

 

إن قدرة الثقافة عامة والتراث خاصة على إشاعة القيم النبيلة في الجسد الاجتماعي يعتمد حتما على بناء نظام القيم في الناشئة وتشكيله، وصيانة القيم الاجتماعية والإنسانية الخاصة بمجتمعنا، وقد أدت الثقافة الإسلامية هذه المهمة بأمانة وجدارة. فالتنشئة الاجتماعية والثقافية عملت بشكل مكثف وجهد متواصل على إرساء القيم، من خلال تضمينها الكثير من منتجاتها المكتوبة والشفاهية والمادية، وتشريبها للنشء تلقينًا وتوجيهًا وتأثيرًا.

هذه الثقافة تضم الأنساق المعرفية والقانونية والتربوية والاجتماعية، التي تحدد أنماط حياتنا الاجتماعية وكل ما يمنح شعبنا خصوصياته. كما دَوَّنَتْها وَوَثَّقَتْها كثير من الإنتاجات المكتوبة الفكرية والأدبية والفنية على اختلافها، التي صنفها المثقفون، من نصوص شعرية وحكايات واجتهادات فقهية وسيرة ومراسلات أدبية وغيرها. كل ذلك يشكل ثقافة الأمة التي تتناقلها الأجيال، كل جيل يضيف إليها أو يعدلها، لتوائم خصوصيات الجيل وظروف العصر وإمكاناته وتحدياته، حتى يتاح له أن يعيش عصره في سلام وأمن مادي وروحي.

وفي هذا الإطار يندرج كتاب “ألف باء” الذي صَنَّفَه أبو الحجاج يوسف البلوي الأندلسي، وأراده أن يكون رسالة تربوية من أب لابنه، ضمنها اختياراته الثقافية والأدبية التي رآها كفيلة بالإسهام في تنشئة ابنه عبدالرحيم وتربيته.

البلوي وكتابه

أبو الحجاج يوسف بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن غالب البلوي المالَقي نسبة إلى مالقة (ابن الشيخ)[1]. قارئ زاهد وفقيه وأديب من الأندلس توفي عام 604 هجرية، ينتمي البلوي إلى قبيلة بلي العربية الأندلسية. تلقى دروسه الأولى في مالقة عن أبي الفخّار، وابن قُرقْول إبراهيم بن يوسف، والسهيلي عبد الرحمن بن عبد الله، وابن حوط الله البلنسي.

اتجه البلوي إلى المشرق سنة 561ه في رحلة حجية وعلمية، ومر على مدينة بجاية وأخذ عن شيخها أبي محمد عبد الحق الإشبيلي صاحب كتاب الأحكام. ثم زار الإسكندرية، واشتهر أمره فيها، وأخذ بها العلم عن شيوخها فسمع من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني، ومن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني، وتقيّة بنت غيث الأرمنازي. وبعد أداء مناسك الحج، عاد إلى مدينة مالقة بعلم غزير، فتصدر مجالس العلم لبثِّ ونشر ما تلقاه في رحلته عن شيوخ العلم. فبرزت مواهبه في الحفظ والرواية وإنشاء الخطب وتحبير الرسائل ونظم الشعر وامتلاكه ناصية اللغة العربية.

إلى جانب ذلك اشتهر البلوي بشجاعته وتضحياته، وتصديه لمقاومة العدوان ولدفع الغزاة وردهم عن أمته، فقد جاهد بنفسه مع يعقوب المنصور في الغزوات التي خاض غمراتها في الأندلس لرد الصليبيين، كما تطوع للجهاد مع صلاح الدين الأيوبي ضمن جيشه في الشام لمقاومة الغزاة الصليبيين. كما اشتهر بجهاده المالي وإنفاقه الواسع في باب البر والإحسان. فكان فاعلا اجتماعيا ومبادرا لفعل الخير، بنى في مالقة من ماله خمسة وعشرين مسجدًا، عمل في اثني عشر منها بيده. كما أقام عشرين بئرا يرتوي منها الناس.

ألف البلويكتاب ألف باء” لابنه عبد الرحيم لينشأ نبيلا وينمي ثقافته العقلية، ويزوده بما ينفعه، وكان إذ ذاك حدثًا، فشحن هذا الكتاب بالفوائد التي أراد أن ينقلها لابنه عبد الرحيم، ويستفيد منها. نثر فيه كنانة محفوظاته في المعارف الأدبية، ولم يخله من أخاير ذخائر ما التقطه من أفواه شيوخه والعلماء والأدباء، فجاء أشبه بموسوعة موجزة جامعة لفنون شتى، تختلط فيه موضوعات في الحساب والطبيعة والحيوان وعلم الاجتماع والأديان والمذاهب وفقه اللغة والشعر والنحو والصرف دون ترتيب تاريخي، وقد التزم فيه السجع أحيانًا، ورتّبه ترتيبًا غريبًا على حروف الهجاء؛ ذلك أنه ضمّنه تسعة وعشرين بيتًا وشرح كل كلمة مع مقلوبها ومعكوسها، وأورد في أول الشعر ثمانية أبواب، وفي آخرها أربع كلمات مزدوجات متشابهات في الحروف.

وقد أشار البلوي في مدخل كتابه إلى أنه وضع كتابًا آخر سماه (تكميل الأبيات، وتتميم الحكايات مما اختصر للألباء في كتاب ألف باء)[2]، توسّع فيه بما أوجزه في ألف باء من أخبار وأشعار، نصح ابنه بالرجوع إليه للاطلاع على تتمة الأبيات والحكايات الواردة في ألف باء.

حضور القيم في ألف باء

 إن الكتاب ألف لغرض تربوي تعليمي، فجمع ألوان المعارف، مع عناية زائدة بالثقافة الأدبية ومسالكها اللغوية والشعرية والسردية، فهو كتاب في التربية من غير موعظة مباشرة، لكنه يقدم المضمون التربوي بطريقة غير مباشرة من خلال أوعية أدبية حاملة للقيم التربوية. ما ينم عن الوعي الذكي للبلوي بمكانة الثقافة الأدبية باعتبارها من أهم مدخلات العملية التربوية التي تسهم في مخرجات تربوية سليمة، فمحتوى الثقافة يكون له أكبر الأثر في إكساب النشء النظام القيمي الذي يتبناه المجتمع. فاهتم بالتأليف وعيًا بأهمية الكتاب في نقل القيم والتعريف بها ونشرها وترسيخها في الجسم الاجتماعي، خاصة خلال عصر حظيت فيه الثقافة المكتوبة بأهمية خاصة وتقدير بارز، فكانت الكتب قوية الحضور في المجتمع يتداولها القراء وينسخها النساخ، وتدرس وتشرح في حلقات العلم، وترافق الناس في حالهم وترحالهم، وفي خزاناتهم بالمنازل الخاصة والمؤسسات العلمية والمساجد، فكان لها أكبر الأثر في تنشئتهم. لأجل ذلك جعل البلوي كتابه رسالة تربوية، أراده أن يكون مؤثرا في النفس، قادرًا على أن يلهم ابنه الصواب، ويقوده إلى طريق الخير، لذلك يلحظ القارئ حضورًا بارزًا للقيم الإنسانية في “كتاب ألف باء”.

 فللقيم الدينية حضور قوي وطاغ في الكتاب، فغالبية محتوى الكتاب هي نصوص ومواضيع دينية متعلقة بالتفاسير والسيرة النبوية وأخبار الصحابة والتابعين، فالأصول الإسلامية من قرآن وحديث وسنن، وآثار الصحابة وسيرتهم، وأعمال الفقهاء، تشكل مصدرا رئيسا من مصادر الكتاب، ومعيارا للتحكيم، وهذه المصادر كلها تتفق على توحيد الله والخضوع له، وتدعو إلى شكره وحمده وتقواه، والرضا بقضائه، وهو ما ينسجم مع أهداف التنشئة الاجتماعية الإسلامية التي تعمل على ترسيخ التدين في نفوس النشء. فقد حرص البلوي على ترسيخ عقيدة قوية في وجدان ابنه الناشئ وعقله، حتى يؤمن ويتشبع بالدين ويتفاعل معه. وسبيل ذلك تعليمه ما يجب عليه اعتقاده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر[3]. يتضمن الكتاب نوادر وحكايات كثيرة لوصف الطبيعة البشرية الهشة، وامتداح الاعتراف بالذنب والاعتذار عنه ومحاسبة النفس، وقيمة الاستغفار، الذي يتأسس على قاعدة حسن الظن في الله عز وجل، غافر الذنوب ومقيل العثرات.

 كما حظيت القيم الأخلاقية والوجدانية بعناية المؤلف، فغاية المسلم أن يكون في أخلاقه مقتديا بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم. والبلوي نفسه كان متميزا بنبل أخلاقه وكرمه وتعففه وتقواه، فاحتلت الأخلاق مكانة واضحة في الكتاب، ما يشهد على حرص البلوي على محاربة الرذائل وتوجيه النفس نحو الخير والفضائل التي تحلى بها السلف الصالح، كالعفة والزهد والجود والصفح والإحسان والصدق وغير ذلك. والدعوة إلى الفضائل يمليها الحرص على أن ينشأ ابنه وأبناء المسلمين على الأخلاق الإسلامية. يستدل البلوي بشهادات كثيرة، منها قول علي رضي الله عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك[4].

يرى البلوي كغيره من العلماء المسلمين أن تلقي العلم يجب أن يسبقه اكتساب الأخلاق الفاضلة. فبتآزر الدين والخلق يتحقق صلاح الفرد والمجتمع وسعادتهما معا، وتتهيأ سبل الخلود في نعيم الآخرة. بذلك تكون غاية الفقه هي خير الإنسان حقا في الحال والمثال والسعادة في الدنيا والآخرة. فالأخلاق حاكمة، لذلك فحين طلب منه نسخ كتاب أدبي، تفادى نسخ الأبيات الشعرية التي تتغنى بالخمر وتمتدحها، وترك مكانها بياضا، وتعداها إلى غيرها، ولما أتم النسخ بعث بالكتاب لصاحبه واعتذر إليه من صنيعه مبررًا عمله بأنه يرفض أن يكتب بيده ما يتنافى مع الأخلاق الفاضلة أو يدعو للرذيلة[5].

أما بخصوص القيم العلمية، فإن البلوي كغيره من العلماء والمثقفين المسلمين يؤكد على أن العلم وسيلة لتجويد العنصر البشري، يحول الناشئ إلى كائن إنساني، فللعلم دور حاسم في تنمية القدرة على التمييز، وتوجيه العمل وتصحيحه وفي اكتساب الفضائل، فطالب العلم يعلم حسن الفضائل فيأتيها ولو في الندرة ويعلم قبح الرذائل فيتجنبها ولو في الندرة، ما يعني تطبيقا عمليا للمعرفة العلمية والثقافية.

وإيمانا من البلوي بتنافذ العلوم، بذل جهوده في سبيل تقديم الفائدة العلمية بشكل مبسط وشهي مقرونة بالفائدة الدينية والأخلاقية والمتعة الأدبية، وترغيبا للمثقفين في الاهتمام بالعلوم كافة والمعارف جميعها وعدم قصر اهتمامهم على العلم الديني، فلفظ العلم يشمل كل المعرفة المفيدة، منوها في الوقت نفسه بكتاب ابن عبد البر الذي صنفه في فضل العلم، مُرَغِّبا بلطف في قراءته، ناقلا منه عدة شهادات تؤكد على ضرورة الالتزام بالدين، وهو أمر لا نقاش فيه، والفرض أولى، ثم الاهتمام بالعلم، وهو أهم من عمل النافلة، ويحتج بقول أبي الدرداء رضي الله عنه: لأن أتعلم مسألة من العلم أحب إلي من قيام ليلة، والقول الذي روي عن الشافعي رحمه الله: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. مع التنبيه على لزوم العمل، وقد سئل ابن شهاب رحمه الله أيهما أفضل العلم أو العمل؟ فقال: العلم لمن جهل والعمل لمن علم[6]. لذلك ينصح البلوي بالمداومة على التعلم وطلب العلم طيلة الحياة[7].

الثقافة مكون رئيس للهوية

جعل البلوي قضايا اللغة العربية محورًا لمصنفه، ومدخلا لطرح ومعالجة ومناقشة قضايا دينية واجتماعية وأخلاقية وثقافية وغيرها. فاللغة العربية وعاء حامل للثقافة والقيم، وليست مجرد قناة للتواصل. والبلوي يقول إن اللسان العربي أودع فيه الله أسرارا جليلة وحكما بليغة[8]، وفساد لغة التخاطب اليومي معناه ضياع هذه الأسرار والحكم الإلهية، التي ينبغي صونها بالحرص على تعليم اللسان العربي للأجيال[9]، للحفاظ على هذا الوعاء المهم للقيم والمعرفة والأخلاق.

إن اللغة تشكل مكونا مهما من مكونات الهوية الإسلامية، وكان البلوي يشعر بمسؤوليته التاريخية والاجتماعية باعتباره عالما وفاعلا اجتماعيا وأبا تجاه عصره ومجتمعه وأبنائه، وإبراءً لهذه المسؤولية ووفاءً بالواجب، وضع رسالته التي أورثها لابنه وأبناء المسلمين، حفاظا على هويتهم العربية الإسلامية وحماية لوجودهم الثقافي والحضاري. والرسالة تستعين بالثقافة في تربية النشء وإصلاح أخلاقه وترسيخ القيم النبيلة في نفسه، وإنضاج المشروع المجتمعي الإسلامي.

الثقافة الإسلامية هي التي تشكل معالم شخصية المسلم، والعلماء المسلمون كانوا حريصين دوما على صون الهوية الإسلامية، وحمايتها من الذوبان في خضم الاحتكاك والتفاعل مع الثقافات الأخرى، وكانت وسيلتهم لذلك منهجا تربويا يحفظ لنا ثقافتنا ويطورها، دون أن يغلق مسارب الانفتاح على العالم المحيط بنا، حرصا منهم على تنمية شخصية الإنسان المسلم المتشبث بأصوله، المستثمر لعقله، الحسن الخلق، العامل بعلمه في سبيل صلاح نفسه وغيره. وكتاب “ألف باء” ليس إلا واحدا من هذه المصنفات الثمينة، التي وضعها السلف ليهتدي بها الخلف، ويستعين بها في التخطيط لحياته وبناء حضارته والإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والأصول الثقافية والإسهام الحضاري العربي الإسلامي في إنارة سبيل الإنسانية. فمصنفات ابن عبد ربه وابن الأزرق الأندلسيين، والأصبهاني والجاحظ وابن قتيبة والقالي وغيرهم، تحافظ على الثقافة العربية الإسلامية وتوثقها وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة، وتبسط لها القيم والأخلاق والمبادئ السامية التي أسس عليها السلف حضارتهم ومدنيتهم الخضراء، فأبهروا العالم بعطائهم الثمين.

 

________________________

[1] انظر ترجمته في: البلوي صاحب كتاب ألف باء، مقال في مجلة دعوة الحق (الرباط) العدد 113؛ وأيضا سلامة، عبير، البناء القصصي للمعرفة الأبوية في كتاب (ألف باء) للبلوي، القاهرة 2001؛ كتاب ألف باء، تأليف أبي الحجاج يوسف بن محمد البلوي، تصحيح: مصطفى وهبي، المطبعة الوهبية 1287هـ

[2] البلوي، يوسف بن محمد: كتاب ألف باء، تصحيح مصطفى وهبي، القاهرة، المطبعة الوهبية، 1287، جزء1 ص 7

[3] جزء1 ص3

[4] جزء1 ص18

[5] جزء1 ص 55

[6] جزء1 ص18

[7] جزء1 ص 19

[8] جزء1 ص 4

[9] جزء1 ص 28

0 554 05 يوليو, 2018 السابع والتسعون, ثقافة وفكر يوليو 5, 2018