مؤسسة العسكر المحترفة… احترافية الهزائم

لـ

 

 

حالة من الانهيار والسقوط المدوي تشهدها المنطقة العربية، كافة العناوين الرنانة والشعارات البراقة التي اختطفت عقل الإنسان العربي ووجدانه على مدى مائة عام خلت، يراها اليوم وهي تتهاوى أمام ناظريه واحدة تلو الأخرى. يصحب حالة السقوط هذه منسوبٌ عالٍ من عدم الثقة بكافة الطروحات والتبريرات الاستدراكية على اختلاف أطيافها ومنابعها التي تصدر عنها، رسمية كانت أو تابعة لجهة رسمية. حتى الأمل الذي كان مستقرًا بأعماق النفوس، النابع من الإيمان بوجود صيغة عادلة على نحو من الأنحاء، وأن دوام الحال بهذه الصيغة من المحال؛ حتى هذا الإيمان أو المعتقد آخذ في التسرب، وفقدان تماسكه في قلوب اعتادت الخضوع والاستسلام، ليتجرأ العقل الجمعي، وربما لأول مرة في تاريخه، ويبدأ رحلته في  طرح الأسئلة، وهو الذي صمم وتكيف في صميم تجربته التاريخية باعتباره عقل جواب وليس عقل سؤال، كان ينظر إلى ذاته باعتباره يمتلك مفاتيح المعرفة وأسرار الوجود المادي والغيبي، لتثبت له وقائع التجربة المرّة، أن كثيرا من معارفه وتفسيراته، إضافة إلى تنبؤاته واستشرافاته المقدسة، ليست منقطعة الصلة عن الواقع، وإنما تعارضه وتتناقض مع حركة التاريخ ومنطق الأشياء بصورة هيكلية.

الصراع الحضاري والثقافي، والشأن السياسي العام، وتمايز الدول والشعوب وتباينها في كيفية التعامل مع قضاياها الملحة وتحدياتها المصيرية، كلها قضايا غدت حاضرة ومحل إعادة تفكر وتبدل في الرؤى لدى شرائح واسعة من مكونات المجتمع العربي، والنسبة آخذة في الاتساع يوما عقب يوم، فتتعاظم الشكوى وتتنامى حالة المقارنة بين واقع تجاربنا ومآلاتها، وواقع تجارب شعوب العالم، بعض هذه الشعوب يعتبر من أبناء المنطقة ويواجه التحديات والظروف الحرجة ذاتها، غير أنها في حركة صاعدة مستمرة، النجاحات ومظاهر والنمو دائما في تعاظم، وهذا واقع فرض مكانة محترمة لهذه الدول وشعوبها بين الأمم. عندما يعقد العقل العربي هذه المقارنة، باعتبارها مؤشرًا ومعيارًا لحقيقة موقعه وجوده وموقعه في هذا العالم، عندئذ تثور في النفس أسئلة مثل: لماذا هم ولسنا نحن؟  لماذا كتب علينا الموت دون سوانا من شعوب العالم؟ لماذا ترتبط أجيالنا المتعاقبة بنكبة أو نكسة أو هزيمة أو تهجير؟  لماذا بلغ بنا الحظ العاثر إلى هذا الدرك من الحضور الإنساني، ليس بالمقارنة مع مجتمعات العالم الصناعي المتقدم، وإنما مع المجتمعات المحيطة بنا؟ وغالبا ما تكون المقارنة محصورة بالنموذجين التركي والإيراني، ولكل نموذج أنصاره والمتحمسون لمعايشته ومجاراته، باعتباره النموذج والمثل.

اللافت أن نقاط الاختلاف بين النموذجين:التركي والإيراني، عديدة ومتنوعة، وبالمقابل هناك  عدد لا بأس به من نقاط الالتقاء والتشابه، إلا أن مشتركا واحدًا يتقدم في تأثيره وفاعليته سائر نقاط التشابه، وحتى نقاط الاختلاف، ليغدو ما عدا هذا المشترك ثانويا وهامشيا في حسابات وتفاصيل لعبة الأمم؛ إنه الخاص بامتلاك هاتين الدولتين دون سواهما من دول المنطقة  المعنى الحقيقي لمفهوم “القوة”، هذا الامتلاك أو الحيازة هيّأ هاتين الدولتين وأهّلهما لولوج غمار الحروب الدبلوماسية ابتداء كأنداد لا يستهان بهما، ويُحسب لهما ألف حساب في عالم الأقوياء. الجميع ينظر إليهما بتقدير ويعاملهما باحترام، وعلة هذا الاحترام ومصدره الندية في حيازة القوة، واستقلالية الإرادة السياسية، وهما عنصران  تفتقدهما غالبية دول الجوار العربي، وعليه فلا ينظر إلى هذه الكثرة من الدول بوافر من الاحترام في عالم الأقوياء.

ظاهرة إعادة تفكيك وتركيب المنطقة العربية، وتأهيلها مجددا بما يتوافق مع المتغيرات الدولية، وهي الحالة التي نشهد تطبيقاتها الميدانية عيانا في هذه الأيام وفي أكثر من مكان، تعتبر مؤشرا دامغا لواقع باتت فيه الساحة العربية ملعبا لقوى إقليمية ودولية تفرّغ من خلالها إرادتها وطموحاتها السياسية. هي حالة ليست طارئة على المنطقة عموما التي ألفت وتكيفت مع هذا الواقع الأليم لفترات يمكن إرجاع بداياتها لأكثر من سبعة قرون متعاقبة، ليتولد عن هذه الحالة الشاذة ما يمكن تسميته بـ “فراغ القوة”، واستتبعت هذه الظاهرة بالضرورة جملة من النتائج الحتمية مثل هذا الغياب العميق   لمفهوم الهوية السياسية، وأحيانا الثقافية، ما عدا استثناءات قليلة لتجارب استطاعت أن تشكل هويتها الخاصة بها بمنأى عن حالة ذوبان المنطقة ضمن بوتقة وافدة. وتبقى مسألة العجز العسكري هي الترجمة الدقيقة والتجسيد العملي للواقع التاريخي/الحديث لمفهوم “فراغ القوة”.

قبل نحو مائة عام من الآن، وتحديدا في عام 1918، افتتح العرب أولى تجاربهم في تأسيس دولة قومية وفقا للاشتراطات المعاصرة، ” المملكة السورية الكبرى” ولم يكد يمضي عامان على إعلان هذه الدولة حتى ألحق الفرنسيون بجيشها هزيمة مؤلمة وقاسية في معركة ميسلون. وبالواقع فإن  نتيجة المعركة كانت قد حسمت سلفا لصالح الجيش الفرنسي الغازي، والسبب الحقيقي ليس ناجما عن تفوق الفرنسيين على العرب، وهو جانب مهم في المعادلة، إلا أن عنصر الحسم جاء نتيجة خذلان زعيم الدولة الناشئة، الملك فيصل بن الحسين، والسياسيين من حوله، وحالة التثبيط التي مارستها هذه الطبقة في عزائم الجيش والناس المتحمسين للدفاع عن أوطانهم، وتحفيزهم على قبول الانتداب الإمبريالي والاستسلام للقوة الغازية. هذا عدا أن الملك والسياسيين طوال فترة حكم ما يعرف بـ “الدولة الفيصلية” لم يبذلوا أي جهد في الارتقاء بإعداد الجيش وتأهيله على نحو معقول وضمن المستطاع ولو بالحد الأدنى، وبقيت مسألة القوة العسكرية آخر اهتمامات الدولة الناشئة. كان اهتمام الملك ومن حوله من السياسيين وما يعرف بالضباط والسياسيين “الشريفيين”، باعتبارهم طبقة مرتبطة ولصيقة بالأشراف وليسوا منهم، بقي هذا الاهتمام مقتصرا على ضمان استمرار حكمهم وبقائهم في السلطة وتوريث مناصبهم لأبنائهم، والتعامل لاحقا مع الفرنسيين وفقا لهذه الاشتراطات والحسابات العائلية الضيقة، لم تكن لمفاهيم مثل “الأمة” أو “الشعب” أو حتى “الدولة” أي اعتبار أو وزن، ليس ذلك فحسب بل كان من جملة بنود الاستسلام التي وافق عليها الملك فيصل بن الحسين، مادة تنص على معاقبة من يتورط من الثوار في عمليات “عدائية” ضد الفرنسيين.

بموازاة هذا الخذلان للأمة، وبداية تغلغل مفهوم الاستحواذ على الدولة المعاصرة باعتبارها إقطاعية توارثية، والرهان فقط على القوى الخارجية كضمان للاستمرارية في الحكم، هذه الاستمرارية التي غدت مع تعاقب التجربة وتوالي الأيام هي المصدر الأهم من مصادر اكتساب الشرعية السياسية؛ بموازاة ذلك كله، يبرز في الفترة التاريخية نفسها، وفي الإقليم الجغرافي نفسه،  وفي ظل المعطيات السياسية الدولية نفسها، نموذجٌ نقيض ومغاير تماما لتجربة “المملكة السورية”، وجيشها الضعيف المتهالك في مقاومة الاحتلال، إنه النموذج التركي الذي استطاع، قائد الحركة الوطنية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، أن يصوغه ببراعة وإخلاص لا نجد شبيها لهما في كافة التجارب العربية الحديثة أو المعاصرة، رغم محاولات عدد من القادة العسكريين أو الساسة الاقتداء أو استلهام بعض معالم هذه التجربة الفريدة. كانت أولى هذه المحاولات أول انقلاب في سلسلة الانقلابات العسكرية في العالم العربي، الذي قاده العسكري والسياسي العراقي بكر صدقي عام 1937.

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، لم تكن أطماع قوى الإمبريالية العالمية المنتصرة تقتصر على اقتسام أراضي الإمبراطورية العثمانية فيما بينها، وإنما كانت هذه الأطماع من الاتساع بحيث شملت أرض الأناضول، تركيا الحديثة، للاقتسام والتفتيت على النحو الذي جرى من خلاله تقسيم المشرق العربي وفقا لتفاهمات سايكس- بيكو. كان لليونان أحلام كبيرة في ضم مساحات واسعة من تركيا الحديثة إلى أراضيها، كذلك تلقى الأرمن مساعدة دولية ووعودًا أكيدة  باجتزاء أقاليم واسعة غربي تركيا لصالح إقامة كيان مستقل لهم، وكذا الحال بالنسبة للأكراد، وكانت بريطانيا وفرنسا تدعم هذه القوى الإقليمية بصورة مباشرة وتعينها بالأبعاد السياسية واللوجستية لتحقيق أهدافها. وكما كان للمشرق العربي تفاهمات واتفاقيات خاصة به، كان لأرض الأناضول مخططات موازية أقرتها معاهدة تعرف بـ “سيفر”.

وإذا كانت القيادات العربية آنذاك تفاعلت وتعاملت مع سايكس- بيكو باعتبارها صفقة القرن العشرين، واستجابت سرًا لكافة تفاصيلها، وهو ما تكشفه الوثائق البريطانية الخاصة بتلك الفترة، فقد رفض أتاتورك ومن ورائه كل الأتراك الاعتراف بمعاهدة سيفر- التي جاءت كذلك ضمن حزمة صفقة القرن الماضي- وقاد شعبه بكافة أطيافه وطبقاته واتجاهاته، وحتى أعماره فلم يتخلف إلا العاجز والمريض، وانخرط الجميع وراء الجيش التركي الذي خرج لتوه مهزوما من الحرب العالمية الأولى، ليسجل الشعب التركي بمجموعه أروع مشاهد التضحية والفداء في سبيل وحدة أراضيه وطرد القوى اليونانية الغازية، ومن ورائها الجيش الفرنسي والميليشيات الأرمنية والكردية، وعون لا يكاد ينقطع من الجيش البريطاني، واضطر الحلفاء في النهاية إلى  إلغاء معاهدة سيفر والتفاوض في لوزان على بنود معاهدة جديدة، ضمنت سيادة واستقلال تركيا الحديثة. وإلى  يومنا هذا، وفي الثلاثين من أغسطس كل عام يحتفل الأتراك بـ “عيد النصر ويوم القوات المسلحة”.

” عيد النصر ويوم القوات المسلحة” مناسبة ملهمة واحتفالية مجيدة لنصر حقيقي افتتح بها الأتراك عهد دولتهم المعاصرة، فرحة لم تنعم الشعوب العربية بعذوبة ونشوة مذاقها، على هذا النحو وبهذا المستوى. الذي حصل مع هذه المجتمعات العربية أنها غدت فائقة الخبرة بتذوق طعم الهزائم بنكهاتها كافة. تذوقنا مرارتها عندما فشلت جيوش ست دول عربية في مواجهة “الميليشيات” الصهيونية المسلحة عام 1948، وأفضى هذا الفشل إلى قيام “دولة إسرائيل”، وتخفيفا لوقع الهزيمة، أطلقنا على هذه الحرب اسم “النكبة”. أعقبتها هزيمة عام 1956 أو ما يعرف بحرب السويس، لتأتي من بعدها ثالثة الأثافي، وكبرى هزائمنا في عام 1967، ملحمة عسكرية استمرت ستة أيام، انتهت باحتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا، وللتخفيف من وقع الهزيمة أسمتها الدول المهزومة “نكسة”. وفي عام 1973 لم تكتمل الفرحة بالانتصار الذي أحرزه الجيش السوري والمصري في بداية حرب تشرين/رمضان، إذ تمكن الجيش الإسرائيلي من إعادة صفوفه، وأوقف زحف القوات العربية واستعاد الأراضي المحررة وفرض حصارًا على قطاعات عسكرية كبيرة، لتنقلب موازين الحرب رأسا على عقب. وبعد تحييد مصر إثر توقيع معاهدة كامب ديفيد، غدت المنطقة ساحة حرب مفتوحة للجيش الإسرائيلي، الذي تزعّم الموقف وتسيّده بغيبة كاملة لمنافسين أو رادعين: عام 1978 غزا جنوب لبنان، عام 1981 ضرب المفاعل النووي العراقي، عام 1982 غزا لبنان ودخل الأجزاء الشرقية للعاصمة بيروت.

ومنذ التسعينيات بدأت الجيوش العربية تفقد بوصلتها وهدفها الذي بقيت الدول تردده على مدى نصف قرن على الأقل، باعتبار أن وجهة هذه الجيوش هي تحرير الأرض العربية المغتصبة “فلسطين” من “العدو الصهيوني الغاشم”، وعلى نحو تدريجي أخذت البوصلة بتحديد أهداف مختلفة، ابتدأتها شرقا :إيران، ثم شمالا: الكويت، ثم تعددت الاتجاهات التي كان آخرها جنوبا: اليمن، ولينفجر دفق الدم العربي/المسلم، على يد أبناء الجلدة والدين، وأُنفقت ثروات على التسلح يفوق في السنوات العشر الماضية، مجموع ما أنفقته دول المنطقة مجتمعة على التعليم والصحة منذ نشأتها المعاصرة إلى الآن.

المنطقة العربية مع وفرة جيوشها الوطنية، ما زالت أكبر سماتها، أنها منطقة تعاني من “فراغ القوة”، وغيبة الهوية ومادة تجاذب وصراع محتدم بين القوى الإقليمية والدولية، منطقة غير معترف بها كشريك محترم لا لشيء إلا لأنها لا تملك الى الآن بنية عسكرية احترافية على نحو متفوق، وتخلت عن دورها في حماية الأمة والدفاع عن الأوطان في ساحات المعارك، ولتعود هذه الجيوش إلى سيرتها الأولى، قبل مائة عام من الآن، عندما أشرفت القوى الاستعمارية على إنشائها وتنظيمها، وحددت لها أهداف تشكيلها الحقيقية ممثلة بـ : حفظ الأمن داخليا، وحماية مصالح القوى العالمية في المنطقة والنخب الحاكمة بالوكالة، وأية مهام قتالية محلية أو خارجية تنسجم مع هذا الهدف الرئيس.

0 331 29 يوليو, 2018 السابع والتسعون, سياسة يوليو 29, 2018