ما هُم فيه

لـ

-1-

ما أشد غبطة المتكاسل عن التفكير لدى ظفره بحجة تبدو في مبتدأ أمرها عصية على النقض، وما أشد وثوقيته إن عَضَّدَت تلك الحجة أوهامٌ يحسبها آراء سليمة تجد ينبوعها الأول في عقيدة يؤمن بها قصيّةً عن السؤال، وما أبشعه وأتفهه وهو يحسب أنه منتصر لدى نكوص المخالفين الضعفاء الواجدين أنفسهم دون حول عن مجابهته، فلا هم تنازلوا عن موقفهم ولا هم استطاعوا إبطال موقفه، ولكنهم التفوا حول أنفسهم بحجج لا تفعل شيئًا سوى تضييع موضع المحاججة والغاية منها، والابتعاد عن لبّ المسألة إلى ما هو دون ذلك بكثير، بحيث لا يبقى بين أيدينا بعد ذلك إلا قضية باهتةً لا يبين فيها غير عجرفة المنتصر الواهم.

-2-

إن من بني البشر من يصطاد الحيوانات باسم المتعة واللهو ويحشرها في أقفاص بائسة كئيبة، هي كذلك من حيث إنها أقفاص، وباسم المتعة واللهو يصطاد الإنسان الحيوانات فيرديها قتيلة، وقد يأكل لحمها أو لا يأكله بعد ذلك، ولا فرق، وإن من بني البشر من هو صادق في إنسانيته من حيث إنها قيم صادقة أصيلة لا تقبل النقص ولا التزييف، فيطلق على كل شيء اسمه بمقتضى فطرته السليمة وحسه الإنساني الأصيل، فلا يرى في حدائق الحيوان إلا معتقلات بلهاء تحدّث عن فجور الإنسان، ولا يرى في رحلات صيده بغرض اللهو والمتعة والانتشاء إلا صرخة تنطق بتوحشه وتشوهه، وإن منا من هم أضعف طريقةً، فيرون في حدائق الحيوان قطعة لابد من اكتمال مدن الإنسان وحواضره بها، ولا فجاجة في ذلك، إلا أن صيد الحيوان للهو والمتعة بشاعة لارتباطه بمجرد اللهو والمتعة، أما الصنف الأخير فهم أؤلئك الذين لا يرون منقصة لا في حدائق الحيوان ولا في قتلها لأجل المتعة واللهو، و”إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

-3-

لما تداول الناس في عمان المقاطع المصورة لصيد الزرافة؛ لاقت المسألة نصيبًا جيدًا من النقاشات العامة، وما كان ذلك إلا لأن الأشخاص في المقطع كانوا عمانيين، فهب أن من في المقطع كانوا من أي بقعة من بقاع الكون، لما لاقت ما لاقت من اهتمام، وفي هذا شق طبيعي وآخر غير ذلك، أما الطبيعي فهو أن الإنسان مجبول على الاهتمام بالأشياء القريبة منه التي يتقاطع وتتقاطع معه، في حين أن غير الطبيعي هو أن يكون مصدر الثقل والأهمية في الموضوع يكمن أساسًا في أن من قام بقتل الحيوانات بغرض اللهو والمتعة هم عمانيون. إن هذا الأمر يشوه “صورة العماني”، وهذا يلقي بنا في خطاب كامل متكامل له رموزه ورمزياته وأدبياته، وهذا الخطاب في أبسط حالاته يجد مطيته في مقولة “الخصوصية”، أما في أتعس حالاته فنجده في مقولة “مركز الكون”، وإن تحزن فيحزنك أن هذا الخطاب ينخر السواد الأعظم من العوام بصورة واعية ولاواعية، ولا يهم إن نَطَقَ به الشخص صراحةً أو لا، فأنت تجده شاخصًا في أبسط الظواهر وردود الفعل حيال أبسط المواقف، وهو ينخر أيضاً إعلاميين ومثقفين و”برلمانيين” ودعاة، وما ذلك إلا لأن الألقاب عندنا هي مجرد ألقاب، فمن الفرعي حتى المحرمي وصولاً إلى الأغبري ويليه السابعي وغير أولئك كثير. ومقولة الخصوصية وصورة العماني المندرجة تحت هذا الخطاب تسوّق على أنها ميزة، وهي في كنهها عكس ذلك، إن هذا الهوس في الانشغال بصورة الذات أمام الآخر وخصوصيتها هو في حقيقته انشغال بالآخر ونسيان للذات، وليست المحصلة الأخيرة إلا ذات مهزوزة، هشة، وضعيفة، وذلك من حيث إن محاولة الحفاظ على هذه الصورة الجمعية المتخيلة تفترض بالضرورة تهميش صورة الذات الفردية؛ فالذات الفردية ما هي إلا جزء من جماعة أكبر لها محددات مفترضة سلفاً، وإن الأفعال الفردية –السلبية منها على وجه الخصوص- تتحول بصورة تلقائية إلى فعل الجماعة.  فهذا هو المحرمي يقول في تغريدة له على تويتر: “تتداول صور لمجموعة من الأشخاص في أحدها كانوا مرتدين الزي العماني وفي أخرى متحلقين حول زرافة مقتولة وغزلان برية؛ إن التعدي على كائنات معرضة للانقراض يعد تشويهًا لصورة العماني الذي أجمع على سلميته البشر والحيوان والشجر“!، صحيح أنه يفهم من التغريدة أنها تعارض “فعل قتل الزرافة” إلا أنه من الواضح أيضاً أن الاكتراث والانشغال الأكبر هو بـ”صورة العماني”، حسنًا ومن العماني؟ هو ذاك “الذي أجمع على سلميته البشر والحيوان والشجر”! ، أما أنت أيها العماني فلك أن تعجب وتكبر الله على هذا التعريف، ولك بعدها أن تحزن لأن الحيوانات فضّت هذا الإجماع بعد قتلـ(ـكم) للزرافة والغزال!.

-4-

عندما طرح موضوع قتل الزرافة وبقية الحيوانات الأخرى تم تداوله على أنه أمر سلبي ومستنكر، وردة الفعل الأولية هذه هي فطرية في جوهرها، فالقتل ممجوج ومرفوض من حيث المبدأ؛ ناهيك أن يكون السبب وراء هذا القتل هو مجرد اللهو والمتعة، واستمر ذلك إلى أن ظهر من يحاجج بالضد، وأن هذا الأمر طبيعي وأخلاقي ومشروع، ولا أظن أني أحتاج إلى التأكيد بأن هذه الحجج طرحت في أسخف قوالب ممكنة، وإني إذ أطلق عليها لقب “حجة” فإني أحسن إلى أصحابها أيّما إحسان؛ ذلك أن مدخلهم في طرح وجهة نظرهم كان من الزاوية ذاتها التي يتخوف منها الفحول/الرجال العرب، وهي أن يتم وصمهم برقة القلب وأن مشاعرهم لا تتحمل مناظر الدماء  و…ألخ، ولك أن تضع من ما قبل كلمة “ألخ” ما شئت من الأوصاف التي تعرفها أنت وأعرفها أنا؛ ولكني لا أستطيع ذكرها في هذا المقال، وأمام هذا الاتهام “المخيف”، رد أحد المدافعين عن البيئة بأن العلة ليست هذه، وإنما تصويرهم للمقاطع ونشرها هو العلة، ذلك أن عمان تعاني من الكثيرين ممن لا يكترثون بالبيئة وبالحيوانات البرية وأن نشر هذه المقاطع سيكون بمثابة “تشجيع” لهذه الفئة! وهذا التبرير الضعيف هو الالتفاف ذاته على النفس وتضييع القضية التي أشرت إليها في مقدمة المقالة. وحجة أخرى هي كيف يختلف هذا الفعل عن الحيوانات التي يقتلها الإنسان يوميًا كيما يطهوها للطعام، خذ الدجاج مثلا، إذ تشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك العالمي اليومي تجاوز 267 مليون كيلوغرام أي ما يعادل قرابة 55 مليون دجاجة يومياً *. ثم قال قائل منهم بأن هذا الأمر طبيعي، ولكن حساسية الناس تتناسب طرديًا مع حجم الحيوان المقتول، فلئن قتلت فيلاً قامت عليك الناس، ولئن قتلت نملة ما رف للناس جفن. وأخيرًا، قال بعض المدافعين: وما المشكلة إن كانت الدولة تسمح بهذا النشاط (=القتل لمجرد اللهو والمتعة) وإن تم تحصيل التراخيص المتطلبه لممارسته؟

-5-

إن أكثر الفروقات الجوهرية بين القاعدة الأخلاقية والقاعدة القانونية هو عنصر الإلزام الذي تشرف على تطبقيه سلطة عامة (=الدولة)، ففي ظل وجود عنصر الإلزام سنكون أمام قاعدة قانونية، وقد تلاقي القواعد القانونية أصلها في القواعد الأخلالقية وقد لا تلاقي، فما هو قانوني ليس بالضرورة أخلاقي، وما هو أخلاقي لا يكون بالضرورة قانونيًا، إن هذه التفرقة تفيدنا كثيرًا في طرح الحجة القائلة بأن هذا القتل هو قتل قانوني ومرخص له، فهذا الترخيص لا يعني بالضرورة أن الفعل أخلاقي. إننا إذ نبحث هذه المسألة يجب أن ينظر لها كما هي، بحيث تسمى باسمها، فطبيعة الفعل هي القتل، والقتل لذات القتل مخالف للفطرة، وهذه القاعدة العامة، وينفذ من القاعدة العامة القتل لسد الحاجة من الطعام، ويكون المبدأ الأكبر والأهم الذي يقف فوق هذه المسألة لا سيما إذا نظرنا إليها داخل السياق التداولي الإسلامي هو مبدأ القصد (=الاعتدال)، فللإنسان أن يأكل لحم الحيوان ليسد حاجته من الطعام، ويطبق المبدأ في هذا الحالة على الآلية القتل/الذبح، وكمية القتل/الذبح، ونوعية المقتول/المذبوح، بذلك يشكل المبدأ بوصلة تتجه دومًا صوب الغاية الدقيقة من الذبح/القتل، فالقتل هو استثناء على القاعدة العامة، وبذلك يجب أن يقدر الاستثناء بقدره ولا يتوسع فيه وإلا أصبح هو القاعدة العامة، ومواصلة لذات الفهم، يكون القتل لغرض المتعة والتسلية مفارقًا للقاعدة العامة وخرقًا بشعاً لها. ولا يمكن المحاججة بأن الصيد (=القتل لأجل المتعة) هو لأكل لحم الزرافة، ومن ثم تبدأ في سرد مميزات هذا اللحم؛ ذلك أننا حتى لو آمنا جدلاً بأن قتلك للحيوانات كان ابتغاء لحومها، يبقى السؤال: هل يتوافق هذا الفعل مع مبدأ القصد (طريقة القتل/كمية المقتول/نوعية المقتول)؟!

أما من قال بمسألة حجم الحيوان المقتول وتناسبه طرديًا مع ردة الفعل الناس، فإن هذا الأمر قد يصدق عند بعض الناس، وقد يكون طبيعيًا للوهلة الأولى، ذلك أنه كلما زاد الحيز من الفراغ الذي يشغله الحيوان زاد تقاطع الإنسان مع هذا الحيوان، إلا أن هذا يتوافق مع حسابات المادة، ولكن حسابات الفطرة مختلفة تماما، ومثال ذلك أن يدخل شخص مزرعة دجاج وآخر مزرعة خيول، وفي يد كل منهما مسدس، الأول ينوي مطاردة الدجاج وإطلاق النار على رؤوسها كيما يتسلى، والآخر يطارد الخيول ويطلق على رؤوسها النار كيما يتسلى كذلك، من المؤكد أن الناس للوهلة الأولى ستستفضع مثال مزرعة الخيول، ولكننا لو طلبنا من أحدهم أن يشاهد إطلاق النار على الدجاج، والدخول إلى مزرعة الدجاج المقتول، ماذا سيكون شعوره؟! حسنا ذلك الشعور الصادق يخبرنا عن كل شيء.

-6-

أقول ما قلت وأعلم بأن الحجج كانت حججًا لأن فيها أخذا وردا، وردًا وأخذًا، وردًا على الرد، ولكن ما يعنيني بصدق هو أني واجد في قلبي بغضًا أصيلاً لا يحتاج إلى تبريرات العقل لجشع بني البشر وبشاعتهم ونهمهم، الذي يسوغ لهم قتل الحيوانات لأجل المتعة والتسلية فقط (=الصيد).

 

*

http://www.thepoultrysite.com/articles/3324/global-poultry-trends-2014-growth-in-chicken-consumption-in-americas-slows/

 

0 368 31 يوليو, 2018 السابع والتسعون, ثقافة وفكر يوليو 31, 2018