تاريخ العبودية بين الحقيقة والتفنيد

لـ

 

إن الحديث عن العبودية يتطلب نوعًا من الحياد في البحث عن مسبباتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وعدم الخوض في الجدل العقيم الذي يرغب بعض الكتاب الذين يدخلون غمار القضية وهم متسلحون بأيديولوجية معينة وبأفكار سابقة حول الأديان السماوية وحول رجال الدين الذين يدافعون من جهتهم عنها ويرفضون أية إهانة لها ولمقدساتها أو تقليل من قيمتها. وهذا ما يستدعي منا التأني قبل الخوض في ذلك؛ لأن القضية ليست قضية عادية ولا هي بالقضايا البسيطة في التحليل أو في البحث فيها. ومن هنا، نُعلم القارئ الكريم أننا سنحاول في هذه المقالة أن نتطرق إلى أهم المحطات التاريخية التي عرفتها العبودية منذ ظهورها بين البشر، وذلك من خلال استحضار أهم هذه المحطات، وكذلك بعض المظاهر التي عرفتها عند بعض الأقوام البشرية منذ العراق القديم إلى العصر الحديث. ولا يفوتنا أن نؤكد على أهمية الحديث عن بعض الأسباب التي تجعل الإنسان يقبل على نفسه الاستعباد وينخرط فيه، وذلك من خلال اعتمادنا على ما جاء به إتيين دي لابواسييه بالخصوص.

 

تاريخ العبودية قبل الإسلام وبعده

انتشرت العبودية قبل الإسلام بين الأمم المتوحشة والشعوب الهمجية التي كانت بعيدة عن الحضارة، فلم يسلم مجتمع آنذاك من وجودها وانتشارها بين الناس، فكان القوي يستغل الضعيف ويستعبده، والغني يمتلك الفقير ويشغله عنده ويدفعه إلى العمل الصعب والمضني الذي لا يقدر عليه، فيعاقبه على التقصير أو الفشل فيه. أما بعد ذلك، فقد كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاجتماعي والديني بداية العهد الإسلامي وما بعده من التاريخ الإسلامي الذي تعامل مع العبودية بشيء من التحفظ، فكان الإنسان يُباع ويشترى دون رقيب أو حسيب؛ بل كانت العبودية سوقًا رائجة يستغلها التجار الذين يمارسون هذه التجارة نظرًا لما تدره من أرباح على أصحابها؛ إذ يعتقد بعض المفكرين والكتاب العلمانيين والحداثيين أن الإسلام لم يحرم العبودية أو الرق، حتى لو كان هذا العبد مسلمًا من المسلمين، إذ توجد هناك نصوص تذكر ملْك اليمين وتعتبره من الذين يجب الإنفاق عليهم والتعامل معهم في إطار وضعهم الاجتماعي.

يعتقد الكاتب حمدي شفيق أن تاريخ العبودية لم يبدأ مع مجيء الإسلام؛ وإنما كان انتشارها في المجتمعات السابقة عليه يعمُّ الآفاق وينتشر كالنار في الهشيم، حيث كان الرق سبيلاً لممارسة الحياة، ووسيلة ناجعة لتحقيق الرفاهية والسلطة والتحكم في الناس، يقول الكاتب في ذلك: “لم يكن الإسلام مسؤولاً عن ابتداع الرق. هكذا تثبت حقائق التاريخ التي دوَّنَها المؤرخون من غير المسلمين… فالتاريخ المعروف للبشرية يشير إلى أن الرق ظاهرة عريقة في القدم، تاريخها هو ذاته تاريخ الاستغلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. وقد نشأت ظاهرة الاستعباد منذ عشرات الألوف من السنين، وتحديدًا في فترة التحول من الصيد إلى الاعتماد على الزراعة المنَظّمة كوسيلة لاكتساب الرزق… يقول المؤرخ الكبير “ويليام جيمس ديورانت  William James Durant” في موسوعته الشهيرة “قصة الحضارة”: بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنيِّة إنشاءً فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفًا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص؛ لأن زوجة الصائد وأبناءه كانوا يقومون بالأعمال الدنيئة، وكانت فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال، يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدعة بعد الإجهاد والعناء. ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ– فيما نظن– من هذه العادة. عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد، ولو أنها لم تكن عندئذ كسلاً بمقدار ما كانت راحة واستجمامًا؛ فلكي تحوِّل هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد، لابد لك من شيئين: العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم، وتنظيم العمل”[1] .

ومع أن العديد من الكتاب والباحثين المسلمين الذين يدافعون عن الإسلام، حين يعتبرون أن مسألة العبودية أو الرق لم يحرمها الدين الإسلامي بالمطلق، ولم يبتكرها بل كانت قبل مجيئه، وإذا ما اتفقنا مع هذا الطرح؛ فإن القضية تتعلق هنا بعدم فهم هؤلاء لحقيقة الدين وما أتى به في هذه القضية، باعتبار أن الإسلام لم يحرمه وإنما قننه بقوانين وبنصوص قرآنية صريحة… وفي ذلك يأتي في إحدى الفتاوى المنشورة في موقع “إسلام ويب” رداًّ على سؤال حول الموضوع: “فمسألة الرق من المسائل التي يفرح بها المرجفون، ودائماً ما يثيرونها على أنها سبة في وجه الإسلام، وقد كذبوا في ذلك، فالإسلام لم يبتكر مسألة الرقيق، وإنما كانت أمرًا قائمًا في العالم، فجاء الإسلام بتنظيمها، وحصر أسبابها في سبب واحد فقط، وهو الأسْر من الأعداء المحاربين، ووسع طرق التخلص منها، فرغب في إعتاق الرّقاب ابتداء، وجعل تحرير الرقاب كفارة ملزمة للقتل الخطأ، والجماع في نهار رمضان، والظهار، واختيارية لكفارة اليمين، فضيقت أحكام الشريعة مصدر الرق، ووسعت مصارفه ووسائل التخلص منه، وحفظت الشريعة حقوق الرقيق التي كانت مهدرة قبل الإسلام، ومشكلة الغرب أنه عندما حارب الرق ظن أن الرق في الإسلام كالرق عنده، والفرق بينهما شاسع”[2]. لقد أخطأ من اعتقد أن الإسلام حافظ على الرق وقننه بنصوص محددة، بل الحقيقة، كما يعتقد الكثيرون من المفكرين الإسلاميين، هي أنه جاء ليقضي عليه نهائيًا، ويرفع الحرج عن الذين يبيحون لأنفسهم التعامل به، ودليلنا على ذلك هو نهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي وضع على عاتقه مسؤولية تحرير العبيد وإدخالهم إلى الدين والخروج من ورطتهم الاجتماعية الوضيعة. وكل ما يقال عن الإسلام بأنه لم يحارب الرق والعبودية هو كلام عارٍ من الصحة، وبعيد كل البعد عن الحقيقة، وللإنصاف ينبغي علينا أن نضع النقط على الحروف ونبتعد عن كل ما هو إيديولوجي ونتحرى الدقة في الكلام والكتابة والبحث عن الحقائق والمعلومات حتى لا يشيع الظلم والزور.

دخلت العبودية والرق تاريخ البشرية مع بداية الحضارة. فالصيادون والمزارعون البدائيون كانوا لا يحتاجون إلى العبيد أو يستفيدون منهم فقط، بل إنهم كانوا يقومون بجمع أو زراعة ما يكفيهم من الغذاء لأنفسهم. وبالتالي فإن زوجاً آخر من الأيدي يعني وجود فم إضافي بحاجة إلى إطعامه، ولا أحد في ذلك الوقت كان مستعدًا لذلك، فلا توجد ميزة اقتصادية في امتلاك إنسانٍ آخر: لقد كان الاعتماد الكبير على العبيد في القديم منذ العراق القديم مع السومريين والبابليين الذين كانوا يعتمدون على العبيد في أغلب الأحيان وفي حياتهم كلها تقريبًا، حيث “كانت الجواري ملكًا خالصًا لمن يبتاعهن، وعليهن أن يمهدن له فراشه ويطبخن له طعامه، وكان المعروف أنه سيستولدهن عدداً كبيراً من الأبناء. وكان العبد وكل ما ملكت يداه ملكًا لسيده: من حقه أن يبيعه أو يرهنه وفاء لدين، ومن حقه أن يقتله إذا ظن أن موته أعود عليه بالفائدة من حياته. وإذا أبق العبد فإن القانون لا يبيح لأحد أن يحميه، وكانت هناك جائزة لمن يقبض عليه. وكان من حق الدولة أن تجنده كما تجند الفلاح الحرّ للخدمة العسكرية، أو تسخّره للقيام ببعض الأعمال العامة كشق الطرق، وحفر القنوات. وكان أكثر العبيد يقنعون من حياتهم بكثرة إنجاب الأبناء، حتى صاروا أكثر عددًا من الأحرار. فكانت طبقة الأرقام الكبيرة تتحرك كأنها نهر تحتي جيَّاش يجرى تحت قواعد الدولة البابلية”[3]. أما في اليونان القديمة التي كانت تعيش على الحروب والصراعات فقد كانت حياتهم مرتبطة بالعبيد وخاصة في المدن والحواضر، أما في القرى والبوادي فقد كان عدد العبيد قليل جدًّا رغم كثرة الرقيق من النساء الخادمات في البيوت. ولم يكن الأهالي والسكان في شمال بلاد اليونان وفي معظم جزيرة البيلوبونيز Péloponnèse  في حاجة إلى العبيد لاستغنائهم عنهم برقيق الأرض. وكان العبيد في كورنثا، ومجارا، وأثينا يؤدون معظم الأعمال اليدوية الشاقة، بالإضافة إلى الجواري اللواتي كنَّ يقمن بمعظم الأعمال المنزلية الشاقة والصعبة، ولكن العبيد كانوا فوق ذلك يقومون بجزء كبير من الأعمال الكتابية وبمعظم الأعمال التنفيذية في الصناعة والتجارة والشؤون المالية. ولم يكن هناك عبيد مثقفون أو علماء أو غير ذلك كما في العصر الهلنستي وفي روما. وقلما كان يسمح للعبد بأن يكون له إناء من أجل الشراب؛ لأن شراء العبد كان أرخص من تربيته، وكان العبد إذا أساء الأدب ضُرب بالسوط وعذِّب، وإذا طلب للشهادة عُذّب، وإذا ضربه حرّ لم يكن له أن يدافع عن نفسه، لكنه إذا تعرض للقسوة الشديدة كان له فقط أن يهرب إلى أحد الهياكل[4].

وفي الإمبراطورية الرومانية التي تميزت بالوحشية والانتشار السريع من خلال الغزو والحروب المدمرة لباقي البلدان والشعوب، يرى حمدي شفيق أن القانون الروماني آنذاك كان ينظر إلى الرقيق كأنه لا شيء، ليست له أسرة، ولا شخصية، ولا يملك شيئًا يمكنه أن يعتمد عليه حقيقة لمواجهة الحياة. والعبد إن كان يملك شيئاً ولو قليلاً جدَّا، فما ملكت يداه لسيده ومالكه. “ويتبع الرقيق أمه حين الوضع، فإذا كانت حرّة كان حرًا، وإذا كانت رقيقة كان رقيقًا. وكان لمالك الرقيق الحرية المطلقة في التصرف في عبده كما يتصرف في الحيوانات التي يملكها. فإذا أخطأ العبد عاقبه سيده بأية وسيلة شيطانية تخطر له على بال. فكان يقيده بالسلاسل ويكلفه مثلاً بحرث الأرض وهو مكبّل بالحديد، أو يجلده بالسياط حتى الموت، أو يعلقه من يديه في مكان مرتفع عن الأرض وهو يربط أثقالاً برجليه حتى تتفسخ أعضاء جسمه. أو يحكم عليه بمصارعة وحوش كاسرة– كالأسود والنمور– يتم حبسها وتجويعها أيامًا طوالا كي تكون أشد افتراسًا وفتكًا بالعبيد البائسين الذين قُدّر عليهم أن يلقوا حتفهم بهذا الأسلوب الذى يقشعر له بدن الشيطان…”[5]. بل إنه حتى في أوروبا في العصور الوسطى التي تغاضت فيها الكنيسة عن العبودية والرق ولم تعارضه علنيًا أو تجرمه، بل أقرّته كما أقرّته اليهودية من قبل، فلا يوجد في الأناجيل الموجودة أي نص يحرمه أو يجرمه، بل إن المسيحية لم تعترض عليه سواء من الناحية الاجتماعية أم من الناحية الاقتصادية، فهناك بعض النصوص التاريخية المسيحية التي تطالب العبيد بطاعة أسيادهم وتقبل قراراتهم مثلهم كمثل عبيد المسيح واعتبار وضعهم كأي ابتلاء إلهي ومشيئته التي لا يمكن الاعتراض عليها أو ردها.

بل إن ما يمكن التأكيد عليه هو تلك الحاجة الملحة للعبيد في بداية العصر الحديث مع البرتغاليين والإسبانيين بالخصوص الذين تعاطوا لتجارة الرقيق في المحيط الأطلسي لاستغلالهم في العمل لإنتاج السكر والقطن والتبغ، وخاصة مع أكبر عملية استيراد للعبيد من إفريقيا وتهجيرهم إلى القارة الجديدة (القارة الأمريكية).

وبشيء من الدقة، يمكننا القول إن العبودية بالمفهوم القديم قد انتفت وغدت من الماضي، لكنها برزت في عصرنا الحديث بمفهوم جديد وبطرق أكثر وحشية وبربرية، حيث الاستغلال البشع للبشر في المعامل والحقول ودور الدعارة وغيرها. فعندما نشاهد صور استغلال المرأة مثلاً في الملاهي والكباريهات ودور الدعارة واستغلالها من قِبل مافيا التهريب والتهجير إلى دول ذائعة الصيت في الدعارة، وعندما نشاهد صور الإهانة التي تتعرض لها على أيدي الرجل بكل الأشكال في المجتمعات التقليدية، فإننا نجزم بأن هذه الأشكال الاستغلالية الوحشية لا يمكنها أن تقل عن الرق في شيء، بل تتعداه إلى عبودية من لون جديد. أما باقي أشكال العبودية الحديثة والمعاصرة التي تنتشر بكثرة في المجتمعات الغربية بالخصوص، فهي أشكال جديدة تمارسها القوى الصناعية واللبرالية المتوحشة التي تستغل حاجة الناس والمهاجرين من الدول الفقيرة والمفككة في أقذر المهن وأحطها مستغلة في ذلك حاجتهم إلى العمل والعيش وكأنها قدمت إليهم معروفًا كبيرًا، بينما هي تستعبدهم بقوانينها وبأساليب تدبيرها السياسي اللبرالي الاستبدادي.

ويعتقد الباحث محمد عطية الأبراشي أن كل الحضارات البشرية والأمم التي سبقت لإسلام قد عرفت ظاهرة الاستعباد للآخرين على أوسع نطاق ممكن… فالرق كان موجودًا لدى الفراعنة، ولم يكن مقصورًا عليهم، أو هم أول من ابتكره؛ إذ كان الملوك والكهنة وقواد الجيش المصري القديم يتخذون أسرى الحرب عبيدًا لهم، يستخدمونهم فيما تحتاج إليه الدولة الفرعونية من أعمال كشق الترع وبناء الجسور والمعابد والأهرامات. وعلى خلاف المعروف لدى الأمم الأخرى في تلك الفترة، كان عبيد القصور يتمتعون بمعاملة إنسانية في مصر، وكان مسموحًا للحرّ أن يتزوج جارية. وكان محظورًا على السادة قتل الرقيق، ومن قتل عبدًا فإنه يُقتل به على سبيل القصاص[6]. ورغم هذه القوانين التي تحافظ على إنسانية العبيد عند الفراعنة نسبيًا فقط، فإن الأمر لا يكاد يتعدى الأعراف الاجتماعية عند الفراعنة التي كانت تروج عندهم.

 

اعتناق العبودية والرغبة فيها

إن أغلب الذين يقبلون على أنفسهم أن يكونوا مستعبدين ورهن إشارة الأسياد، ليس لهم من المروءة شيء؛ فالجبن هو ديدنهم؛ بل إنه السبيل الوحيد الذي يعتقدون فيه نجاتهم من الموت أو الجوع والفقر. لكنهم لا يدركون خطأهم ومدى جهلهم بأنفسهم وبتكوينهم الطيني والبشري، يقول الله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإْنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}. فكيف لمن خلقه الله في أحسن تقويم وصورة أن يكون ذليلاً للآخرين وعبداً لهم؟ لكن، ما حقيقة هؤلاء الذين يميلون إلى قبول الاستعباد على أنفسهم والانخراط في هذا الشكل من الحياة؟ ثم لماذا يقبل الآخر الذي يمكن اعتباره سيدًا أن يستعبد إنساناً مثله ويتخذه عبدًا له دون أن يشعر بخجل أو حرج في ذلك؟

إن من يقبل على نفسه مثل هذا الأمر، فلابد أن هناك أسبابًا خفية ودوافع ما قد نجهلها جميعنا دون استثناء بمن فينا المعترض، “تجعل الإنسان يتنازل عن الحرية ويرضخ للعبودية والإذلال، فالأمر عارض طارئ على الطبيعة البشرية وغير متأصل فيها، وحالة مرضية تحتاج إلى علاج. ويذهب “دي لابواسييه” إلى أن الحاكم الطاغي ضعيف وذليل، ويقول: “هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى، ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، وهو لا يملك شيئًا فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم… إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم”[7]. وهو ليس بقائد حرب ولا زعيم، بل ليست له حتى مواصفات الرجال، فهو يعاني من الجبن ومن التخنث، يقول “لابواسييه”: “واحد لا هو بهرقل ولا شمشون بل خنث، هو في معظم الأحيان أجبن من في الأمة وأكثرهم تأنثًا، لا ألفة له بغبار المعارك… وهو لا يحظى بقوة يأمر بها الناس، بل يعجز عن أن يخدم ذليلاً أقل أنثى، أنسمي ذلك جبنًا؟”[8]، من الممكن تسميته كذلك. لكن “أنقول إن خدامه حثالة من الجبناء؟ لو أن رجلين، لو أن ثلاثة أو أربعة لم يدافعوا عن أنفسهم ضد واحد لبدا ذلك شيئاً غريباً، لكنه بعد ممكن لو وسعنا القول عن حق أن الهمة تنقصهم. ولكن لو أن مئة، لو أن ألفًا احتملوا واحداً ألا نقول إنّهم لا يريدون صده، ليس لأنهم لا يجرؤون على الاستدارة له، لا عن جبن؛ بل احتقارًا له في الأرجح واستهانة بشأنه؟ فأما أن نرى لا مئة ولا ألف رجل، بل مئة بلد، ألف مدينة، مليون رجل، أن نراهم لا يقاتلون واحدًا… أهذا جبن؟”[9].

نعتقد  هنا، أن إتيين دي لابواسييه يرغب في إبراز صفات العبد الذليل الحقير الذي يقبل على نفسه الاستعباد ويطلبه دون مركب نقص. هذا العبد الذي ما كان ليكون كذلك لولا ضعفه وخنوعه أمام السيد حتى ولو كان منه الكثير. إن الكثرة لا تعني شيئًا بالنسبة للشعور بالحرية، لأن الحرية صفة النبلاء الذين لا يتنفسون إلا إياها، حيث لا يستطيعون العيش بدونها أو مجرد التفكير في غير ذلك. ومادام الأمر كذلك، فإن هؤلاء العبيد الذين يظهر عليهم الضعف والخنوع خارجون على الطبيعة البشرية كما يرى لابواسييه؛ بل إنهم مختلفون عن باقي البشر سواء من الناحية السيكولوجية أم من الناحية التكوينية والفكرية.

ومادام الأمر كذلك، فإن تاريخ العبودية حافلٌ بمثل هذه المظاهر التي نجد فيها العبودية تنتشر في المجتمعات وتصير تجارة رابحة للبعض حيث يجدون فيها إمكانية للاغتناء وتحقيق نوع من السلطة المعنوية، فأغلب الذين كانوا يتاجرون في الرق كانوا بشرًا غير أسوياء على مستوى الوعي والثقافة والإيمان، لأنهم يستغلون ظروف الآخرين الاجتماعية والاقتصادية وتوظيفها لصالحهم ولصالح من يدفع أكثر. ومن هنا، نقول إن مثل هؤلاء المستضعفين صاروا يعتنقون العبودية كدين لهم أو معتقد اجتماعي من أجل تحقيق لقمة العيش والسكن. يقول الباحث محمد طيفوري في ذلك: “إن الشعوب هي التي تترك القيود تكبلها، أو بالأحرى تكبل نفسها بنفسها، مادام الخلاص مرهونًا بالكف عن خدمة المستبد، فأي تعاسة هذه أن نرى عددًا لا حصر له من الأفراد، لا أقول يخدمون طاغية بل يستبد بهم. لا حقوق لهم، بل حياتهم نفسها ليست لهم. ويستغرب لابواسييه من أن تحمل كل ضروب القسوة والسلب والنهب يكون من واحد هو في معظم الأحيان أجبن من في الأمة. يعتبر لابواسييه الحرية شيئًا طبيعيًا، فالناس لا يولدون أحرارًا وحسب، بل مفطورون على حب الحرية والذود عنها؛ فحتى العيش وفق الحقوق الممنوحة من الطبيعة، إشارة إلى أول نص تشريعي للفقيه ترييونيان الذي صاغ فكرة القانون في العهد الروماني، وميز بين قانون الطبيعة أو ما يعرف بقانون كل الشعوب وقانون الدولة، والدرس الذي تلقننا إياه يحتم على الإنسان أن لا يكون مسخرًا لأي كان سوى عقله على حد تعبيره. لأنه “في المعنى الأصح للكلمة، الحرية لا يمكن أن تُمنح، بل إنها يجب أن تُكتسب” على حد تعبير فرانكلين روزفلت”[10].

إن من غرائب الطبائع البشرية هو الاعتياد على العبودية والظلم وقبولهما دون ثورة أو رفض، بل إنهما ينقلبان إلى رغبة ولذة عند البعض من هؤلاء وكأننا أمام بشر مختلفين عن باقي البشر؛ لأنهم لا يشعرون بالأمان والسلام الداخلي والنفسي إلا وهم تحت رحمة الأقوياء والمتسلطين والحكام، إذ إن هناك من الناس من يعتقدون أن الحرية نوع من الخوف وعدم الأمان النفسي، وكأنه قد اقترف ذنبًا أو جرمًا لا يغتفر مما يؤدي به إلى قبول الاستعباد على نفسه فيرتاح نفسيًا في ذلك؛ بل يمكنه أن ينتج أكثر. ومع وجود مثل هذه العينات البشرية فإنه ينبغي على المستبدين والحكام والأغنياء أن يتأففوا من استعباد الناس وإخضاعهم لهم؛ بل إن من واجبهم محاربة ذلك والوقوف ضده لأنه يدينهم في المبتدأ والمنتهى. فلو كان هناك عدل وعدالة وإنسانية فيما بين جميع البشر لما كان هناك مثل هذه الفئة الشاذة التي تبحث عن الأمان والمأكل والمشرب والمسكن بطرقها الخاصة التي تتقنها وهي العبودية الطوعية للآخرين.

 

المراجع المعتمدة

 

  • إتين دي لابواسييه،مقال في العبودية المختارة، ترجمة: مصطفى صفوان، كتاب الدوحة، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، قطر، ط. 1، 2014.
  • حمدي شفيق، “تاريخ الاستعباد”، موقع صيد الفوائد، بدون تعريف، بدون تاريخ، رابط المقال على الموقع: https://saaid.net/bahoth/83.htm.
  • م. ب. تشارلز، الإمبراطورية الرومانية، ترجمة: رمزي عبده جرجس، مراجعة: محمد صقر خفاجة، الهيئة المصرية للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 1999.
  • محمد طيفوري، “في مديح الحرية ضد الطغيان تقديم كتاب” “رسالة في العبودية الطوعية– إتيين دي لابوايسييه”، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 24 يوليوز 2013، رابط الموقع: http://www.mominoun.com.
  • محمد عطية الأبراشى، روح الإسلام، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 1994.
  • موضع إسلام ويب، “لماذا لم يحرم الإسلام الرق”، بتاريخ: الاثنين 1 جمادى الآخر 1430 – 25-5-2009، رابط الموقع: http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=122424.
  • مولاي عبد الصمد صابر، “قراءة في كتاب {مقالة في العبودية المختارة} لأتين دي لابوسي”، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 15 نوفمبر 2014، رابط الموقع: http://www.mominoun.com.
  • وول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود ومحمد بدران، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 2001.

[1] – حمدي شفيق، “تاريخ الاستعباد”، موقع صيد الفوائد، بدون تعريف، بدون تاريخ، رابط المقال على الموقع: https://saaid.net/bahoth/83.htm.

[2] – موضع إسلام ويب، “لماذا لم يحرم الإسلام الرق”، بتاريخ: الاثنين 1 جمادى الآخر 1430 – 25-5-2009، رابط الموقع: http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=122424.

[3]  – ويليام جيمس ديورانت ، قصة الحضارة، ترجمة: زكي نجيب محمود ومحمد بدران، الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 2001، ص. 356.

[4] – حمدي شفيق، “تاريخ الاستعباد”، موقع صيد الفوائد، مرجع مذكور.

[5] – المرجع السابق، ويمكن الاطلاع أيضاً على: م. ب. تشارلز، الإمبراطورية الرومانية، ترجمة: رمزي عبده جرجس، مراجعة: محمد صقر خفاجة،  الهيئة المصرية للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 1999.

[6] –  محمد عطية الأبراشي، روح الإسلام، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط. 1، 1994، ص. 162 وما بعدها .

[7] – إتين دي لابواسييه، مقال في العبودية المختارة، ترجمة: مصطفى صفوان، كتاب الدوحة، وزارة الثقافة والفنون والتراث، الدوحة، قطر، ط. 1، 2014، ص. 69.

[8] – المرجع السابق، ص. 65.

[9] – المرجع نفسه، ص. 65. ويمكن الاطلاع أيضاً على المقال التالي: مولاي عبد الصمد صابر، “قراءة في كتاب {مقالة في العبودية المختارة} لأتين دي لابواسييه”، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 15 نوفمبر 2014، رابط الموقع: http://www.mominoun.com.

[10] – محمد طيفوري، “في مديح الحرية ضد الطغيان تقديم كتاب”رسالة في العبودية الطوعية – اتيين دي لابويسيه”، موقع مؤمنون بلا حدود، بتاريخ: 24 يوليوز 2013، رابط الموقع: http://www.mominoun.com.

0 312 02 أغسطس, 2018 الثامن والتسعون, العدد الأخير, ثقافة وفكر أغسطس 2, 2018