حوار مع الإعلامي والروائي أحمد الرحبي

لـ

 

 

أحمد الرحبي، من مواليد مسقط عام 1971م. حاصل على الدكتوراه من الجامعة الروسية في موسكو، درس الفرنسية والروسية كما درس المسرح في الرباط. عاش متنقلاً بين أكثر من بلد ومدينة عربية وأوروبية منها القاهرة والرباط وفرنسا وروسيا.

 أصدر في عام 2006م مجموعته القصصية “أقفال”، ثم عام 2012م روايته “الوافد” ضمن مشروع “أقاصي” في مسقط عن دار نينوى في دمشق، وصدر له عام 2015م روايته ” أنا والجدة نينا” عن دار الانتشار العربي ببيروت، وترجمة لقصص من الأدب الروسي الحديث (انتقام تشيك الرهيب) صدر في كتاب مجلة نزوى (العدد92) عام 2017م.

عمل عدة سنوات في قناة روسيا اليوم (RT) مراسلا صحفيا، ثم استشاريا في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بسلطنة عمان بين أعوام (2012م-2017م). استقر أخيراً في مدينة موسكو.

الفلق اِلتقته في هذا الحوار؛ عن تجربته المتعددة في الترجمة والقصة والرواية والإعلام.

 

– في روايتك “الوافد” هل كنت تتنبأ تستقرئ الواقع وتستشرف المستقبل ليكون بطل الرواية هو أحمد الرحبي؟

– طبعا، كل عمل إبداعي هو قراءة تبدأ من الواقع، ثم تزيد بعدها حماسة الكاتب للركون إلى هذا الواقع وتأخذه الكتابة إلى البحث في تربته واستبيان جوهره أو أن تحمله الكتابة إلى أفكار وتجارب أبعد من المكان وإلى دروب تفوق الواقع (ولا تنفصل عنه). عند كتابة روايتي القصيرة “الوافد” كنت أجد نفسي ونفسيتي في منزلة بين منزلتين إن صحت هذه المقاربة. كان قد مر على مغادرتي البلد أكثر من عقد، ولم أجد ما يحضني ويحرضني على العودة، تحريضا حقيقيا وأصيلا. ولم يكويني الجوى كما يقول العشاق، ومع ذلك كنت أعيش هذه العودة بمستوى افتراضي؛ شيء يتعلق بالأفكار أو الهواجس المتقطعة والعابرة عبور السحب. من لحظة الإحساس هذه ولدت فكرة رواية “الوافد” التي تتحدث عن شخص يرجع إلى بلده بعد غياب، وهناك، وبسبب الظرف الذي يعيشه والأحداث التي يمر بها، يستحيل إلى وافد، بالحمولة الشعورية التي تحدد صفة الوافد وأهمها عدم اليقين تجاه المكان، بعكس ما يشعر به ابن البلد، سواء المقيم فيه طويلا أو الآيب إليه من سفر. وبهذا الإحساس اللايقيني أيضا تشكل إطار الرواية الفني وتولد نسغها اللغوي.أما عن استقرائي في الرواية عما سيحدث معي لاحقا، وأنت تقصد طبعا مسألة عودتي (اليقينية وليس الروائية هذه المرة) وكيفية خروجي من البلد التي تشبه الطرد (أو النفي بالمعادل الكلاسيكي للكلمة) فأعتقد أن ثمة شيء من الحقيقة في هذا. مع ذلك فأنا لا أعتبره من قبيل التنبؤ الميتافيزيقي، فالأمر لم يخرج عن تربيتي الفكرية ولم يخالف ميولي النفسية التي لا تطيق الابتذال وتنفر من التهتك. غير ذلك فمهما قلت فإن الترابط والشبه بين المسار الروائي لبطل الوافد وما جرى معي بعد ذلك بسنين يحمل دقة غريبة، ولكنه ليس عجائبيا على كل حال، فالحياة الضحلة في أوطاننا بمقدور الشعور واللاشعور أن يحدس بها وبمآلاتها.

أَخذَتْ الرواية نهاية مفتوحة؛ على أفق الحدث. لماذا؟

  • وأي أفق آخر يمكن أن يكون للوافد إن لم يكن مفتوحا؟ لا سيما وأننا نتحدث عن وافد مرّكب، وافد علاقته متجذرة في خلفية المكان ولكنها تبدو منقطعة عن الواقع الذي انوجدت فيه في النص. هذه التوليفة، أي الجذور والانقطاع، أو التغريب في الوطن، هو الشيء المغري في العمل، وهو ماء العمل الذي أردته أن يكون جرعة سريعة ومركزة… قال لي أحد الأصدقاء بعد قراءته الوافد: “لم أبدا بقراءتها حتى انتهيت منها” وأعتقد أن هذا أبرع توصيف للرواية، ومنه نستنبط أن العمل مكتملا ومحققا لشرطه الفني. فأن تقرأ رواية (أو نوفيلا) من ٨٠ صفحة ولا تشعر بالزمن فأنت بالتأكيد قد وقعت في زمن الوافد، ذلك الزمن الذي ينطوي فيه الحدث بمجرد وقوعه.

* ذكرت لي حادثة غريبة عن رواية “أنا والجدة نينا” أن أحد معارفك تواصل معك، وكأنك تتقصده في إحدى شخصيات الرواية، ماذا حدث؟

  • نعم، تواصل معي أحد معارفي القدماء على إيميلي الذي نشرته في الغلاف الداخلي للرواية وكتب أنني تسببت له بحرج في محيطه الاجتماعي لأني ذكرته ووصفته في العمل. كان يمكن للأمر أن يكون مدعاة للسخرية والتندر لو كان في مكان آخر، ولكني ولمعرفتي بالمجتمع العماني، والخوف الذي يسكن الناس من الشوائب التي قد تعلق بثيابهم البيضاء، حتى وإن كانت شوائب وهمية ومن وحي الخيال والكتابة، جعلني أتعامل مع الأمر بجدية، وحملت نفسي للرد على المتصل، مفندا ومحللا الشخصية الروائية، سواء على مستوى الشكل أو على المستوى الثقافي والنفسي… حتى اقتنع صاحبنا أن الخيال أبعد من الواقع وإن بدى رديفا ومشابها له.

*وأنت، بحكم معايشتك لثقافات ومجتمعات أخرى، ألا يحدث مثل هذا التصادم أو سوء الفهم بين المتخيل والواقع في تلك المجتمعات؟

  • كلا، لا يحدث في المجتمعات التي تقرأ الرواية وتشاهد المسرح والسينما وتسمع الموسيقى وتتعايش مع الإبداع بأنواعه معايشة يومية، وإن حدث فسيكون فعلا مدعاة للتندر. كل شيء في هذه المجتمعات يستقر ويتحرك ويتطور في مكانه ورحابه الطبيعيين.

*”سعد الله” بطل الرواية ينطبق عليه قول الجدة “البابوشكا”: كن سعيداً. لذلك كان المرادف لنصيحتها هو البحث في التفاصيل الحياتية المتتابعة والدقيقة في حياة الإنسان الروسي اليومية، ألم يتدخل الراوي هنا في صنع الأحداث وتوجيه الشخصيات؟

  • لا أعتقد أن ثمة شيء مقصود، تلك القصدية التي تقيد الكاتب وتفرض عليه “موكيت” معينا يسير عليه وينبني به مناخ الرواية، لا يوجد هذا الشيء، أو على الأقل فهو أمر لا يعنيني ولا أعتني به. طبعا ثمة إجراءات وقيود وشروط في العمل، ولكنها تتكون أثناء العمل وليس قبله. فلنضرب مثالا لذلك إسم الشخصية الرئيسية للرواية “سعد الله” الذي فرضته ضرورة فنية أولية ثم وجد مساحته الأكبر ضمن الجو العام للرواية. فمن بين المفارقات والمواءمات  التي برزت مع هذا الاسم الذي يحمل لفظ الجلالة الإسلامي، وجوده (ووجود حامله) في محيط مسيحي، ولا سيما في الجزء الثاني من الرواية الذي تدور أحداثه في مدينة الكنائس. إذا، فإسم البطل وحده يحمل دلالة رمزية مشتبكة مع نسيج الرواية ويمتلك إمكانيته في التسريد، وبإمكانك أن تقيس على ذلك في بقية جزئيات الرواية. إن الراوي في هذه الرواية (وهو البطل نفسه) شخصية تتأثر ببيئة العمل وتتفاعل بأحداثه، وهذا هو الفرق بين صوت الراوي في العمل الروائي والأصوات في السيرة الذاتية أو الكتابة التسجيلية أو أدب الرحلات. ومرة أخرى فجزئيات الرواية تتكون في ذهن الكاتب ومن ثم تتخلق على الورق وتكتسب صفاتها وتعزز من حضورها عبر تفاعلاتها وعبر حياتها المشتركة في العمل.. وبالتالي فلا يوجد شيء يقود الآخر ويوجهه إلا ضمن الصيرورة الفنية داخل النص.

* شخصياً شعرتُ أن الجزء الأول من رواية “أنا والجدة نينا”؛ هو تهيئة للجزء الثاني منها، هل تتفق معي؟

– كما أن الجزء الثاني هو تكملة لما قبله. لقد انتهيت من كتابة الجزء الأول من الرواية ثم توقفت عن الكتابة. كان واضحا لي أن العمل لم ينته بعد وأن أطرافه غير مكتملة، وبالمقابل لم تكن لدي أدنى فكرة عن شكل الجزء الثاني. توقفت عن الكتابة حتى اقترحت علي صديقة لي، اعتبرها قارئة إيجابية لما أكتبه، اقترحت أن أسحب السرد إلى مدينة الكنائس (مدينة سوزدل) هذه المدينة التي أحبها كثيرا ولكني نسيتها في تلك الأثناء حتى جاءت هذه الصديقة لتذكرني بها وبأحاديثي عنها، وأيضا لتفتح أمامي الباب لإكمال الرواية. فماذا يعني هذا؟ هل هو القدر والصدف تعمل عملها في كتابة النصوص، هل هي النصوص تنتظر قدرها المحتوم وتحتسب الصدف الخارجية التي تقود دفتها؟ الأمر هو كذلك برأيي، فالنص، بقدر ما هو مرهون لداخله، إلا أنه لن تكتب له استمرارية ونهاية إن لم يكن منفتحا على خارجه…  النص شبيه بالحياة.

*كيف ترى المشهد الثقافي والأدبي الروسي عامة، والرواية خاصة؟

– المشهد الثقافي في بلدان العالم الثاني والثالث رهين بالسياسي، فالعلاقة بين الجانبين تسودها كل أشكال المواجهة والمناطحة والمخانقة والمقاتلة… إلخ. والعامل الذي يسهل للثقافة اشتغالها في مجالها ويعفيها من بداهة التعثر والاصطدام بالسياسي في كل طلعة ونزلة هو في نضوج السياسي وتعقله وتخليه عن ألعابه السخيفة والخطرة، كما والكف عن النظرة الدونية القاتلة تجاه الثقافي، صيانة لنفسه وكبريائه ومن أجل الارتباط بصلة سوية مع الثقافي وما سواه. أن يكف عن التخريب وإثارة الفوضى أو التوطيد لها، فانتقام مجال في الحياة الاجتماعية من مجال آخر ومحاولة إخضاعه أو سحقه أمر باطل وليس سوى محاولة لتخريب الحياة. باختصار يقودنا هذا إلى حتمية الديموقراطية لتقويم الحياة في المجتمعات. مع أنه، من جهة أخرى، حينما تكون هناك سلطة ملكية مثقفة، كما كان في روسيا القيصرية (وقد مجد بوشكين ومعظم الكتاب الروس العظام قيصرهم بطرس الأول) حينئذ لا بد وأن تتعزز القيم الروحية في المجتمع وأن تمتد الثقافة من البلاط إلى الملاط، حتى وإن كان ذلك الامتداد على شكل ظلال، إلا أنها ظلال مفيدة ومتحولة. المشكلة تكمن في معاداة الثقافة بدون وجه حق، المشكلة في غياب الديموقراطية (وبالمناسبة فمرجع الديموقراطية ثقافي)… فهل في روسيا بعدئذ ديموقراطية؟

المشهد الثقافي الروسي واسع، وتقاليده تاريخية تسمح له بالشد والجذب مع السياسي المهيمن، أو الساعي للهيمنة لدواعي كثيرة تخصه. نعم تكتب الرواية على طول روسيا وعرضها وتترجم إلى اللغات الأجنبية، ولكن متى قرأنا آخر مرة أو سمعنا عن رواية روسية شاهقة؟ وهو سؤال شبيه بالسؤال التالي: متى سمع القارئ الروسي آخر مرة أو قرأ رواية عربية عظيمة؟

* هل تطلع زوجتك الدكتورة فيكتوريا على مسودات كتاباتك؟ خاصة وأنها أستاذة اللغة العربية في الجامعة الروسية بموسكو ومترجمة للعديد من الروايات العربية من بينها روايات نجيب محفوظ.

– أطلعها على فكرة العمل، ونناقشها، وهي تسألني عن العمل الذي أشتغل عليه، أو عن كيفية سير الكتابة، ولكن ليس على العمل كله. لا توجد آصرة أدبية بين ما أكتبه وبينها. نحن نشترك في القراءة عموما ومشاهدة الأفلام والمسرح وذوقنا متقارب إلى حد كبير، ولكنها لا تقرأ بالعربي إلا العمل الذي تعمل عليه، سواء كان ترجمة أو لشغلها الأكاديمي. ولا أعرف هل القراءة بلغة أجنبية أمر مغري إذا كان ثمة ما يُقرأ باللغة الأم، أم أن النتاج الأدبي العربي لا يمتلك تلك الجاذبية التي لا تقاوم؟ مع أنها كانت مفتونة بنجيب محفوظ حينما كانت تترجمه ومنها عرفتُ أشياء مهمة عن أدبه. ولكن الأهم أن ثمة عصمة بيننا فيما يتعلق بحصة كتابتي اليومية، فحينما أذهب إلى المقهى لأكتب فأنا ذاهب للعمل، وهذا يكفيني وزيادة. فبالمقارنة مع مجتمعنا، حيث يكون فعل الكتابة أحيانا أمرا شائنا، وعليك أن تخفض صوتك وتسبل عينيك قبل أن تتلفظ بها، بالمقارنة مع هذا فأموري جيدة والشكر لله.

* لديك تجربة مميزة في القصة القصيرة، من خلال مجموعتك أقفال التي صدرت عام 2006. ونشرت في فترات متباعدة ومتفرقة بعض القصص، ألن نرى لك مجموعة قصصية قريبا، خاصة كما أعرف أنك قريب من القصة القصيرة من خلال ترجمة لقصص روسية “انتقام تشيك الرهيب” التي صدرت مع مجلة نزوى في العدد (92)؟

– كلما كتبت قصة ظننت أن الحياة لن تتكرم علي بلحظة مثلها وأنها القصة الأخيرة التي أكتبها. الرواية تُكتب وتُصنع من خلال عمل يومي يخضع لتنظيم معين، وهي تحتل مساحة كبيرة من التفكير والتخطيط والمحاولات وما إلى ذلك من تدابير لنهوض العمل واكتماله. أما القصة فقصتها مختلفة. تأتي كاملة مكتملة، بشخوصها ولغتها ومعانيها. وحضورها النادر هذا يكون من المباغتة والكثافة بحيث أنها تهبك المقدرة على اِهتبالها وكتابتها وسكبها على الورق (الشاشة) دفعة واحدة.  القصة ضنينة عليّ كثيراً، ولكني أتعامل معها جيدا حينما تغمز صنارتها. لدي مجموعة قصص سأجمعها في كتاب وأعتقد أنها أنضج فنيا من المجموعة الأولى، ولكن ليس من الضروري أن تلاقي إعجاب القارئ الذي سبق وقرأ المجموعة السابقة. ثمة أسئلة تساورني عن جمع مجموعة قصص ونشرها في كتاب. كيف تتساوق هذه القصص فنيا وجماليا في كتاب واحد؟ على أي مقياس نعتمد حين نقول إنها مجموعة جميلة، مع أنها تضم قصصا كثيرة، وكل قصة عمل متفرد؟ هل مأثرة قصة واحدة أو قصتين قادرة على شمل المجموعة كلها بنعت الجمال، كأن تقول هذا بيت كرم بينما الإشارة إلى فرد واحد كريم في العائلة؟ هل الجمال يعم إلى هذا الحد؟ وماذا لو فرقنا القصص، هل نحصل على نفس النتيجة؟ أما الإجراء المحتمل والأكثر تداولا، مع أنه لا يجيب عن تساؤلاتي بشكل وافي فهو أن يقوم الكاتب بفرز مجموعة كبيرة من قصصه واختيار نخبة منها لتكون كتابا… وهذا ما أنتظره لإصدار مجموعتي الثانية: أن تكون لدي مجموعة قصص أستطيع فرزها واختيار الأجود بينها.

ولكن، وفي المحصلة الأخيرة، فمعادلة القصة أكثر تعقيدا ووعورة من معادلة الرواية، لذلك ترى في كل بلد روائيين معتبرين يفوق عددهم أضعاف من يكتبون القصة المعتبرة. وفي تاريخ الأدب كذلك. وكما نرى أيضا فالكثير يهجرون القصة إلى الرواية، وفي هذا دافع للتخفف من تعقيدات المعادلة الكبرى لكتابة القصة.

* هل بالضرورة أو الأهمية أن يكون في المجموعة القصصية (الواحدة)، ما يجمعها على مستوى الموضوع أو ثيمة مشتركة؟ على سبيل المثال يذهب أدوارد غاليانو إلى ذلك، وأنا شخصياً أميل إلى هذا الرأي.

 

  • سيأخذ التنظير لهذه المسألة مساحة كبيرة، واختصارا لذلك، وهو الأهم في نهاية المطاف، هو أن يصب كل إجراء تقني يتخذه الكاتب، ومهما كان نوعه، في صالح التأصيل للجانب الإبداعي للعمل والتجذير لبعده الجمالي والتهيئة لمناخه الإمتاعي. غير ذلك، وبعد كل شيء، فإن هذه الإجراءات التي – كما يبدو – تستهدف شكل العمل، إن لم تكن نابعة من عقل فنان كبير يدرك القيمة الخطيرة للشكل ويعرف الطريقة التي يهيئ بها أرضية نصه ويدير بها بنائه، فستكون النتيجة، وفي أفضل الأحوال، مجرد خداع بصري يستند إلى تكتيك مصطنع، وسيبدو معه النص (قصة كان أو رواية أو قصيدة) مستلبا وبلا تاريخ.

* في قصة “المسمار” وهي أول قصة في مجموعة “أقفال”؛ هل ممكن أن ينتقم الكاتب ممن نغصوا على حيوات البشر؛ بالأدب؟

  • نعم الكاتب مطالب بالانتقام ممن يشوهون الحياة وذلك بالانتصار لقيم الأدب والفن والأخلاق. وهو مطالب بالانتقام منهم ليس بمجرد فضحهم وتصوير سوأتهم، وإنما، وهي الوظيفة الحق للأدب، بإنقاذ الحقيقة ومواصلة بنائها وترميمها، الانتقام منهم بالإيمان العميق بالفن وقدرته العظيمة على التغيير والبناء، وأن قوة الفن أعتى من قوة العفن، وبأن الفن راسخ وإن قل بروزه وأن العفن زائل وإن زاد ظهوره.

* كيف رأيت السفر؟

-رأيته بثلاث مستويات. الأول سفر السياحة، وهو خفيف على النفس والذاكرة. تبديل الأماكن وأيامها والهروب عنها بما يشبه المراوغة أو لعبة الغميضة، وهنا يكمن ما يجده الكثيرون من متعة في هذه الأسفار القصيرة، فأنت لا تنقطع عن المكان السابق وأيامه بل تأخذه معك لتعرضه لشمس أخرى وتقابله بأيام مختلفة. ولكن المفارقة أن بهجة الأسفار السياحية هذه يعقبها تعب مضني وقنوط. شعور من أصيب بتخمة مفاجأة أو العكس، بعضة جوع. المستوى الثاني هو السفر متوسط الأجل، كالسفر للدراسة وغيره. هذا سفر يجمع بين المتعة والمسؤولية، المواجهة والتهرب، الأحلام والواقع. وفيه يتسنى للمرء التعرف على جسد المدينة، بنيتها التحتية، رصيفها والحياة التي تجري عليه، العمارة بكل أطيافها والأماكن الخلفية والتحتية التي قد لا تتاح للمقيم الدائم رؤيتها بسبب قيود حياته بمقابل التحرر الذي يتمتع به المقيم إلى أجل مسمى. وهذا النوع من الأسفار، برغم قصرها نسبيا، إلا أنها تقيم في الذاكرة وتتكور مثل حياة مكتملة. اسأل من درسوا في الخارج سيخبرونك. المستوى الثالث حينما يتحول السفر إلى إقامة دائمة. هنا تصبح الحياة حياتين. وتتحول الهواجس، بعدما تحسست الجانب الظاهري للحياة الجديدة، إلى النظر إلى الجانب الحقوقي والقانوني. فالمعادل الأخلاقي للمظهر العمراني في الحضارة الإنسانية هي القوانين الضابطة لحياة الإنسان والحامية لحقوقه. إن الفرج في الحياة بالنسبة لعربي اليوم وغيره من سكان العالم المقهور يتأتى حينما ينتهي به المقام في بلد يعمل بالقوانين الحقوقية، وهي البلدان الغربية  في راهن وقتنا.

* وماذا عن سفرك أنت؟

– أنا شخص ملول وأعتقد أن صفة الهروب في تحديد علاقتي بالمكان تسبق عندي صفة الإقبال عليه. إني أهرب من أي مكان ثم لا يهم بعدها إلى أين أذهب. كنت أكره البيت في صغري وكثير الهروب منه. حين أهداني والدي “سيكل” (قديم قام هو بتجميع أجزاءه) خرجت من البيت منطلقا وفرحا بالهروب، وربما لم أكن لأعود لو لم تسرق الدراجة مني ولمّا أبتعد كثيرا عن البيت. وحين حصلت على رخصة قيادة السيارة وعمري لم يتخط أربعة عشر عاما (بسبب خطأ في تقدير السن) وجدتُ سيارة خلّفها لي المرحوم أخي من نوع “نيسان صني” بالغة الصغر، مع ذلك دخلت بها وادي عدي ووادي الخوض ووادي فنجا ووادي بني خالد ووديان أخرى كثيرة، فحولت تلك الضفدعة إلى بلدوزر يمخض عباب الأودية ويتحدى صخورها. وعندما كانت تغرز، يحملها رفاقي حملا. حين أتذكر تلك المرحلة من عمري أتعجب كيف نفدت منها حيا. والغريب أن “الصني”، وبعد كل العبث الذي حاق بها، بيعت بسعر لا بأس به! المدرسة كانت الجحيم الذي وقف في الضفة الأخرى من البيت، ولا أتذكر من المدرسة شيئا سوى أنها كانت تغريني بالهرب. في السابعة عشر من عمري عملت في وزارة التراث والثقافة (التراث القومي سابقا) مدة عام وشهرين ثم هربت. وفي السنوات الخمس التي قضيتها في مسقط مؤخرا، غيرت ست شقق. هربت من بلدان عدة، ثم هربت أخيرا إلى روسيا، ليس لأستقر وإنما لأتنقل فيها وهذا ما حدث ويحدث. الأماكن أقوى من الكائن، ومن شيمتها الاستيلاء عليه، لذلك عليك الانتباه جيدا والاستجابة لنفير الهرب ما أن ينادي، وإلا فالزم المكان وتحمل خذلانه وصداعه المزمن.

* أليس في هذا تطرفا؟

–  لا يوجد شيء يمكن تحمله لفترة طويلة، هذه حقيقة بسيطة ولست أخترع شيئا من عندي.

*هل نتحدث عن الإعلام قليلا؟

  • أقل ما يكون.

*إذا فاختصر لنا مقولة الإعلام بعد أن اشتغلت فيه ردحا من عمرك.

  • الفكرة الأولية للإعلام بسيطة وتشبه وظيفة الحكواتي الذي يقول ما تحب الناس أن تسمعه ولكن بطريقة مختلفة. الإعلام هو الآخر يقول ما يحب الجمهور أن يسمعه ولكنه لا يستطيع قوله بنفسه. والإعلام المحترف هو الذي لا يترك للجمهور إمكانية تقليده ومحاكاته. أما غير ذلك فهو لغوٌ وليس إعلاما، وأما دون ذلك، أي حينما يهبط مستوى الإعلام لدرجة أن يكون هو من يقلد الجمهور، فهنا نصل إلى التفاهة والانحطاط في الذوق. فليس عبثا أن تولي المحطات التلفزيونية اهتماما بالغا للتقنيات الفنية كالصوت والاضاءة والألوان والمونتاج والغرافيك وتنفق الأموال على تطويرها، والصحف كذلك تولي اهتماما كبيرا للجانب الفني والإخراجي لصفحاتها، وكذلك تفعل المواقع الإعلامية الالكترونية، وهي بهذا تنشد الشكل الاستثنائي في نقل المعلومة والفكرة إلى المتلقي، وهي بذلك تعمل بدأب لكي لا تقع في الإسفاف والعادية. هذا على صعيد الشكل والصورة أما على مستوى المحتوى فالإعلام الحي والحيوي دائما ما يتوسل الجرأة في طرح الأفكار وتبنيها، إنه العين الثالثة للجمهور التي تكشف له (بمساعدة التقنيات الفنية آنفة الذكر) الحقائق المختبأة والمخبأة والغائبة أو المغيبة. باختصار شديد ينطبق على الإعلام المثل الشعبي القائل: “الحي يحييك والميت يزيدك موت”.

* نعود إلى الكتابة، فماذا تعني لك الكتابة أساسا؟

– لا أعرف. سؤال صعب.

* حسنا.. فلنقل هذا بصيغة أسهل، ماذا تشبه الكتابة في حياتك؟ 

– جيد، هذا أسهل. فلنقل إن الكتابة عندي تشبه الرياضة إلى حد بعيد. إني أمارس الرياضة بشكل يومي واحترافي تقريبا. إنها مسألة مجهدة جسديا، وتتطلب مني تحديا يوميا. إذا فما أقوم به هو عقاب جسدي (تستخدم التمارين كعقاب في الخدمة العسكرية مثلا) ومن جهة أخرى هو لقاء يومي بالجسد وحوار صريح معه يتم عن طريق إجهاده. والآن عن الكتابة. فما الذي يجعلني أجلس ساعات أمام الشاشة وأفتح لنفسي، طواعية، كل أنواع الصراعات والخيبات والإحباطات؟ لماذا كل هذا الجهد المضني؟ ببساطة لأني لا أعرف وسيلة أخرى ألتقي بها مع نفسي وأحاورها إلا بالكتابة. أو فلنقل إن الكتابة هي الأكثر أصالة من بين كل المحاورات. وبالتالي فتحدي الرياضة/ الجسد يشبه إلى حد بعيد تحدي الكتابة/ النفس.

*وبالتالي فأنت تكتب لنفسك؟ 

– بالتأكيد، أنا أكتب لنفسي ولكن بمساعدة آخرين. أكتب لنفسي ولكني لا أخلو من تأثير الآخرين علي. فأنا أعيش تجاربي مع آخرين وأقرأ الكتب التي كتبها آخرون وهذا يؤثر عليّ، وثمة القارئ الافتراضي الذي يظهر لي أثناء الكتابة، تارة بهيئة كائن لغوي وتارة جمالي وثالثة موسيقي. إذا فأنا لست وحدي حينما أكتب لنفسي.

* ولكنك تنشر في النهاية ما تكتبه! هل تقول بأنك تكتب لنفسك ثم تنشر لتقرأ ما كتبته؟ 

– بالطبع لا. حين أقول إني أكتب لنفسي فما أعنيه أني أكتب ما يرضي نفسي وبالدوافع التي تتجاوب ورغباتها، وهذا غير الكتابة التي تتقيد بشروط خارجية كالكتابة للصحف المؤدلجة والموجهة أو الكتابة التجارية. حينها – أي في حالة الكتابة للنفس طبقا لما أشرت – يكون النشر بمثابة محاورة مع كتابة متفردة أخرى وليس كتابة لآخرين اعتباطيين. وأعني بالكتابة المتفردة، الكتب المنشورة، تلك التي كُتبت بصيغة الكتابة للنفس حسب طرحي السابق. إن النشر هو حوار بين الكتب قبل كل شيء، وربما أولا وأخيرا. والكاتب حينما ينشر فإنما ليرسل تلويحة إلى أقرانه من الكتاب المتفردين، لينظر إليهم ويتبادل معهم بضع كلمات خاصة.

*حمل كتابك القصصي اسم أحمد محمد الرحبي، وإحدى روايتيك أحمد الرحبي، وكتاب ترجمتك أحمد م الرحبي. لماذا تغير إسمك؟

  • وقبل ذلك نشرت باسم أحمد محمد ناصر وأحمد بن محمد. أشياء مختلفة دفعتني إلى ذلك. بداية لم أرغب في تضمين القبيلة لاسمي، ثم أردت تمييز إسمي عن أسماء في الساحة الأدبية تحمل الاسم نفسه. كان الأمر مزعجا بعض الشيء، لي ولغيري. الآن أنظر إلى المسألة بهدوء ولامبالاة.

*وهل نحن على موعد مع اسم آخر جديد؟

  • ربما… قد يزيد حرف أو ينقص… ولكنه أمر غير مهم الآن. ربما سيحمل تأملا ما ذات يوم، حينها سأتدبر أمري مع هذا الأمر.

* قضيت (حتى الآن) جلّ عمرك خارج بلدك عُمان، ولكن شخصياتك والمكان الأول؛ مجترة من ذاكرتك الأولى، هل تعتمد على الذاكرة في سياق متداعي لجلبها؟

– الذاكرة تضيء جوانب من بناء الشخصيات وليس البناء كله، فرب شخصية أخذت شكلها من الذاكرة بينما اكتسبت طبعها من عملية الكتابة نفسها. الذاكرة موئل قد تتجه إليه بوصلة الكتابة في حالات معينة تحتمها سيرورة العمل، وفي حالات أخرى يجب القطع معها. هناك قصة في مجموعة “أقفال” القصصية بعنوان “أصوات القرية”، هذا النص الذي تغرق تفاصيله في القرية العمانية كتبته عند سماعي – وأنا داخل غرفتي بموسكو –  صوت امرأة روسية كانت تزور العجوز التي أستأجر منها الغرفة. ليس الحنين ولا أي مشاعر مشابهة أخرى ما حرضني لكتابة القصة وفتح المدخل إليها، وإنما خامة الصوت نفسه ومستوى قوته وطريقة لحنه، كل هذا مجتمعا وجد مقابلا له في موئل الذاكرة أنتج الشرارة. طبعا لست بحاجة للقول إن لغة المرأة الروسية لا علاقة لها بالقرية العمانية، ولا طبيعة صوتها الثخين يشبه صوت نساء القرية الحماسي ولا وقعه الثابت يقارب إيقاع أصوات العمانيات الوثاب، لا ليس هذا ما أطلق الشرارة، ليس التشابه أو عدم التشابه الفيزيائي أو أي مقاربة أو مفارقة شخوصية أخرى ما أوجد القصة وإنما هو الاحتمالات التي يوفرها فن الكتابة في داخله وآليته الذاتية التي تتفاعل بأدواتها الخاصة وتنتج مردودها الفريد.

*هل نحن إزاء فكرة الفن من أجل الفن؟

– نعم ولكن ليس تجردا من المحيط. إن المخيلة هي بيت الكتابة وكل ما يحتويه هذا البيت ويحدث فيه مختلف عما بخارجه. اللغة والصور وكل شيء يختلف ما أن يدخل بيت المخيلة. إن فكرة (أو إتجاه) الفن من أجل الفن لا تنفعل ولا تكتمل إن لم نضعها بجانب الواقع، ليس معه وإنما بجانبه. إذا فبيت المخيلة مستقل بذاته ولكنه مجاور لبيوت أخرى في هذه الدنيا… وبهذا تكتمل فكرة الفن من أجل الفن البديعة.

* هل باستطاعتك أن تشتغل على أكثر من عمل (في نفس الوقت): الترجمة والقصة والرواية في آن واحد؟

  • أمتلك حاليا المجال لتقسيم وقتي بحيث أخصص وقتا للترجمة ووقتا للكتابة، وهذا بموجب برنامج يومي نادرا ما يتغير أو يختل. طبعا ثمة التزامات كثيرة تجاه أسرتي وطفليّ، إلا أنني أقتسم أعباء البيت مع فيكتوريا، التي لديها بدورها اشتغالاتها اليومية في الترجمة (تترجم حاليا رواية فرنكشتاين في بغداد للكاتب العراقي أحمد سعداوي) ولكن كل منا يلتزم التزاما تاما بحصته (العادلة) من الرعاية الأسرية.

* ما هي اشتغالاتك الحالية؟

– بالنسبة للترجمة فأنا أضع اللمسات الأخيرة على ترجمتي لمجموعة قصص لتشيخوف، وهي قصص لم تترجم إلى العربية من قبل. وبالمناسبة ثمة أعمال غير قليلة لهذا الكاتب ولكتاب روس كبار لم تترجم بعد وهي في جدول عملي المستقبلي. أما بالنسبة للكتابة فأشتغل على رواية تتناول موضوع الحب والموت في ظل التقاليد المجتمعية العربية. وأركز في هذا العمل على فنية الرواية أو روائية الرواية كما يمكن أن يُقال، وهو جانب لامست فيه التباسا ما في العملين الروائيين السابقين… فلكل شيء إذا ما اكتمل نقصانُ… وهذا سر أسرار الفن والحياة وهو الدافع للكتابة وربما لكل شيء.

* سعدتُ بالحوار معك لمجلة الفلق العمانية.

  • وسعدت أنا أيضا. واسمح لي أن أهدي هذا الحوار للصديق الكاتب والقاص حمود الشكيلي ردا على تحيته الجميلة التي وجهها لي من قبل عبر هذا الموقع.
0 1333 07 أغسطس, 2018 الثامن والتسعون, حداء الروح أغسطس 7, 2018