ما سقط من أوراق الكتابة

لـ

 

 

تكتب

لأن الكتابة هي شرفتك الوحيدة

في حياة تشحُّ فيها السُبل

والآفاق.

 

قاسم حداد

 

 

(1)

 

 

نصك / حياتك

حياتك/ نصك

ما قبل ذلك، وما بعده هوامش للنص وللحياة، وفي المسافة ما بين الحياة والنص تتشابك الأحلام والخيبات، تكبر حينا، وتنكمش أحيانا، يتماهى الكائن مع نصه أو ينفصل عنه، يمتزج الكائن بنصه أو يتخفى عنه. ولكن هل من العدالة أن نحبس الكائن بين قوسي الحياة والنص؟ ألا يكفيه قوسا الرحم واللحد؟

 

في رحلة الكائن الذاهب إلى أغصان الكلام وحطبه، ينحت ما يظنه هو الخلود، يكسّر صخور اليقين ليزرع على طرفي الدرب زهور الشك. لا يمكن للكتابة أن تكون هي اليقين التام ولا القلق الدائم، ولكنها بين هذا وذلك تحاول أن تجرَّ الكائن العاشق لها إلى مطحنة التجريب والاكتشاف، وإلى حقول اللغة المجهولة، وإلى جداول التخيل والذاكرة البكر.

 

(2)

 

تقترب الحياةُ حينا من النص فتدثره وتغسله وتسقيه بماء التفاصيل وبحكايات العابرين وتشظياتها وخيباتهم، وحينا آخر تبتعد الحياة بذبول وعناد عن النص فيصير تائها وغامضا وملتبسا ومحترقا ومتنكرا بملابس اللغة الهلامية، ومتدحرجا بين تلال الجمل الفضفاضة ومستنقعات التوهم.

 

كذلك يفعل النص بالحياة؛ كعاشق يدلل حبيبته، يقترب من الحياة وتفاصيلها وجراحها وتناقضاتها ووردها وشوكها وعرّيها وقبحها، يحاول أن يغوص فيها ليستخرج منها أسماك الدهشة والمجاز. يمسك يدها الخادعة يحاول أن يهزها لتتساقط منها شحوم الوهم. يمزّقُ ملابس الخديعة عن جسدها، يحتضنها، ويجرحها، ويشاكسها، ويكذب عليها.

 

(3)

 

نصك/ صوتك، فاجعله معتقا بالصدق والنبل، ومتحررا من إيدلوجيات الفكرة، ومن رهانات اللحظة والحاضر، ومن أكاذيب الضوء. ومنطلقا كسهم حينا نحو الفكرة، وكالألم حينا نحو زاوية الكتابة. النص القاتل لا يختار ضحيته، والضحية لا تختار نصها. ولكن لماذا علينا أن نستخدم كل هذا العنف لتصوير اللحظة الكتابية؟

لماذا لا يكون النصُّ شجرةً أو طائرًا عابرًا أو ضحكةً امرأة عاشقة أو سحابة عابرة فوق الصحراء أو قميص عاشقة فوق حبل الغسيل؟

هل على النصّ أن يكون جارحا حتى يخترق حياة القارئ؟  ماذا لو كان هذا القارئ ميت القلب، هل تجدي نصال النص لتوقظه؟ من قال لنا إن على القارئ أن ينزف دما عند ملامسته للنص؟ ماذا لو كان قلم الكاتب باردا كجثة في ثلاجة الموتى؟

 

(4)

 

الكائنُ ينمو في عظم ولحم وطفولة؛ وكذلك النص يولد من فكرة أو لحظة أو دمعة أو ضحكة ثم تكسوه التفاصيل واللغة، بعدها يرتدي ملابس الهوامش. وليس بالضرورة أن يكون النص مستترا بالهوامش، ربما يكون عاريا ليجرح ويربك مخيلة القارئ الكسول.

 

(5)

 

لا تترك نصك وحيدًا في الليل، فالنصوص الجميلة إذا نامت فسدت، وإذا فسدت ماتت،

احمل نصك معك إلى الشارع أو المقهى أو المقبرة أو سوق السمك أو إلى جلسة التحقيق. احمله معك كظلك كدمك، ولا تجعل المتلصصين يشتمّون رائحته وريحه، ولا تفتح لهم أي مجال ليتلصصوا على لحظة ولدته وتشكّله وقلقه ومخاضه، ولا تجعل النادل يتلصص على النص؛ وهو يكبر في رحم الشاشة، وإذا اقترب النادل من الشاشة اقتله في النص من دون أن تكون هناك  جنازة أو أرملة أو رائحة بارود، أو اتركه باكيًا غربته، ولا تتعمق كثيرًا في تاريخ طفولته.

 

ولا تجعل النص يلعب  مع سمك البحر فالأسماك الكبيرة تفترس البشر قبل النصوص، ولا تتركه يمشي في جنازة العابرين؛ فالنصوص الجميلة تقتلها رائحة الموت. أما في جلسة التحقيق فعليك أن تترك نصك خارج المدينة وخارج اللغة، فإن المخبرين يقتلون الحياة قبل ذبح أيّ نص جميل. وإذا حدث مرة ونسيته معك وأنت ذاهب إلى جلسة التحقيق، فحاول أن تدسه تحت الوسادة في الزنزانة، لكي يقتله برد المكيف قبل أن تقتله سذاجة الأسئلة في غرف التحقيق.

 

(6)

 

دحرج نصك وحياتك في جبال الواقعية وفي شوارع التجارب، فعندما تطحنك الحياة والتجارب ستجد النص شهيا على الورق. ولا تترك النص يذبل في أفخاخ الرمزية، ولا تتركه يقترب من مستنقعات نقاد السلطة أو نقاد ” الشنطة”، واغسله دائما لكي لا يتلوث بهواء الإيدلوجيا ولا بدم الوهم.

 

(7)

 

اترك نصك حرًا في سماء الكتابة. لا تحبسه في قفص الأجناس والتجنيس.

 

(8)

 

للنص مثلما للحياة زمنه الخاص: زمن التكوين وزمن الولادة وزمن التيه وزمن الموت وزمن الخذلان. هل قلت الموت؟ هل تموت النصوص الصادقة والجميلة حقا، التي تنبثق من روح كاتبها الوعي لسلاح الفن ؟

 

لا أدري هل تموت أم إنها تذبل قليلا أم إنها تكتوي بنار الزمن والتهميش أم إنها تنزل لقاع الذاكرة البشرية لتجعل جيف الأكاذيب تطفو على السطح؟ لكن بكل تأكيد لكل نص زمنه، والطابخ الماهر هو من يطبخ نصه لأزمنة قادمة وحاضرة ومتجددة وليس لزمن الزيف واللحظية.

 

(9)

 

الكتابة شجرة وفأس وحطّاب ورماد ونار في البدء.

 

(10)

 

كانت في البداية مع الإنسان في الكهوف، وأصبحت وستظل مع الإنسان في جدار الزنزانة والعزلة.

 

 

(11)

 

لا تتورط بنصك، فقد يقتلك قاتل محترف يمشي وحيدا في النص، ولا تترك نصك يهرب من شباك الذاكرة، فمن لا نص له لا ذاكرة له.

 

(12)

 

النص عارٍ والكاتب عارٍ كذلك، كل هذا العري لا يستسطيع ستر قبح العالم.

 

 

(13)

الكتابة فعل فضح وكشف ونحت، وليس تستر. التستر وظيفة الصحف الصفراء.

(14)

أيتها الكتابة ماذا فعلتِ بكل غابات الأرض؟ كم من شجرة قُطعت من أجل نص كاذب أو من أجل قصيدة كُتبتْ لمدح طاغية.

وما ذنب الكتابة حين يصبح الكتّابُ زائفين؟ ليس علينا أن نحمل الكتابة ما لا تحتمله، فالرصاصة التي تقتل الأحلام ليست هي الرصاصة التي تقتل القاتل، وكذلك الكتابة.

 

(15)

للكتابة تاريخ وذاكرة وأبناء وأعداء، من كهوف الجبال إلى الشاشات الذكية رافقت الكتابة خوف الإنسان وأحلامه.

 

 

(16)

الكتابة وردة في حديقة الخلود، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه الحديقة عامة، ربما تكون حديقة البيت أو حديقة السجن.

(17)

الكتابة تزهر وتمدد وتوجع عندما تكون هاجسا يوميا في روح عاشقها.

 

(18)

لا تضع زهورًا بلاستكية في حديقة النص، لأن العصافير تدرك الفخ جيدا. ولا تصطنع النص وشخصياته ولغته.

(19)

الكتابة صديقة الفرح والدمعة والهزيمة والوحدة والضجر والماء والمنفى والممشى والمقهى والصخب، وقد تكون عدوة لكل تلك الأشياء.

(20)

الكتابة تصعد بعاشقها أحيانا إلى مساحات الضوء والصخب، ولكن في جوهرها هي نحت وحفر وتجريح وجراح في جوهر الأشياء وتفاصيلها.

 

 

0 493 26 أغسطس, 2018 الثامن والتسعون, حداء الروح أغسطس 26, 2018