صورة المثقف في لوحات كارل شبتزفيك

لـ

  

 

 

أبدع الروائي كازانزاكيس في نحت ملامح شخصية بطله زوربا، فجعله شخصا أميًّا بسيطًا، مرتبطًا بواقعه الماديّ يتعلم من حياته وتجاربه المباشرة، يكره الكتب ويمقت القراءة، ولا يجد غضاضة في التعبير عن ذلك، ينظر باستخفاف لصديقه المثقف، ويسخر من ولعه بالقراءة وينعته بدودة الكتب.

وكما عبر الخطاب الروائي الأوروبي عن تمثلات المثقف، وقدم صورة تعكس شيئًا من واقعه وعلاقاته بغيره؛ فإن الرسم الأوروبي الحديث أيضا لم يكن بمنأى عن الموضوع، وقدم بدوره لوحات عبرت عن تمثلات المثقف وأحواله. ففن الرسم الحديث لم يكن وسيلة للتسلية، بقدر ما كان فعلا ثقافيًا واعيًا يوثّق ويرصد أحوال المجتمع وتحولاته، ويعرب عن رأي الفنان وموقفه من مجتمعه وظواهره.

والمقالة الآتية تحاول الكشف عن صورة المثقف في لوحات الرسام الألماني كارل شبتزفيك من خلال لوحتين شهيرتين له.

كارل شبتزفيك Carl Spitzweg

كارل شبتزفيك شاعر ورسام ألماني عصامي، ينتمي إلى التيار الرومنسي، ولد في بافاريا عام1808 .درس الصيدلة وعمل صيدليًا عام 1832، وكان يحب الرسم ويزاوله في أوقات فراغه، ثم تفرغ له ابتداء من عام 1833، معتمدًا على جهوده الذاتية في تعميق تكوينه الفني، اشتهر بلوحاته الصغيرة والمتوسطة الحجم، كانت لوحاته مستوحاة من حياة الناس العاديين من الطبقة المتوسطة أو البورجوازية الصغرى، وكذلك من المناظر الطبيعية. كان من أبرز ممثلي مرحلة “بييديرميير” Biedermeier التي هيمنت على الحياة الثقافية خلال الفترة الممتدة من عام 1815 إلى عام 1848 بكل من النمسا وألمانيا، وأفرزت أدبًا وثقافة وطرازًا فنيا تقليديا محافظا.

عمل شبتزفيك في إحدى الصحف رسامًا للكاريكاتير خلال الفترة من 1843 إلى 1853. واصل الرسم إلى سنين متأخرة من عمره، حتى وافته المنية عام 1885. وخلّف أعمالا كثيرة موزعة على متاحف ألمانية وأوروبية، ومن لوحاته الشهيرة لوحتا الشاعر الفقير (1839)، ودودة الكتب أو جرذ المكتبة (1850).

الشاعر الفقير Der arme Poet

لوحة (الشاعر الفقير) زيت على القماش، مقاساتها 38 سم  x 45 سم، معروضة بمتحف الفن الحديث بميونيخ الألمانية، تُصوّر شاعرًا يعاني الفقر والوحدة، يعيش في غرفة خالية من المتاع، مظلمة باستثناء بعض النور الذي يتسرب من النافذة. الألوان باردة تنبئ عن فصل الشتاء، وفي السقف ثبتت مظلة، تقي الشاعر قطرات المطر المتسربة من السقف المهترئ، والمدفأة وقودها كتابات الشاعر.

 الشاعر على يمين الصورة يشكل أهم مكونات اللوحة، جالسًا القرفصاء في ركن الغرفة متكئا على وسادة متلفع بفراش رث، خاليًا من كل مظاهر الزينة، يغطي رأسه بقبعة نسائية تقيه برد الفصل، ويمسك بفمه ريشة الكتابة، بجواره كتاب مفتوح، يبدو من صفحته النافرة أنه يقرأ فيه بين الفينة والأخرى، إلى جانب كتب بالية مغلقة موضوعة على الأرض العارية، بغير عناية ولا ترتيب، من بينها كتاب حول قواعد نظم الشعر، وفوق الكتب هناك محبرة مفتوحة مائلة لمراكمة ما بقي بها من حبر قليل؛ دلالة على أنه يستعملها في لحظته، يستمد منها بريشته التي أمسكها بين شفتيه.

في الجهة اليسرى من اللوحة نرى شمعة منطفئة، ومعطفا رثًّا باهت اللون، مثبتًا على مسمار بالحائط، وقبعة مثبتة على منفذ دخان المدفأة. وعلى الأرض حزمة أوراق تضم أعمال الشاعر، موضوعة بجوار المحرقة التي تتدلى منها بقايا أوراق. وحذاء شتوي، وأداة لخلع الحذاء من الرجل. والغرفة خالية من كل ما يؤكل أو يشرب.

اللوحة كسرت الصورة النمطية الشائعة لدى الناس، يتخيلون الشاعر يعيش حياة مخملية باذخة مثل شعره، يرفل في النعيم والظروف المريحة للبورجوازية الصغرى. لا يمكنهم أن يتخيلوا مقدار العوز والفقر الذي يعانيه أكثرهم؛ فجاءت اللوحة تميط اللثام عن واقع مرير لهذه الفئة من المثقفين المرهفي الإحساس، الذين يغنون حياتنا بقصائدهم الرائعة وأناشيدهم التي ترددها الأجيال في حبور، في حين أنهم يعانون البؤس.

يلفت النظر في اللوحة أمران اثنان أفلح الرسام في تشخيصهما، وهما الفقر والاستغراق: فكما شخَّص الرسام الفقر بمعالم مادية بارزة، فإنه أفلح في تشخيص الاستغراق بملامح بارزة في الشاعر، منها عيناه اللامعتان المشعّتان، يمعن بهما النظر إلى أصابع يده التي يزن بها إيقاعات أبياته الشعرية التي أنهى كتابتها بريشته، وريشته يمسكها بين شفتيه بقوة، بسبب انشغال يده اليمنى بضبط إيقاع النص الشعري.

يبدو الشاعر الفقير مستغرقًا في معالجة قصيدته، متفاعلًا مع نصه، لم يمنعه فقره وعوزه من الاستمتاع بلحظته الرائعة؛ فالإبداع الشعري يبقى خير محرر له من أسر واقعه حتى في أوقات الضيق والعوز. إنه مفتاح الحديقة السرية التي توفر للقارئ غنى روحيًا وعقليًا وعالمًا آخر مختلفًا عن عالمه، يغنيه عن الغنى المادي والثروة اللذين قد يفتقدهما. هذه اللوحة يعدها الألمان ثاني أشهر لوحة بعد “الجوكندا”

دودة الكتب Der Bücherwurm

اللوحة زيتية على قماش، مقاساتها 50 سم x 27 سم، معروضة في متحف جورج شايفر بمدينة شوينفورت بألمانيا، رسمها عام 1850، بعد حوالي عشر سنوات من رسم لوحته السابقة، تشخص رجلًا متسلقًا سلمًا خشبيًا في مكتبة ليبلغ أعلى الرفوف، يمسك كتابًا مفتوحًا بيمينه وآخر بشماله يدنيه من عينيه يقرأ منه، وثالثًا تحت إبطه، وآخر بين ركبتيه. يتدلى من جيب سرواله الخلفي منديل يمسح به الغبار العالق بالكتب.

  مكونات اللوحة فضاء مكتبة دافئ منغلق وممتع، إحساس غامر بالهدوء ينشده القراء. ليفتح لهم أبواب الانطلاق في عالم القراءة الرحب.

المكتبة يبدو أنها ضخمة فاللوحة لا تحدها، والقارئ بلغ أعلى رفوفها، ارتفاع السلم لا يمكن تقديره، لكن وجود مجسم كرة أرضية يمكن أن يساعد على تقدير علوه.

والكتب مرتبة في رفوف بحسب موضوعاتها، الأمر الذي كان سائدًا في المكتبات الألمانية ابتداء من القرن الثامن عشر، والقارئ يتصفح كتب الميتافيزيقيا، حسبما يبدو من العبارة المدونة أعلى الرف بحروف بارزة.

الإنارة عادية، غير قوية، وشعاع من الضوء الغامر يسقط على القارئ ويساعده على القراءة، وهذا الشعاع من الضوء هو أحد مميزات الرسم عند كارل. القارئ مستغرق في القراءة بكل جوارحه على الرغم من وضعه غير المريح، ويبدو عليه أنه يعاني ضعفًا في النظر؛ لذلك يقرب الكتاب بشكل واضح إلى عينيه.

لا يوجد في اللوحة شخص آخر غير هذا القارئ، ولعل الرسام أراد أن يعبر بذلك عن ميل القارئ إلى الوحدة والعزلة، ولا مبالاته بالآخرين. عبارة “دودة الكتب” أو “جرذ الكتب” لقب يطلقه الناس على سبيل المزاح على عشاق الكتب، المدمنين على القراءة، ليست انتقاصًا من قيمتهم أو تهكمًا منهم، لكنها تخفي وراءها دعوة إلى الانفتاح على العالم الواقعي المحيط بالمرء، وحجتهم أن الكتب تحجب الواقع، وأن حقيقة الحياة تقع خارج المكتبات التي تنغلق على نفسها وكتبها وقرائها؛ إلا أن فعل القراءة والاستزادة من المعرفة ليس فعلا معيبا، في أي زمن من الأزمان، وأي صقع من الأصقاع، ما دام دعوة تلفت النظر إلى عالم الكتاب الضخم الذي يحتاج لاستكشافنا.

ميل المثقف إلى الانطواء يجعله يستمد الطاقة من ذاته، من تأملاته، وتظل القراءة هي القناة التي يمتح منها الخبرات والتجارب؛ لأنه يستخرج من خبايا الكتب ما أودعه فيها مؤلفوها من خبراتهم وحكمتهم وتجاربهم منذ آلاف السنين. ثقافات وحضارات ومدنيات كثيرة تعاقبت على تاريخ البشرية، خلفت لنا تراثا مدونا في الكتب، لابد من أجل امتلاكه من القراءة، لفتح حوار مع هذه الثقافات والحضارات. وفي هذا المعنى قال عباس محمود العقاد: (الكتب هي تجارب آلاف من السنين في مختلف الأمم والعصور، ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من عشرات السنين).

الرأفة بالمثقفين

لوحتا الرسام أصبحتا رمزين للثقافة، وأضحتا محط اهتمام كثير من الفنانين، الذين استلهموا الروح النبيلة الكامنة فيهما. اللوحتان تم إعادة إنتاجهما في شكل تذكارات سياحية ثقافية منقوشة على صحون فضية، أو على الخشب، أو مجسمات ثلاثية الأبعاد بالبرونز أو الطين المشوي. لتزين زوايا ورفوف منازل المثقفين والأدباء، وساحات كثير من المدن وفضاءات القراءة بها. اللوحتان، بمسحتهما الكاريكاتورية، تصححان الصورة النمطية عن المثقف ساكن البرج العاجي، وتؤكدان أن المثقف إنسان كسائر الناس، فالشاعر يتعايش مع ضعفه وفقره، يتمسك بأنفته وعفته ولا يبدي لغيره غير وجهه البشوش، ويغني للربيع والحب، ينشر الفرح ويرسخ الأخوة والتسامح والسلم بين الناس، يسقي ألحانه بآلامه ودموعه. والبرج العاجي الذي يتخيله الناس مقاما للمثقف، هو مجرد قلعة للتأمل والانزواء، والتفكير في مشاغل الناس على الأرض والبحث عن حلول لها. وقد يكون هذا البرج أسوأ حالا من منازل كثير من الفقراء.

 

 

0 589 29 أغسطس, 2018 الثامن والتسعون, حداء الروح أغسطس 29, 2018