حجٌ مجنون

لـ

 

١.

يروي الرواة أن الناس أشاروا على أبي قيس العامري أن يمضي بابنه المجنون إلى الحجّ علّه يُشفى من العشق الذي ألمّ به قبل أن يهلك، فأخد الأب ابنه إلى الحج فعلاً في قصة مثبتة في كتب التراث الشعري، وهذه رواية الأصبهاني: قال الحي لأبيه: احجج به إلى مكة وادع الله له، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة فيسأل الله أن يعافيه مما به ويبغضها إليه؛ فلعلّ الله أن يخلصه من هذا البلاء.

إن قصة المجنون نفسها محاطة بالكثير من الغرائب ما يشير إلى قرابتها من الأسطورة؛ لذلك نجد صاحب الأغاني يقدم الشك والتبرؤ من توثيق أخبار المجنون وأشعاره لكنه يوردها، فبغض النظر عن الشك تبقى قصة لا نستطيع إنكارها كما فعل الجاحظ وطه حسين، ولا قبولها جملة على ما زيد فيها.

قارئ الشعر له خيال مختلف فهو يثبت القصة والأخبار والشعر، بعضه على الأقل، ثم يتصور أن المجنون نذر زيارة إلى بيت الله: عليَّ لئن لاقيتُ ليلى بخلوةٍ زيارةُ بيتِ اللهِ رَجلانَ حافيا

لقد نذر العاشق نذرًا وهو بانتظار تحققه، يعلق المجنون زيارته للبيت الحرام مثلما تعلق الأمهات نذور الحج بشفاء أبنائها، وهنا ينذر المجنون نذرًا إذا تحقق علاج قلبه الذي وقع في شرك العشق كطير قطا:  كأن القلبَ ليلةَ قيل يغدى بليلى العامريةِ أو يراحُ/ قطاةٌ عزّها شرَكٌ فباتت تجاذبهُ وقد عَلِقَ الجناحُ.

إذن فالشفاء والتخلص من الصيد يكون بيد الصياد نفسه، والمراد لقاء خلوة مع المعشوقة، وقارئ الشعر يلذّ له التخيّل، بما أن الشعر نوع من معالجة الواقع بالخيال، فإن تلك الخلوة قاربت الحدوث أو حدثت، ولذلك أصبح لزامًا على المجنون أن يفي بنذره ويحج.

المجنون ليس مجنونًا بالمطلق؛ وإلا لما تمكّن من قول الشعر، ذلك الشعر المعزز بحساسية شعريّة مُذهلة، إنه مؤهلٌ فعلاً ليجلس كملك على العرش الرمزي للعاشق، أعلى حتى من جميل بثينة وكثير عزة وهو الذي تروي الروايات اعترافه بأفضلية المجنون، إن المجنون مجنون عشق، مجنون بليلى: يسمونني المجنون حين يرونني نعم بيَ من ليلى الغداةَ جنونُ. وهذا الذي يلهم أحمد شوقي فيكتب مسرحية المجنون التي يلحنها ويغنيها عبد الوهاب وأسمهان، ثم يلحنها رياض السنباطي، ويلهم الشاعر الفرنسي لويس أراغون ليكتب كتاب مجنون إلسا (ترجمة سامي الجندي) الذي يتبين من قراءته أنه يجعل المجنون يعشق عزه (إلسا) لا ليلى؛ المجنون إذن ملك عشق متوج وما كرسي العرش إلا أبيات شعر العشق لا غيرها: إذا ما قرضتُ الشعرَ في غيرِ ذكرها أبى وأبيكم أن يطاوعني شعري.

 

٢.

يرحل قيس إلى الحج، لكن ليلى أيضاً راحلة إلى الحج، ولا نعرف كيف صارت ليلى بين الحجاج، لكن ما دامت كذلك فإن الحج يصبح مقصدًا وحجًا للعاشق بلا شك، وتصبح رحلة الحج رحلة العمر فعلاً: أحُجاجَ بيتِ اللهِ في أيِّ هودجٍ وفي أيِّ خدرٍ من خدوركمُ قلبي/ أأبقى أسيرَ الحُبِّ في أرضِ غربةٍ وحاديكمُ يحدو بقلبي في الركب؟

بين آلاف البشر القادمين حجاجًا من كل فج عميق يسأل المجنون وقد تكاثرت عليه الهوادج والخدور عن ليلى ويضع قلبه محلها، يسأل عن قلبه، أي عن ليلى ولا يدري أين هي، كيف للحادي إذا أن يحدو بالركب وقلب المجنون مفقود في الركب والمجنون لا يعلم أين قلبه ؟ والقلب مع ليلى وبالأحرى ليلى نفسها هي القلب، إن المجنون محكوم بهذا المصير، أن يعيش جسدًا وقلبه في مكان آخر، ينمو عشقه في تلك المسافة الفاصلة بينه وبين قلبه المرهون بليلى منذ أيام الرعي في الصغر عند جبل التوباد: صغيرين نرعى البَهمَ يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ.

 

٣.

يصل المجنون الحج بحثًا عن ليلى فهو يذكرها، ومكة ملأى بالناس من كل حدب وصوب، يدفعه طوفان بشري هائل في أيام معدودات وهو مثل حصاة في نهر، وسط حشد الحج والضجيج والحركة الدائبة ليل نهار يجد المجنون نفسه وسط طواف الناس بالكعبة فتذكره بكعبة قلبه التي يطوف عليها حياته: ذكرتكِ والحجيجُ لهم ضجيجٌ بمكةَ والقلوبُ لها وجيبُ/ أتوبُ إليكَ يا رحمنُ مما علمتَ فقد تظاهرتِ الذنوبُ/ وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوبُ/ فكيف وعندها قلبي رهينٌ أتوبُ إليكَ منها أو أُنيبُ.

يذكرها ليس لأنه نسيها بل يذكرها بالاسم أمام الله، يقول لها لقد ذكرتك ويروي لها دعاء طوافه، فهل العشق ذنب على العاشق أن يتوب إلى الرحمن منه؟ فإذا كان ذنبًا وعلى العاشق التوبة فكيف يتوب وقلبه ليس حاضرًا لديه، إن التوبة تستلزم حضور القلب، والقلب مع ليلى فكيف يمكن التوبة من قلب المرء؟ إنه مطلب تعجيزي مستحيل على العاشق، ومن يطالب العاشق بالتوبة لا شك مجنون، وحده المجنون يدرك هذا النوع من الجنون لذلك فهو يصطاده بسهولة، وما يستحيل تنفيذه يكون من التعجيز طلبه، وما يلح أهل المجنون في طلبه مطلبٌ مستحيل تعجيزي قطعًا، ذلك أن الرحمن نفسه هو من قدر له هذا العشق، وهو من اختار ليلى لتمتلك قلبه: خليليّ لا والله لا أملك الذي قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا/ قضاها لغيري وابتلاني بحبّها فهلا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا.. هلا كان العذابُ في شيء آخر غير عشقها؟ فكيف أصبح عشقها هو نفسه العذاب؟

 

٤.

يمضي قيس في مناسك الحج، ليظهر قصد حجه الحقيقيّ، فإذا كان الحج عرفة؛ حيث يقف الناس شعثًا غبرًا في الشمس يتوبون إلى الله مما فعلوه من خطايا ويدعون الله دعواتهم الحقيقيّة، ويطلبون ما يطلبونه في الدنيا والآخرة، فإن قيس ينهض هو الآخر ليدعو الله، بحجه وقصده الأساسي، وهو الطلب نفسه بكل تأكيد، وفي عرفة ينافس المجنون كل الناس بدعوته: دعا المحرمونَ اللهَ يستغفرونهُ بمكةَ شُعثاً كي تمحّى ذنوبها/ وناديتُ يا رحمنُ أولُ سؤلتي لنفسي ليلى ثمّ أنتَ حسيبُها/ وإن أُعطَ ليلى في حياتي لم يتُب إلى اللهِ عبدٌ توبةً لا أتوبها.

إن ليلى هي المطلب الأول والأخير، هي المقصد الذي فيه الحياة ودونه الموت، هي غاية الحج الرئيسة، الناس يحبون أنفسهم ويطلبون لذواتهم الغفران، أما قيس فهو يحب ليلى ويطلبها هي، فإذا نالها فإنه ينذر نذرًا آخر، ينذر توبة تشمل كل توبة، توبة التوبات، أي أقصى ما يمكن بلوغه من توبة.

إن المستحيل من دون ليلى يصبح ممكنًا إذا حضرت، إنها هي وحدها التي يمكنها تحويل المستحيل إلى ممكن. لكن في الواقع هل سيظفر المجنون بتوبة التوبات تلك أم لا شيء إلا خيال جبل التوباد يحييه في شعره؟

 

٥.

يقفل الناس من عرفة ليبيتوا بالمزدلفة ويتجهون إلى منى ليقيموا بها أيام التشريق، يحدث هناك حدثٌ يهزُّ كيانَ العاشق، في ازدحام الناس الشديد، عند مسجد الخيف في مِنى ينادي أحدهم ليلى، فيرن اسمها في سمع قيس، أهي هنا؟ هل فعلاً قبل الله حجّه؟ أهي هنا حاجة بين الحجاج وهي قربه، أم كل ذلك مجردُ أوهام؟: وداعٍ دعا إذ نحنُ بالخيفِ من مِنى فهيَّج أحزانَ الفؤادِ وما يدري/ دعا باسمِ ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرًا كان في صدري.

أصبح اسم ليلى لا يعني غير ليلى واحدة، أحقاً هناك أخريات يحملن الاسم نفسه، أحقًا هناك أخريات أصلاً، ما الأخريات؟ وكيف يمكن أن تحمل اسم ليلى امرأة غير ليلى؟ ها طائر الصدر يجوب حيران بين هذه الأسئلة، غريبًا فوق جموع الناس يبحث عن ليلى، ولا يجدها، لقد تحولت ليلى إلى مجرد اسمٍ يمكن أن تنادى به أية مجهولة عند مسجد الخيف، ها قد طار طائر الصدر، وطاش اللب، وبلغ المجنون قدره المؤكد، سيهيم بليلى حياته كلها، حتى إذا تقدمت ليلى في العمر وصار لها أحفاد وشابت بناتها، فقد ذهب القلب مع ليلى ولن يعود.

إن حج المجنون في المحصلة لن يظفر بشيء غير هذا الاسم. هذا الصوت. الذي ستصدح به فيروز بعد قرون من ألحان الفنان السوري محمد محسن: أحبُّ من الأسماء ما قارب اسمها ووافقهُ أو كان منهُ مدانيا.

 

٦.

الحادثة السابقة تكون مجرد بشارة عن الحادثة الجليلة القادمة، فاللقاء بين قيس وليلى يحدث فعلاً في ذلك الحج الخطر، وبالتحديد عند رمي الجمرات، يراها قيس ترمي الجمرات، فلا يبقي منه ذلك المشهد شيئاً غير الصدى:  ولم أر ليلى بعدَ موقفِ ساعةٍ بخيفِ مِنىً ترمي جِمار المحصّبِ/ ويُبدي الحصا منها إذا قذفت بهِ من البردِ أطرافَ البنانِ المخضّبِ/ فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناظرٍ معَ الصبحِ في أعقابِ نجمٍ مغرّبِ/ ألا إنما غادرتِ يا أُم مالكٍ صدىً أينما تذهب بهِ الريحُ يذهبِ.

إن هذا هو مشهد اللقاء الأخير بين قيس وليلى، لم يرها مرة أخرى، آخر مرة حدثت هي في ذلك الحج، عند رمي الجمرات، وبعد هذا الموقف يتحول العاشق نفسه إلى صدى، إلى مجرد صوت يرتد، يرن، هو صوت العشق، والعاشق صداه، صدى ذلك المشهد، حيث رأى قلبه يذهب، كما يذهب آخر نجمٍ مع قدوم الصبح، يحل الصبح، أي الواقع، فتختفي فيه الحبيبة والقلب والنجم، ويجد العاشق نفسه قد تحول إلى مجرد صدى، ليس حتى صوتاً أصيلاً، بل هو مجرد رجع الصوت، كل أشعاره وصوته وكلماته وأسمائه هي رجعٌ لعشق ليلى، وهناك في تأكيد إدراكه لتلك الخسارة المحتمة، حيث لا شيء سيعيد إليه ليلى، حتى بما في ذلك الحج نفسه يرنّ صدى بيتٍ آخر: فقدتُكِ من نفسٍ شُعاعٍ فإنني نهيتُكِ عن هذا وأنتِ جميعُ/ فقرّبتِ لي غيرَ القريبِ وأشرفت عليكِ ثنايا ما لهنّ طلوعُ.. إن قدر العاشق، وهو يدرك ذلك، أن يبقى دائماً في العشق، عند الثنايا، مقدمات المنازل، فلا الثنايا تغيب عن ناظره ولا هي تطلع، يقف العاشق مع الصبح يبكي أبدًا مشهد أفول النجم. حتى يعيد الصدى صوت فيروز تغني له في الموشحات مع وديع الصافي: بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهلِ بعدَ الحلمِ أسبلتا معا/ (وأذكرُ أيامَ الحِمى ثم أنثني على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا)

 

٧.

تنتهي أيام الحج، ويحين طواف الوداع، فيطوف المجنون حول الكعبة بهذه الشعر: لقد طفتُ سبعاً قلتُ لما قضيتُها ألا ليتَ حجّي لا عليَّ ولا ليا/ يسائلني صحبي فما أعقِلُ الذي يقولونَ من ذكرٍ لليلى اعترانيا/ إذا جئتَ بابَ الشعبِ شعبَ ابنِ عامرٍ فأقرِ غزالَ الشِعبِ مني سلاميا/ وقل لغزالِ الشعبِ هل أنتَ نازلٌ بشِعبكَ أم هل يصبحُ القلبُ ثاويا؟

 

أتم المجنون طوافه الرمزي، بسبعة أشواط، كل شوطٍ منها بيت شعري، لكنه يتمنى أن يكون حجه لا عليه ولا له، يمكننا أن نفهم أمنيته ألا يكون حجهُ عليه أي غير مقبول أو مردود، لكن كيف نفهم أنه لا يريد أن يكون حجه مقبولاً، فأن يكون الحج لا مقبولا ولا مردودًا فذلك يعني أن لا يكون الحج نفسه، أي أنه يريد أن يكون كمن لم يحج بعد. إن العاشق يريد أن يلغي حجه.

ألم يتحول حجه إلى فصل مؤلم من فصول عشقه، وفي هذا الفصل لم يخرج بغير اسم ليلى ومشهد وداعها النهائي، لكن لا لقاء ولا خلوة، لا شيء غير الاسم والذكرى، أي مجرد كلمة ومشهد، كما أن كل ما لديه هو شعر، أي مجرد كلمات وصور، لكنها كلمات نبتت في أرض العشق، تلك الممتدة بين الشاعر وقلبه الرهين عند ليلى، فليكن إذاً حجه ملغيا ما دام لم يظفر بليلى، وليكن مقبولاً ما دام حج من أجلها، إنه يريد من هذا الحج ذكرى عشقه فقط، أما الباقي فلا، فليكن الحج ملغيًا كأن لم يكن، وليبقَ العشق وهذا ما تثبته بقية الأبيات.

يعرف المجنون أن ليلى مقيمة في شعب ابن عامر (شعب عامر) فيبعث إليها رسول الشعر بالسلام، بما أن صوت الشعر يصل حيث لا يصل الشاعر نفسه، فإذا انتهى من السلام فليسألها عن طول إقامتها في الشعب أم هل سيعود القلب إلى مكانه في صدر العاشق مع الصباح؟ هذا في النهاية كل ما يريده العاشق، ليس الحج نفسه والعودة منه، بل عودة القلب، لماذا؟ لأنه مجنون بسبب ذلك القلب نفسه الذي أصبح ليلى.

 

كيف للمجنون بالعشق أن يعقل غرضًا آخر غير عشقه؟ إن ذلك يشبه المستحيل نفسه الذي يريد منه التوبة من العشق؛ إذ لا يمكنه أن يؤدي توبة التوبات دون أن يظفر بقلبه، الذي يستوعب به ويدرك ما حوله، فما دام قلبه رهينًا ولم يظفر بليلى فكيف لأي شيء آخر أن يحدث فعلاً، إذن لا الحج، ولا الطواف ولا مبيت منى ولا وقفة عرفة، ما لم يحدث الظفر بليلى وعودة القلب في الصباح.

 

٨.

لقد زادني الحُجاجُ شوقاً إليكمُ وقد كنتُ قبلَ اليومِ للحجِّ قالياً/ فما نظرت عيني إلى وجهِ قافلٍ من الحجِّ إلا بلَّ دمعي ردائيا..

ينتهي موسم الحج، والعاشق أينما رأى حاجًا قافلاً إلى بلده بكى، إن الحج يصبح موضوعا للذكرى، هو الذكرى الجديدة للعشق، يظفر الحجاج بحجهم، أما العاشق فإنه لم يظفر بمحبوبته، بل تحولت المحبوبة إلى مجرد اسمٍ يمكن سماعه صدفةً عند مسجد الخيف في منى، ومشهد غروبٍ نهائي قاطع مؤلم عند الفجر، مشهد اللقاء الأخير، سيبتل رداء العاشق بدمعه، ولا شفاء، كل ما سيحمله العاشق معه هو هذا العشق، أما المعشوق نفسه فلن يظفر به، هكذا سيصبح العشق نفسه بديلاً للمعشوق، فيستعيض المجنون عن ليلى الذاهبة بعشقها، وما دامت ليلى ليست معه، فإن عشقه لها معه، لا شك إذًا أنهُ لن يفرّط فيه أبدًا، فالعشق هو كل ما بقي منها، وهو كل ما خلّفه القلب من إرث.

 

0 662 29 أغسطس, 2018 الثامن والتسعون, ثقافة وفكر أغسطس 29, 2018