اليوتوبيا الواقعية

لـ

الكتاب: اليوتوبيا الواقعية: أو كيف الوصول إليها.

المؤلف: روتجر بريجمان

الناشر:BLOOMSBURY, 2017

عدد الصفحات: 316

لغة الكتاب: الانجليزية

 

العودة لليوتوبيا من جديد

يناقش هذا العمل على مدى عشرة فصول مسألة بالغة الأهمية في عصرنا الحالي، والعصور الماضية على حدٍ سواء، وهي مسألة خلق عالم واقعي جديد، مثالي وفاضل، يوتوبيا بلغة أخرى، من الممكن عن طريقها إسعاد، وإطعام الكثير من الأفواه والأشخاص في جميع بقاع العالم؛ ذلك أن العصر الحالي مقارنة بالعصور السابقة يعدّ الأفضل والأحسن في الكثير من النواحي والمسائل المختلفة إن لم يكن جميعها، فبحسب الإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات المختلفة الحكومية والخاصة، نجد أن الكثير من الأمراض قد اختفت، وأن الفقر في تراجع، كما أن عدد السكان في ازدياد، والعمل أصبح منتشرًا أكثر من أي وقت مضى، كما أن الغذاء قد توفَّر في الكثير من بقاع العالم، حتى إننا نجد أن السمنة قد انتشرت لدى الكثير من الأفراد مقارنة مع الفترات الزمنية السابقة، وهذا يدل على وفرة في الغذاء، أو ربما من الجهة الأخرى خللا في الاستخدام. ونتيجة لذلك نشأت ما يمكن تسميتها “بالأجيال المدللة”(ص17)، التي تم شحنها بأنها الأجيال الذهبية أو المميزة، تلك التي من الممكن أن تقوم بأشياء وإنجازات خارقة أو غير مسبوقة من جميع النواحي، كما أنه بإمكانها تغيير العالم في لمح البصر، غير أن هذه الطموحات قد تغيّرت اعتبارًا من 1950م، إذ نجد أن التشابه قد طغى على المشهد العالمي ككل، فالجميع يشاهد الأفلام نفسها، والكتب المقروءة أصبحت متقاربة، والأحذية الرياضية أصبحت متشابهة أكثر من أي وقتٍ مضى.

لا يعني بأي حالٍ من الأحوال بأن العصر الحالي أفضل من العصور السابقة من النواحي المذكورة سابقًا او غير المذكورة، بأنه لا يحتاج إلى يوتوبيا أو لعالمٍ أفضل من الحالي، ذلك أن الإنسان يطمح بشكلٍ مستمر ومتواصل للكمال بحسب مقاييسه البشرية المتعارف عليها، وللتقدم حسب إمكانياته المتوافرة، الأمر الذي يعني وضع خطط عمل من الممكن تحقيقها وتنفيذها، وعدم الاكتفاء كما كان يحدث سابقًا  بالتهويمات الشعرية، والتأملات التي لا يمكن تطبيقها؛ ذلك أن اليوتوبيا تعدّ في الكثير من الأحيان بمثابة “شريان الحياة للديمقراطية”(ص21)، فهي تبدأ بطموحاتٍ صغيرة، وأحلام متواضعة، فبدون هذه الطموحات سيبقى العالم في وضعه السابق من الفقر، والمرض، والجهل، والقُبح وغيرها، فالمرحلة الأولى من اليوتوبيا هي زرع الأمل في إمكانية خلق عالم جديد مليء بالسعادة، والصحة، والجمال والمساواة من الممكن أن يتجسد بطرق مختلفة.

في الفصل الثاني يتناول المؤلف فكرة تخصيص دخل مجاني للجميع التي تبدو يوتوبية أكثر من اللازم (ص25)، وبشكلٍ خاص لأولئك الذين لا يعملون كالمشردين، والعاطلين عن العمل، والفقراء، والكثير من فئات المجتمع التي لا تملك مصدر دخل خاص بهم فهي لا تنتمي للراهن، ذلك أن الفكرة المتداولة والسائدة أن الدخل يأتي نتيجة للعمل وللجهد الشخصي الفردي، كما أن هناك انطباعات سابقة ملازمة لهذه الفكرة، وهي بأن الدخل المجاني الذي يعدّ كحدٍ أدنى للمعيشة يسهم في إنتاج أشخاص كسولين، لا يعملون، ويقومون بتبذير الأموال، واستخدامها بشكلٍ غير جيد، وربما توظيفها بشكلٍ سيئ وضار، فهي من الممكن أن تذهب في المخدرات، وغيرها من الجوانب الضارة, فهناك الكثير من الأصوات التي ذهبت في هذا الاتجاه، فهي من الممكن أن تكون بدون فائدة وخطيرة، وشكلاً من أشكال الفساد العلني، كما أنها تؤسس لأشخاص يعتمدون على الآخرين بشكلٍ كامل وكبير، فمن ضمن الأقوال الشائعة في هذا السياق بأن الفقراء لم يكونوا كذلك إلا لأنهم لا يعرفون كيفية التعامل مع الأموال بشكلٍ جيد، وهذه الأقوال لم تنحصر فقط على اليوتوبيا؛ بل وصلت أيضًا إلى فكرة الديمقراطية، كما جاء على لسان العديد من المفكرين (ص42)، في حين أن العالم أصبح يتوق لهذا النظام السياسي أكثر من أي وقت مضى.

في المقابل، نجد هناك بعض الدراسات والبحوث، والتجارب التاريخية، والإحصائيات المنشورة التي يوردها المؤلف الشاب تذهب في اتجاه آخر؛ ذلك أنه قد تم تطبيقها في عددٍ من البلدان المختلفة، وفي سياقات متفاوتة، وهي تأتي بشكلٍ مستمر بنتائج إيجابية للأفراد والمجتمعات على حد ٍ سواء، حيث يورد المؤلف رسالة لكبار علماء الاقتصاد نشرت في عام 1968م في الكثير من الصحف العالمية، إبان المظاهرات التي سادت الشوارع في تلك الفترة مفادها بارتباط المسؤولية في البلاد بين الجميع وعلى الحكومة توفير الحد الأدنى للدخل للكثير من الفئات التي تقع في مستويات مالية ضعيفة، كما نجد منها ما حدث في أمريكا في عهد الرئيس نيكسون، أوغندا، كندا، وكينيا على سبيل المثال. فعن طريق الحد الأدنى للدخل المجاني ظهرت الكثير من النتائج الإيجابية غير المتوقعة على الأفراد والأسر، وبشكلٍ خاص تلك التي تقع تحت خط الفقر؛ إذ انخفض الزواج المبكر الذي يؤدي بدوره إلى تكوين أسر فقيرة، كما نجد أيضا انخفاض أعداد المواليد بشكلٍ كبير، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المجموعات قد تحسن مستوى التعليم ونوعيته الذي يحصلون عليه، فهم عن طريق هذا الدخل أصبحت لديهم طموحات مختلفة، ومشاريع مستقبلية، تهدف إلى تطوير الذات، والخروج من مستوى المعيشة الحالي إلى مستوى أفضل.

بالإضافة إلى ذلك نجد – وعن طريق الإحصائيات المنشورة والمستقاة من مصادر مالية مختلفة- بأن تكاليف الحد الأدنى للدخل المجاني للجميع، لا تصل إلى 1% من حجم الإنفاق العسكري في الكثير من الدول ومن ضمنها أمريكا (ص43)، فالحرب ضد الفقر بهذه الطريقة لا يتم مقارنتها بهذه الأحجام الكبيرة والهائلة للإنفاق العسكري وغيره؛ بل يتم الحديث عنها كما سبق القول عن طريق الكثير من التأملات والأفكار السابقة التي تُرسخ بدورها المزيد من الأفكار النمطية عن اليوتوبيا، والحلول التي تأتي من خارج الصندوق المتداول والسائد.

يتطرق المؤلف في الفصل الرابع (ص77)، إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقصته حول تكاليف الحد الأدنى للدخل، وذلك من منطلق الاستفادة من الماضي النظري والتجارب التاريخية على حدٍ سواء؛ فالماضي يتم النظر إليه في هذا السياق على أنه “دولة غريبة” كما قال أحد الروائيين حسب الكاتب، حيث يتم التصرف والعمل في الحاضر بشكل ٍ مغاير لما كان عليه الوضع في الفترات الماضية، فالماضي لا يقوم على تطبيق بعض الرؤى؛ بل أيضًا يقوم على الدفع بالخيال لحدوده القصوى.

في هذا السياق،  نجد أن ما قام به نيكسون في عام 1969م وعن طريق مستشاره الاقتصادي مارتن اندرسون، عندما قام بسن قانون للدخل غير مشروط للأسر الفقيرة، وذلك في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي كان يعيشها المجتمع الأمريكي التي سبقت فضيحة ووترجيت التي أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون من منصبه عام 1974م. استند تقرير اندرسون والمكون من 6 صفحات، على ما حدث في إنجلترا قبل 150 عامًا، الذي تم عنونته “تاريخ مختصر لنظام الأمن العائلي” وذلك بناء ً على كتاب عالم الاجتماع الهنغاري كارل بولايني في كتابه “التحولات العظيمة” الصادر عام 1944م، حيث يصف بولايني أول نظام اجتماع في دولة الرفاه عندما تم استحداثه في انجلترا في القرن التاسع عشر، الذي يهدف إلى وضع التوازن في الدخل الأساسي بين المواطنين؛ ذلك أن النظام السابق كان مدمرًا، ولا يحرض الفقراء على الخمول والكسل؛ بل ويزرع المخاوف من النظام الرأسمالي، ففي هذه الحالة فإن الوضع بشكل عام يبدأ بعدم وجود إنجازات واختراعات اجتماعية سوى “الحق في الحياة” الذي يُلغي أو يقلل من التنافسية في السوق الحرة.

في مقدمة هذا التقرير تم وضع عبارة مهمة جدًا للكاتب الأمريكي الأسباني جورج سانتيانا، التي تقول: أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي سيغضبون عندما يتكرر، ذلك أن هذه الجملة التي أدهشت نيكسون جعلته يتخذ قرارًا مهما بهذا الصدد.

في الفصل الخامس (ص101) يتطرق المؤلف في فصل بعنوان “أرقام جديدة لعصرٍ جديد” إلى أن الأرقام والإحصائيات الجديدة المتوفرة، تنبئ عن مولد عصرٍ جديد، إذ تشمل هذه الإحصائيات آثار الكوارث الطبيعية، وأرقام الضحايا، وتأثير ذلك على الناتج المحلي لكل دولة على حدة، كما يشمل أيضًا أرقام الانكماش الاقتصادي، والانتعاش أيضًا؛ غير أنه – ومع كل ذلك-  فإن هناك أجزاء كثيرة من الصورة لا تُرى في هذا الإطار، وهذه الأجزاء مهمة، ولها تأثيرها في الوضع الاجتماعي العام بعيدًا عن الإحصائيات الإجمالية التي تذكر الناتج المحلي أو القومي لكل دولة، فهناك الكثير من التفاصيل التي لا يتم ذكرها كما هو الحال في السوق السوداء، وتأثير ذلك في الوضع العام للمجتمع، إذ نجد أن الخدمات المجتمعية، وأعمال النساء المنزلية، والتهرب الضريبي،  والعُمال غير القانونيين، لا تدخل ضمن هذه الإحصائيات ولكنها تؤثر في الاقتصاد، فعلى سبيل المثال نجد أن السوق السوداء أثرث بشكلٍ كبير في الاقتصاد اليوناني، كما نجد أن إيطاليا ومنذ العام 1987م قد أدخلت السوق السوداء في الدخل القومي وذلك بعد النشوة والتعديلات الاقتصادية المهمة التي أخذت في الاعتبار الاقتصاد الضخم غير المرئي، والمحسوب، بما يعنيه ذلك من تهرب ضريبي، وعمالة غير شرعية.

بالإضافة إلى ذلك نجد أن هناك الكثير من الأشياء تخرج من حسابات الدخل القومي (ص106) كما هو الحال في الأمراض العقلية، السمنة، التلوث، ونسبة الجريمة،  وهو ما يجعل التساؤل مطروحًا: لماذا تقوم أمريكا – التي تُعد صاحبة اكبر دخل قومي في العالم- بقيادة العالم إلى المشاكل الاجتماعية في الوقت نفسه؟ ذلك أنه وحسب هذه المعايير فإن الجوانب الاجتماعية لا تدخل في هذا الجانب، بل يتم التركيز على العمل، والإنتاج، والدخل، والأرقام والحسابات.

في المقابل، يضيف الكاتب وبما ان لكل عصر أرقامه وإحصائياته الخاصة به، فهناك الكثير من البطون الجائعة التي ينبغي ان تملأ، والمنازل التي هي في حاجة للبناء، ذلك أن هناك طبقة تفكر كثيرًا بالمال غير الأغنياء، وهي طبقة الفقراء، الأمر الذي جعل النمو يوضع في المقدمة، وصدارة اهتمام الحكومات والأنظمة السياسية، ذلك أنه تم ربط الدخل القومي وجعله المقياس الدقيق للرفاه الاجتماعي، وهي الأسطورة التي انتشرت في الفترة الأخيرة، وهذا الرأي يشمل الكثير من السياسيين، الذين ركزوا فقط على مقاييس النمو والدخل القومي، فهي جيدة للعاطلين عن العمل، وللقوة الشرائية، وللحكومات التي بدورها تنفق المزيد من الأموال على المشاريع العامة. وهذا يقودنا إلى أن تاريخ مصطلح “الدخل القومي” لم يكن حاضرًا في الفترات الزمنية السابقة، وهو ما ينطبق أيضًا على المقاييس الأخرى في هذا السياق، كما أنه في السابق لم تكن هناك معايير متعارف عليها لقياس الدخل القومي للبلدان؛ وبالنتيجة للثروات والمسائل الاقتصادية الأخرى، الأمر الذي جعل إمكانية حدوث الثورات في السابق بشكلٍ أكبر وأكثر راديكالية، وهو ما يجعلنا أمام انتقال جذري للتدفقات النقدية التي مصدرها الأرض والثروات الطبيعية إلى الصناعات ولاحقا للإنتاج الذي يقوم على المكاتب والبنايات الضخمة الذي أضاف تصنيفًا جديدًا، ومقاييس مختلفة للثروات.

في الفصل العاشر (ص233) يتحدث المؤلف عن فكرة بالغة الأهمية بعنوان “كيف تُغير الأفكار العالم؟” حيث يقوم بسرد الكثير من الأفكار التي كانت صالحة ومقبولة في فترة زمنية معينة ثم أصبحت مرفوضة من قبل الكثير من فئات المجتمع المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ومن ذلك – على سبيل المثال – فكرة نهاية العالم التي انتشرت في نهاية ديسمبر 1945م لدى فئات كثيرة من المجتمع الأمريكي، وذلك بعد رؤية الصحون الطائرة تُحلق في السماء، إذ إن الفكرة الأساسية تقوم على أنه في منتصف ليل 31 ديسمبر سوف ينتهي العالم، مما جعل الكثير من الأشخاص يتأهبون لهذا اليوم، كل حسب ظروفه الخاصة، وسياقاته، وأفكاره، غير أن الأمر لم يحدث ومنتصف الليل قد انتهى، والصحون الطائرة لم تأت ِ أيضا ً، وساعة منتصف الليل قد تعطلت، والمؤمنون بهذه الفكرة قد أحرقوا كل جسور العودة التي تربطهم ببقية الحياة، ومع ذلك فإن الحياة استمرت وتواصلت.

وهذا يعني بأن الكثير من القناعات والتنبؤات لا يمكنها الصمود، والاستمرار إلى ما لا نهاية، بل تستمر لفترة زمنية معينة، إذ نجد أن هناك ظروفًا معينة قد تسهم في نموها وتخصيبها، في حين أن هناك سياقات مختلفة، ومغايرة تسهم بالعكس من ذلك، غير أن العناد وصلابة بعض الأشخاص ورفضهم لكل جديد مع وجود الكثير من الإحصائيات والبيانات التي تشير إلى صحة هذه الفكرة، يسهم في استمرار الأفكار القديمة، وتواصلها. وهذا يحدث بشكلٍ واضح عندما يأتي شخص ما بحجة مقنعة، وشواهد قوية، تدلل على صحة فكرته، إذ يقابلها الشخص المختلف بعناد وصلابة من جهة، أو يقوم بمراجعة أفكاره ومعتقداته والحفر العميق في قناعاته الشخصية من الجهة الأخرى، وهذا لا يحدث للكثير من الأشخاص، إذ إن معظمهم يشعرون بالراحة والطمأنينة مع أفكارهم القديمة، لذلك يستمرون عليها ويقدمون الكثير من الحجج والبراهين التي أصبحت غير مقنعة بسبب تغير الظروف وأنماط التفكير عن السابق.

غير أن السؤال هنا، ليس هل من الممكن حدوث ذلك، بل كيف من الممكن حدوث ذلك؟ فالأفكار الغريبة وغير المألوفة في الماضي ( 239) أصبحت اليوم عادية؛ بل ودخلت في الحس الاجتماعي المُشترك الذي يفكر به الجميع بمختلف طبقاتهم، ومستوياتهم الدراسية، وغيرها من الظروف، وهذا ينطبق – بحسب الكاتب – على الأحزاب اليمينية في أوروبا التي تحذر من “التطرف الإسلامي” أو المخاوف منه منذ العام 1990م، غير أن هذه الأفكار قد استرعت الانتباه والجدية اعتبارًا من أحداث 21 سبتمبر 2001م، وهذه القناعات القديمة لا تذهب بسهولة وببساطة، بل تحتاج إلى الكثير من الصدمات؛ فهي ليست كلعبة “الليغو” او المربعات التي من الممكن أن تزيح مربعًا وتستبدله بمربع آخر؛ بل تستدعي الدفاع عنها بالأسنان والأظافر في إشارة إلى قوة المعتقدات القديمة، وعدم سهولة التخلص منها، أو القبول بالمعتقدات الجديدة. ففي البداية يتم اعتناق هذه المعتقدات من قِبل فئة بسيطة، وتعدّ أقلية، غير أنها لاحقًا  تتسع وتزداد.

وهذا يعني في سياق هذا الفصل على سبيل المثال وبحسب المؤلف، بأن الرأسمالية تقاوم بضراوة شديدة كل من يختلف معها، أو يحارب فكرتها الأساسية وبشكل خاص من الأحزاب اليسارية، والاشتراكية على حدٍ سواء، وهو ما اتضح بشكلٍ كبير مع ميلتون فريدمان وآلن جرينسبانغ اللذين يعدان من أهم المنظرين الاقتصاديين في الفترة الأخيرة.

في خاتمة هذه العمل (ص253) يفتتح المؤلف الفصل الأخير بعبارة ملخصة للكاتب الاوروغوياني الشهير ادواردو غاليانو صاحب كتاب أبناء الأيام (1940م- 2015م) بهذه الجملة” اليوتوبيا في الأفق، أتحرك خطوتين للأمام، تتحرك خطوتين للأمام. أمشي عشر خطوات أخرى، والأفق يركض عشر خطوات للأمام. مهما مشيت لا أصل إليه. إذن: ما اليوتوبيا؟ إنها الاستمرار في المشي والحركة”. وهو يبدأ هذا الفصل أيضًا بتساؤل يطرحه للمرة الأخيرة: كيف نجعل اليوتوبيا حسب المعاني السابقة واقعًا وحقيقة وممكنة التحقق؟ فالطريق من الأفكار والأحلام للواقع – حسب المؤلف – فاتن وساحر ومغري باللحاق. فإذا كانت السياسة كما قال بسمارك هي فن الممكن، فإنها هنا تعني جعل المستحيل ممكنًا وحتمي الحدوث.

يواصل المؤلف هنا فتح نافذة افرتون وهو محام ٍ أمريكي صرح سؤالا ً بسيطا ًفي العام 1990م حول: لماذا لا تؤخذ الكثير من الأفكار بشكل جدي من قبل الكثير من السياسيين؟ حيث يذهب أفرتون إلى ان السبب يكمن في رغبتهم بإعادة انتخابهم من جديد، لذلك لا يأخذون الكثير من الأفكار المتطرفة والمثالية محمل الجد ولا يدافعون عنها، بل ولا يطرحونها للرأي العام. إذ تقوم هذه النافذة على العديد من النقاط، من بينها: القبول، الانتشار والمجال السياسي؛ ذلك أن كل من سار أو واصل المسير خارج هذه النافذة سيواجه طريقًا صعبًا، وسوف يتم وصمه بشكلٍ سريع بأنه “غير واقعي” أو “غير معقول”، وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة بما فيها التلفزيون التي تمنح وقتًا ضئيلًا، أو بسيطًا  لأصحاب الأفكار المختلفة بشكلٍ أساسي.

في المقابل، فإننا نشهد على تحولات ضخمة وهائلة، كما هو الحال في ثورة 1968م الباريسية التي رفعت شعار “كن واقعيًا، واطلب المستحيل”، إذ نجد أن هناك الكثير من الإنجازات قد تحققت ومن أهمها: نهاية العبودية، وحرية المرأة وحقوقها، ودولة الرفاه، وغيرها، فكل هذه الأفكار قد تصاعدت، ففي البداية كانت تعدّ “مجنونة” وغير معقولة، لكنها الآن أصبحت عادية جدًا، بل ومشتركة بين الجميع، وتلقى الكثير من القبول في المجتمعات والسياقات الأخرى. وهو ما يعني بأننا يجب أن نكافح من أجل الأفكار التي تبدو الآن غير معقولة كما هو الحال في فكرة اليوتوبيا وكل تفاصيلها هنا، بما فيها الدخل المجاني للجميع، أسوة بالكثير من الأفكار التي كانت تبدو مستحيلة، وتُعد ضربًا من الجنون.

0 473 12 سبتمبر, 2018 التاسع والتسعون, ثقافة وفكر سبتمبر 12, 2018