الفنان ومأزق الوجود في أفلام أندريه جوافسكي

لـ

التعبير: شراسة الذات.

كان لقيِمة التأكيد على الجانب الشُعوري مع ظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر نقلة مهمة في الفن التشكيلي، تجلت بكل عنفوانها في أعمال فان جوخ، وامتدّ تأثيرها إلى الموسيقى في أعمال شتراوس والمسرح مع فيرتولت بريخت، والسينما مع فريتز لانغ، أعطى المذهب التعبيري للمبدع الحق في الذهاب إلى أماكن غير مسبوقة بانفعالاته؛ فهي أشبه بقطيع أحصنة تجري بلا أرسنة في البراري، ومع ما شكّله هذا الاتجاه من انتصار للغريزة على تدجين التحضر إلا أن التحدي الأكبر كان خلق ذلك الاتزان بين ذاتية الفنان وجمهوره، لطالما كانت للسينما علاقة مميزة مع جانب التأثير، لامتلاكها على البعد الرابع (الزمن)، ذلك الانزلاق المتتابع للمشاهد الذي يعطي ألوانًا متباينة من الأفكار المنبثقة من تفاعل الشخصيات في محيطها بكل ما فيه.

 

أندريه جوافسكي: تاريخ من الرفض.

ولد أندريه جوافسكي Andrzej Zulawski في عام ١٩٤٠ في مدينة لفيف Lwów البولندية (صارت جزءًا من أوكرانيا الآن)، درس السينما في أواخر الخمسينات في فرنسا، وبعد منع عرض فيلمه الثاني (الشيطان ١٩٧٢- Diabel) في بولندا لجرأته وصعوبة تأويله استقرّ في فرنسا، حيث حقق أنجح أعماله، وحتى بعد عودته لبولندا مُنع فيلمه (على الكوكب الفضي – ١٩٨٨ Na srebrnym globie) للأسباب نفسها؛ فقرر العودة إلى فرنسا. بتتبع مسيرة جوافسكي الفنية اتضح لنا أنه سار في أهم أفلامه وفق نمط مميز: فتاة في عالم الاستعراض تواجه تحديات تضعها في مأزق أمام نفسها وأمام الجمهور؛ وسنتتبع ذلك وفق تسلسل زمني مع ثلاث نجمات مختلفات لثلاثة أفلام (للمثال لا الحصر) وهي: ما يهم هو الحب (١٩٧٥) L’important c’est d’aimer وفتاة الجمهور (١٩٨٣) La femme publiqu ولياليّ أجمل من أيامك (١٩٨٩) Mes nuits sont plus belles que vos jours.

 

الانفعال: ذعر أم احتجاج ؟

يصف النقاد أسلوب أندريه جوافسكي بأنه: ”ذو طاقة جنونية، هيستيري، مفرط، أما التمثيل فهو عالي المستوى وحركة الكاميرا مذهلة فهو يصوّر لقطات طويلة قلّما يتم تحريرها“، قبل انتقاله لفرنسا عمل جوافسكي مساعدًا لواحدٍ من أهم أعلام السينما والمسرح البولندي: أندريه ڤايدا Andrzej Wajda، ولأن جوافسكي نفسه كان ممثلاً؛ أدرك طبيعة القطيعة بين العالمين بكون المسرح سابقًا للسينما، فهو يصنع سحره بالمؤثرات المسرحية ولغة الجسد وتفاوت نبرات الصوت. وقد تمكن جوافسكي من استعارة كثافة اللانفعال المسرحي بجعل الانفعال إطارًا تتحرك فيه الشخصيات، وهو ما يُعرف بـ“المناخ الكابوسي“ لأفلام أندريه جوافسكي، وقد ظهر ذلك منذ أول فيلم طويل له (الجزء الثالث من الليله – ١٩٧١ Trzecia czesc nocy) محافظًا عليه حتى آخر أفلامه (كوزموس – ٢٠١٥ Cosmos). كل شخصياتها (الرئيسة منها والجانبية) تبدو ممسوسة، على شفير البكاء أو الصراخ أو ممارسة الحب؛ متحفزة، وقلقة، وعابثة، والتناقض خُصلة طبيعية فيها؛ إذ تبدو كأنها ترقص على حد السكين، إن مَردّ هذا التأجيج الانفعالي ليس مرتبطًا بالضرورة بموقف ما بقدر ما هو نوع من الموقف الاحتجاجي إزاء الحياة ومفاجآتها. هو نوع من الاستنطاق اللفظي \ الحركي ضد التموضع الجَبري في ساحة الوجود وتقبل الواقع.

 

لماذا المرأة ؟

في العدد الخامس من مجلة فانتازيا الصادر في مايو ٢٠١٤ يجيب جوافسكي حين سئل عن تعليقه حول عدم وجود ”أداء نسائي قوي في فيلم من إخراج امرأة“ وإن كان يعني بأن النساء لا يتمتعن بالقوة واللؤم الكافيين لدفع ممثلة ما لبذل المزيد، فأجاب: ”كلا ما قصدته هو.. أنا أحب الممثلات حين يُجِدن التمثيل وأحب دفعهن للقيام بشيء ما لأنهن لسن رجالاً؛ بمعنى أنهن لسن أنا. في أفلامي، أظن حتى إن لم يبدُ الأمر هكذا، ليس الرجل بطل الأحداث أبدًا، لأن الأمر عندها سيكون متعلقًا بي. أنا لست امرأة وهذا صحيح، والأمر على النقيض بالنسبة للمُخرِجَات النساء، إنهن أحيانًا يُقدمن أداء قويًا جدًا أكثر من الرجال لأنهن لسن ”هم“. حسنًا… ثلثا المخرجات النساء أو أكثر مثليّات، وهذا يغيّر القصة برمتها بعض الشيء.“ الجدير بالملاحظة أن أغلب الشخصيات النسائية في أفلام جوافسكي (حتى تلك التي لن نتحدث عنها هنا) ذات حساسية مفرطة، هي تمثل المشاعر المتأججة والرغبة المستعرة في النجاح والحياة والحب، ولكن هذا ما يجعلها في غاية الهشاشة أيضًا، كما حدث في فيلم (استحواذ – ١٩٨١ Possession) من بطولة الفرنسية إيزابيل أدجاني الذي أدت فيه أحد أهم أدوارها؛ إذ كانت تصرخ بجنون في ميترو الأنفاق، ثم تتقيأ دمًا ويبدأ جسدها بإفراز سوائل غريبة؛ ناهيك عن تقلبات ملامح الوجه وحِدة الصوت والإيماءات المتشنجة.

 

نادين شوفيلية: المومس الفاضلة

يبدأ المشهد الافتتاحي حين يتسلل المصور المأجور سيرفي مونت (الإيطالي فابيو تيستي) لموقع تصوير أحد أفلام الدرجة الثانية، إذ تجثم الممثلة نادين شوفيليه (النمساوية رومي شنايدر) على صدر حبيبها المضرج بالدماء، بينما تصرخ بها المخرجة لتخبره بأنها تحبه؛ ولكن نادين تعجز (لسبب ما) عن قولها، وتنتبه للمصور وهو يلتقط صورها، فتقول له: ”لا تصوّر أرجوك، إنني ممثلة، أنا أقوم بأعمال صالحة أيضًا.. إنني أفعل هذا لآكل فقط!“، يقع سيرفي في حب نادين، ويحاول مساعدتها سرًّا بإسناد الدور الرئيس لها في مسرحية ريتشرد الثالث لشكسبير التي يقترض مبلغ تمويلها من رئيس إحدى العصابات، بالإضافة إلى وجود زوج نادين (الفرنسي جاك دوترونك) الذي يمثل الضلع الثالث في مثلث الحب هذا.

ولأن نادين عاشت طوال عمرها مُنمطة بوصفها فتاة هوى، تظن أن كل ما يريده الرجال منها هو جسدها عدا زوجها المِثلي، الذي يجمعها به ارتباط أخلاقي متأتٍ من شعورها بالامتنان، لأنه أنقذها من حياة المواخير والمخدرات والعصابات، وحين يرفض سيرفي معاملتها كغانية وتكتشف أنه من دبر لها الدور المسرحي؛ تجد نادين نفسها محاطة بحب لا عهد لها به، وبعد معاناة طويلة مع طاقم المسرحية والصحافة التي انتقدت المسرحية فقط نظرًا لماضي نادين المُخزي، نجدها تجسد الإنسان الذي يلفظه العالم بسبب ماضيه، ولقد أثبتت نادين شأنها شأن المومس الفاضلة في مسرحية سارتر دماثة أخلاقها وعزة نفسها في أكثر من موقف، ولكنها لعنة الماضي والقوالب الجاهزة التي يضعك الآخر فيها؛ تقتل كل الفرص أمام المرء ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مهما بلغت أخلاقه من النبل.

 

إيتيل: الحياة المأساوية وقودًا للموهبة.

بعد أن تتمكن إيتيل (الفرنسية فاليري كابريسكي) من الحصول على دور البطولة في فيلم مقتبس عن رواية الشياطين لدوستويفسكي تتعرض لضغط نفسي هائل من المخرج لوكا (الفرنسي فرونسيز أوستير) تقودها الظروف لتتعرف على المضطرب نفسيًا ميلان (الفرنسي لامبرت ولسن) وهو أحد أصدقاء لوكا من المهاجرين التشيكيين، ويتوهم هذا الأخير بأن إيتيل هي زوجته المتوفاة، وهربًا من واقعها المؤلم تقرر تقمص دور الزوجة وتعيش قصة حب ملتهبة مع ميلان، ولكنها تكتشف تورطه في عملية اغتيال سياسية من تدبير لوكا.

 

تصبح إيتيل ممثلة بارعة حين ينهار ذلك الحاجز الذي يفصل بين حياتها الشخصية ووضعها كممثلة، هي كائن معجون بالمشاعر، وبدلًا من الغرق في أحزانها نجدها ترقص أمام مصور فوتوغرافي للتنفيس عن سخطها (لقاء المال) إلى أن كادت من قوة أدائها أن تتسبب له بنوبة قلبية! هل الإنسان مثل الفحم الذي يتحول ألماسًا حين يتعرض لدرجات عالية من الضغط ؟ وما مقدار الضغط الذي يجب أن يتعرض له دون أن يتحول إلى رماد ؟ إن تجسيد حالة التكثيف التي يتعرض لها الفنان حتى ينجح تتطلب نوعًا من الاجترار الذاتي الذي يصل بالمرء إلى أغوار عميقة، و هو بالمعنى الحرفي كما يقال بأن النجوم تلمع حين تحترق؛ فالظروف المأساوية التي جعلت من إيتيل كتلة من الأحاسيس القابلة للاشتعال هي نفسها الوقود الذي يشحذ أداءها كممثلة.

بلونش: عرّافة القوافي.

 

يعلم لوكا (الفرنسي جاك دوترونك) أنه يحتضر بسبب إصابته بمرض نادر يدمر خلاياه الدماغية، وينعكس ذلك على نطقه فيصبح كل كلامه أشبه بالشِعر، بالتزامن مع نجاحه في اختراع لغة حاسوبية متطورة ستضمن له الشهرة والثراء. ثم يلتقي ببلونش (الفرنسية صوفي مارسو) التي يلمع نجمها في فرنسا بسبب العروض التي تبدو فيها كأنها مسكونة بامرأة أخرى قادرة على معرفة تفاصيل شديدة الخصوصية من حياة الآخرين وسردها بلغة مُقفاة تحاكي الحالة المَرضية عند لوكا. يحاول لوكا الاقتراب من بلونش في الفندق الذي تسكن فيه مع والدتها وطاقم العمل الذين يحاولون بكل الطرق إبعاده عنها.

إن الأزمات الطفولية التي مرّ بها كل من بلونش (التي كانت هي وأمها ضحايا عنف أُسري ولوكا الذي أغرق والده أمه أمام عينيه حين كان طفلاً) جمعتهما في الاغتراب في عالم البالغين، يميل المرء لاختراع لغة خاصة به للهروب بأفكاره الأكثر إيلامًا عن الآخرين، وحين يجد من يفهمه؛ يشعر بألفة مع ذلك الغريب، إن لوكا الذي يشعر بفنائه القريب، يدرك أنه قد أدار ظهره للحب بينما كان يدير ظهره لأوجاعه الطفولية وماضيه الغريق؛ ولذلك ينطلق برعونة صبيانية ليظفر ببلونش؛ بينما بلونش المتعلقة بشكل طفولي بأمها التي تخيب ظنها باستمرار تعيش توترًا بين تعلقها بوالدتها وأضواء الشهرة وبين نداء قلبها.

 

الإنسان: ممثل يفترسه دوره في الحياة

صحيح أن أفلام أندريه جوافسكي ليست كلها متعلقة بحياة الممثلين؛ ولكن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة المذكورة نجد أفلامًا أخرى لها فكرة مقاربة مثل (الحب يضيء – ١٩٨٥ L’amour braque) الذي تدور أحداثه في مسرح، و(النوتة الزرقاء – ١٩٩١ (La note bleue  الذي يجسد حياة الموسيقار شوبان، وتم تقديمه كأوبرا سينمائية. إذا كان الفن نسخة سيئة من الواقع كما يعتبره سقراط؛ فذلك لأنه أكثر تكثيفًا أما الحياة فهي سرمدية والفن بحث عن الخلود في تيارها اللانهائي، وهذا ما يحدث للفنان فهو إذ يتقمص دورًا ما فإنه يكثف من نفسه فيه ليبدو أقرب ما يمكن للواقع السينمائي ومعاييره، والانفعالات في أفلام جوافسكي كما لو أنها تقول أن الإنسان كائن مصاب بالثنائية القطبية Bipolar disorder وفق فترات زمنية متباعدة؛ وفي هذه الأفلام تتقلص هذه الفترات فنجده يفرح ويحزن ويتأمل، وسرعان ما تراوحه مشاعر مُناقضة لتلك، فالفنان (الممثل في هذه الحالة) في أفلام جوافسكي مطارد من قِبل دوره الذي يحاول تقمصه فيفترسه؛ هو نفسه الإنسان في حيّزه الوجودي الذي يلتهمه الزمن فيه ببطء وصولاً للفناء.

0 785 18 سبتمبر, 2018 التاسع والتسعون, حداء الروح سبتمبر 18, 2018