كتاب مجلة نزوى “نشيد البراءة” لمحمد السناني

لـ

==

ولد محمد السناني وترعرع في مدينة صور الساحلية، الواقعة في الجانب الشمالي للساحل الشرقي من عُمان. لعبت المدينة البحرية الشهيرة دوراً مركزياً في الرؤية الشعرية للمجموعة التي تتكون من ثلاثين قصيدة. تجربة إنسانية أصيلة، تتخطفك كمن يجاور الشاعر في رحلته.

بتناقضاتها ووحشيتها، تُكوّن الطبيعة هيكل المشهد، عبر لغة سهلة منسابة دون تكلف، مكثفة بالرموز والصور التي تستدعي تاريخ المكان بزمهريره المأساوي، ليستريح الأسلاف أخيراً في جسد الشاعر وتنتهي إليه رحلتهم الطويلة في عالم الأموات. ست قصائد معنونة بالموت ومرادفاته، تتردد المفردة كارتكاز لعدد من المعالجات الشعرية عند السناني. والمجموعة ككل تتمثل عبور الانسان في الزمن، مُتأرجحاً بين الماضي، الحاضر، والمستقبل، بسوداوية مراوغة، وظلال المعنى بدرجات ألوانه، تؤثث بناء القصيدة، في فلسفة حوارية ذات بعد نقدي.

في قصيدة  “نصيحة لمسافر جوال”، يتمظهر جيداً هذا الانتقال بين الأزمنة. وإذا فكّكنا القصيدة إلى ثلاث مقاطع، سنرى الجغرافيا، التاريخ، الحاضر، والمستقبل، بعين الشاعر.

في المقطع الأول؛ وصْفٌ للجغرافيا العُمانية وبيئتها، مبتدأً بنصيحة افتتاحية للمسافر: “ليس من أشياء كثيرة يمكنك رؤيتها من هنا/ والكتابة عنها لاحقا”. وهي صيغة تصغيرية لما سيأتي ذكره، رغم أن التشبيه بالحُجّاج يذهب إلى التبجيل! حيث الجبال: “جبال كثيرة متراكمة متراصة كحجاج عماليق”. والبحر: “بحر قديم كحساء بائت/ لا تتجمع فوقه الغيوم المالحة/ إلا لكي تتلاشى سريعا”، والسماء: “سماء صدئة الملامح كوجه راعٍ جبلي/ لا يعرف عن السماء الجديدة/ وخرائطها الأرضية شيئا”.لينتهي بالفجيعة الكبرى: “أما الشمس/ فتبدو كفجيعة كبرى بسياطها اللاهبة”. مشهد ربما مأساوي، أليس كذلك!

يأتي استدعاء التاريخ كمكون أساسي للمكان في المقطع الثاني، عبر “بيبي مريم”، أي السيدة مريم، حاكمة المدينة الشهيرة “قلهات” في منتصف العصور الوسطى، زمن ازدهارها البحري اقتصادياً وعسكريا. وقلهات تحُدّ مدينة صور، وقبر السيدة ما زالت آثاره بمقصورتها المطلة على البحر: “وحدها في تلة منسية ترقد تلك المرأة الغامضة/ سيدة الماضي الغارق في عبثيته/ اسمها الخالد في النقوش المندثرة/ يغري شعراء وروائيين وغزاة جددا/ بالولوج لمخدعاها/ وسرقة تاجها…”. تتداخل النظرة الاعتبارية  للتاريخ في لحظة مجده ودور الغزاة في تدمير المدينة وتشريد سكانها!

تنتهي القصيدة في المقطع الثالث بنصيحة اختتامية “للمسافر الجوال”، والذي ربما يكون محمد السناني هو ذاته، ذلك الصديق المسافر الذي يتم نصحه بالهرب، في تحليل للواقع والحدس بما هو قادم. والمقطع زاخر بمفردات الطبيعة؛ ليل، وديان، ضباع، ثعابين، عقارب، انتهاء بالسحرة الذين يمثلون ما فوق الطبيعة: “لذا أنصحك يا صديقي/ أن تواصل طريقك نحو وجهتك المقصودة/ ولا تلتفت لهذا الواقع الملعون/ أعمدة من ملح نحن/ لأننا التفتنا لغدنا الموشك على الانهيار/ ولم نحاول الهرب”. الحاضر في واقعه وأبعاده الميتافيزيقية مُساءل! الحاضر بشقلباته البهلوانية، وأقنعة زيفه المدنية، والدينية، بخرساناته وأسلحته. المكان في زمنه الحاضر؛ مليء بالضباع والثعابين والعقارب والسحرة، بمعانيها المختلفة. والمسقبل سينهار إذا لم تهرب: “فاهرب اهرب من هنا/ففي الليل تنزل الضباع/ حاملة سحرتها للوديان/فيما الثعابين والعقارب ترتب لنا أسرتنا”.

قصيدتان أخريان تذهبان إلى المكان العماني، كمكون أساسي للنصوص، في شعرية عذبة ربما تقترب قليلاً من الغنائية في قصيدة “شبكة صيد قديمة”: “…./ لا بأس/ لأمثالنا خُلق البحر/ ننتظر موجة لا تصل/…”، وهناك المنارة: “…/على أمل/ على أملٍ نبقى كفنار الميناء القديم/ تضيء بنور خافت…/ ليتامى البحار المتعبين”. المكان العماني ربما يكون هنا “صور”. المكان الذي نشأ فيه الشاعر، بتاريخ مينائه –ميناء “البَظْحْ”- الذي كان مرتكَزاً للتجارة البحرية بين الهند وأفريقيا، ومنارته القديمة، منارة “العيجة” الشهيرة، والتي لم تزل في مكانها، في ثغر صور البحري، لكنها لم تعد تومض للقادم من البعيد!

في قصيدة “إعلان سياحي مُتخيّل”؛ يحضر المكان في زمنه الحاضر بمكونه الثقافي. إعلان سياحي يحُضّكَ على مغادرة المكان وليس المجيء إليه!: “…/لا تُفْن نفسك في سبيل حُب بخيل ومترفع/ ابصقْ عليه/ وغادر هذه الصحراء، واحرق كل براقع الكذب/ وسراويل العفّة وعباءات الحسرة/ فهناك فيما وراء هذا الأفق الغباري الضيق/ تنفتح السماوات على غابات جمالية/…”.

ربما يكون هناك تأثر بأدباء آخرين في “نشيد البراءة”، وإن كان خافتا. خاصة حين يكون المكان عاملاً مُشتركا، حيث يتسرّب صوت سيف الرحبي من خلال ثيمة البيئة الوحشية ودلالتها في تقاطعه مع الوجود والحياة اليومية. لكنها ثيمة أصيلة في تجربة محمد الشعرية، يتم التعبير عنها بفرادة تبعده عن الصوت المباشر لمن جاء قبله من شعراء. ويمكننا أن نذهب أبعد قليلا، ونقول؛ للبحر –ومرادفاته- سطوة عالية عند محمد السناني في “نشيد البراءة”، بينما تتردد أكثر كلمات مثل “صحراء، جبال، ذئاب، أودية”  عند سيف الرحبي، وربما يعود هذا لاختلاف بيئة النشأتين، (أنظر: “سيرة طفل عُماني”، سيف الرحبي)، مع الأخذ في الاعتبار البعد الزمني وتراكم الانتاج. فتجربة سيف الأدبية تقترب أو تزيد عن الأربعين عاما.. حسب تقديري. هناك أيضاً شعراء كعلي المخمري وآخرين، كتبوا عن البحر العُماني بعمقٍ جمالي.

محمد السناني في “نشيد البراءة” مسافر جوال في الزمكان. يقص عليك يوميات تجواله، شعريا. جوّال مُغامر بلغة نادرة السهولة، خيال عالٍ، ونظرة ترقب ثقب الأوزون! في تجواله يأخذك بذاكرة بحّار.

“نشيد البراءة” مجموعة شعرية صدرت عن سلسلة كتاب مجلة نزوى، مع العدد التاسع والثلاثين، 2018. كتاب جدير بالقراءة، وإعادة القراءة، حسب ظني. ونشره ضمن إصدارات مجلة “نزوى” واسعة الانتشار على المستوى العربي، يتيح للكتاب الوصول إلى شريحة أكبر من القُرّاء.

من زار عُمان وخبر جغرافيتها والقليل من تاريخها، سيعثر على مفاتيح التأويل في النصوص، ومن لم يَخْبر هذه البيئة في قسوتها وجمالها المتوحش، فإنه سيخوض مغامرة القراءة عن مكان يتداخل فيه الواقع مع المتخيل معززاً بسلسلة من الارتجاعات والحدس.

القصيدة الأخيرة التي تحمل عنوان المجموعة “نشيد البراءة”؛ بيان شعري لكل ما هو مناقض للبراءة، ومطلع القصيدة الذي يقول: “الطفل الذي رأى سيارة الإسعاف/وظنها سيارة بيع الآيسكريم…” يُظهر لنا بجلاء ارتدادات الحياة اليومية في قصيدة السناني، فهو جوال بالمعنى المباشر، بين قُطبين، الحياة والموت: أن تعمل مُسعفاً طبياً في “سيارة إسعاف”، متنقلاً بين حوادث المرور والأزمات القلبية، منقذاً من تصل إليه، أو أن تحمل جثة تحاورها عبر الطريق الطويل إلى ثلاجة المستشفى…!

قصيدة “يوماً ما” من المجموعة الشعرية “نشيد البراءة” لمحمد السناني:-

“يوماً ما سأجلس على درج حجري

في بيتي ذي النوافير

وأصص الزهور

والكتب المصفوفة بعناية

امرأة أربعينية هي زوجتي

بيتي الذي في دمشق أو أثينا أو صور

حيث الشمس تغسل الروح

بمياهها الذهبية كما في الأيام الخوالي

حين كان الشعراء يغمسون أقلامهم

في مداد البحر الذي لا ينفد

ولا تنفد كلمات الرب الطيب

أمّا الآن في هذا الليل القاني

أجرجر قدمي المتعبتين

في شوارع القتلى والأشباح

والقتلة المتسلسلين المتشابهين

هكذا وحيدا دون امرأة أو بيت

أو شمس أو قصيدة.”

 

0 622 20 سبتمبر, 2018 التاسع والتسعون, حداء الروح سبتمبر 20, 2018