إعلان “القومية” اليهودية … استحقاق لفشل قومية العرب

لـ

   مائة عام وعام مضت على الإعلان السياسي المدعوم والمؤيد من القوى الاستعمارية آنئذ، الذي جاء في صيغة وعد عطوف (وعد بلفور) يقضي بـ “تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين” مع ضمانة أن تبذل الجهة صاحبة الوعد، بريطانيا، الجهد اللازم لتحقيقه. خطوة بخطوة، ومشروع يعقبه مشروع، وسلسلة لا تكاد تنتهي من الشعارات الأيديولوجية والصفقات السياسية، ابتداء من الشعار الصهيوني ” أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض” وانتهاء بما يعرف بـ “صفقة القرن” وعلى مدى قرن كامل، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون يعرّف البلاد باعتبارها دولة قومية يهودية.

أما المعنى العميق لهذا الإعلان، فيقضي ابتداء بنزع صفة الانتماء لدى يهود العالم من الأوطان التي ينحدرون منها أصلا، وحصره بمكان واحد هو ” فلسطين التاريخية” أو ” أرض الميعاد”، إضافة إلى نزع أي صفة قانونية تربط سكان البلاد الأصليين (الفلسطينيون) بوطنهم، سواء المقيمون منهم داخلها، أو المشتتون في أنحاء العالم تحت اسم لاجئ. وقبل التفصيل في الآثار المترتبة على هذا الإعلان، ولإغنائه بضرورات الفهم، لا بد من إلقاء نظرة مكثفة ومعمقة في آن معا على العلاقة التاريخية وأوجه الالتقاء والافتراق، وأحيانا التوظيف المتبادل، بين القومية العربية، والقومية المفترضة لليهود، وكيف أن الافتراضي لم يتمكن فقط من ترويض الواقعي، بل وابتلاعه وتجفيف منابعه الأيديولوجية والعملية.

أدخلت بريطانيا بإعلانها وعد بلفور عنصرًا إضافيا للخارطة السياسية في المشرق العربي، واعتبرت هذا العنصر الإضافي “قومية”. والمفارقة أنها هي ذاتها، وقبل ثلاث سنوات تقريبا من لحظة إشهار هذا الوعد، أعلنت بريطانيا دعمها ومساندتها لحاكم مكة، الشريف حسين بن علي، لإعلان ثورته على القومية التركية، وكانت ذريعة الثورة العربية دعوى الانتماء للقومية العربية، والرغبة في الاستقلال والتحرر من الحكم التركي الذي استمر في المنطقة قرابة خمسة قرون دون انقطاع، ومنذ هذه اللحظة غدت القومية العربية بمثابة الغطاء الشرعي لنظام سياسي سُلالي. وهذه الحالة لم تكن الفريدة من نوعها في العالم آنئذ، فعندما تفسخ الغطاء الشرعي التقليدي ببعده الديني، الذي كانت الأسر الحاكمة السُلالية تعتمد عليه في استمراريتها بالسلطة، وجدت هذه الأسر في الشعار القومي الغطاء الأنسب في تلك المرحلة لضمان هذه الاستمرارية- ولعل التجربة الوهابية هي الوحيدة على صعيد العالم في تلك الفترة التي نجحت في تأسيس نظام سياسي مدعوم بغطاء تكفلت به حركة دينية متطرفة- وفي فترة لاحقة انتقل هذا المفهوم “القومية” ليغدو الغطاء الأيديولوجي لأحزاب يسارية تمكنت من الوصول إلى الحكم بفضل تبنيها الشعارات القومية. ومن بين المنظمات السياسية التي تبنت الدعوى القومية، الحركة الصهيونية.

الفكرة السائدة والانطباع الأولي لدى شريحة واسعة من الجمهور العربي، أن هناك حالة من الصراع والتنافر على المستويين: الأيديولوجي والسياسي نشأت بين الحركتين: القومية العربية، و”القومية” اليهودية، غير أن هذا الاستنتاج أو الفكرة الابتدائية تحتاج لإعادة قراءة، ولن تكتمل تفاصيل هذه القراءة إلا بعد تدقيق للموروث الفكري لما يمكن وصفهم بـ “الآباء المؤسسين ” للعمل القومي العربي أمثال: عبد الرحم الشهبندر، وفارس الخوري، وجميل مردم بك…إضافة إلى  يوميات ما يعرف بـ “الثورة العربية الكبرى”، أو محاضر جلسات المؤتمرات الوطنية المحلية وقراراتها. والنتيجة الأولية التي سيخرج منها الباحث في تطوافه حول هذه الأدبيات التاريخية، أن هناك ما يمكن تسميته بـالحوار العربي – اليهودي، وأن هذه كانت سابقة ومن بعد ملازمة لما يعرف بـ “الصراع العربي – الإسرائيلي، وأن هذه الحوارات تناولت كافة القضايا، بما فيها القبول المبدئي بقيام دولة قومية لليهود في المنطقة، إلا أن أيًا من هذه الاتفاقات أو الحوارات لم ينجم عنها شيء حاسم، لا لشيء إلا لأن هذا الإعلان لم تتحقق بعد شروط اكتماله، والصهاينة بطبعهم لا يحبون حرق المراحل وليسوا على عجلة، وهم أقدر الأمم على الاستثمار بكل شيء، فكيف إذا كان الحديث عن أهم عنصر في الحياة، وهو الوقت.

غداة صدور وعد من لا يملك لمن لا يستحق، عمّت المنطقة حالة من الغليان الشعبي الرافض لمضمونه، وبلغت هذه الحالة درجة من الخطورة اضطرت المعتمد البريطاني يمارس ضغوطه على حسين بن علي كي يستثمر وظيفته الدينية لتهدئة الخواطر وبث رسائل تطمئن العرب بأن مصير فلسطين يحدده أبناؤها. وبالفعل انخرط قائد ثورة العربية في نشاط إعلامي ودبلوماسي هدفه تبرئة بريطانيا وتحسين صورتها أمام الرأي العام العربي، والادعاء أن الوعد بـ “إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين” لا يعني بحال من الأحوال مصادرة أراضي الفلسطينيين، أو أنه يقلل من مفهوم الاستقلال، ووضح في مقال نشره بجريدة “القبلة” المكية التي كان يشرف بنفسه على تحريرها ضرورة أن يلتزم الفلسطينيون على وجه التحديد بتعاليم الدين وتقاليدهم الموروثة، باعتبار هذين المصدرين يحثانهم على أداء واجب الضيافة  للذين تقطعت بهم السبل، والتسامح والترحيب باليهود في وطنهم والتعاون معهم في سبيل الصالح العام. كما وخاطب الزعامات السياسية والدينية في ؛ ذاكرًا في رسائله لهم المضمون ذاته.

بالمقابل كانت هناك جهود لمفكرين وسياسيين عرب بهدف التأثير على الحكومة البريطانية لصالح التخلي عن وعد بلفور، ونتيجة التواصل والحوارات المتبادلة أدركت هذه الشخصيات أن مسألة العلاقة البريطانية – الصهيونية تتجاوز بكثير حدود التعاطف مع مجموعة دينية ومحاولة إسباغ بُعد قومي على وجودها،  وأن هناك توجها يتزعمه الغرب يهدف إلى زراعة كيان غريب عن المنطقة وفي قلبها بالتحديد، والتعامل مع هذا الكيان مستقبلا باعتباره جزءًا أساسيا ومكونا جوهريا من مكونات المنطقة. ووفقا لمفهوم “السياسة الواقعية” وجد عدد غير قليل من رموز الفكر القومي المبكر، أن العمل السياسي باتت مسألة ملحة، وأنه لا مفر من الجلوس مع رموز الحركة الوافدة والدخول معهم في حوار وبحث إمكانيات وفرص التعاون المتبادل بين الطرفين. وكان التطبيق الأول لهذه الإستراتيجية على نحو عملي، من خلال لقاءات فيصل بن حسين – أصبح في فترة لاحقة ملكا على سورية، ثم ملكا على العراق – مع رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، حاييم وايزمان. كان اللقاء الأول بين الرجلين في لندن، ثم جمعهما لقاء ثان في باريس يناير/1919 وخلاله جرى التوقيع على اتفاقية تعهد فيها فيصل بصياغة دستور لفلسطين تلتزم بنوده بالضمانات التي تعهد بها وعد بلفور لليهود، إضافة إلى اتخاذ كافة الإجراءات الضامنة لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين.

وقتها أدركت النخب السياسية المحلية أن هناك توجها إمبرياليا جديدا يعمل على صياغة مستقبل المنطقة ورسم خارطتها، وأن الدولة اليهودية الموعودة ستكون إن آجلا أو عاجلا مركز هذا الإقليم، وأنه لا عودة عن هذه الإستراتيجية، خصوصا وأن المنطقة تفتقد لمظاهر القوة الحقيقية. ونظرًا لافتقار هذه النخب أو الزعامات المحلية لمفهوم إرادة بناء الأمم، فقد استسهلت التحدي التاريخي من خلال لجوئها إلى هذا الجنين الذي ما زال في مرحلة التكوين والتشكل، وتحت تأثيرات وهمية ظن هؤلاء أنه بالإمكان التواصل مع هذا الجسيم الجنيني، وربما دعم بنائه وصولا الى مرحلة احتوائه  وتفادي خطره المستقبلي، فبرزت في تلك الفترة أكثر من صيغة لإغراء قادة الحركة الصهيونية وتحفيزهم للاندماج في المنطقة من خلال الانخراط بمشاريعهم القومية والوحدوية. وكان أول من سار بهذا المخطط ملك العراق، فيصل، الذي روّج آنئذ لمشروع “الهلال الخصيب”، بحيث تخضع دول الإقليم كلها بما فيها الدولة اليهودية للحكم الهاشمي، إلا أن الفكرة لم تلقَ قبولا لدى الخارجية البريطانية. وكذا كان الفشل من نصيب المشروع الذي طرحه في فترة لاحقة، شقيقه الأمير عبد الله، ملك الأردن لاحقا، الذي تعهد بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين مقابل دعم صيغة مقترحة تحت شعار “سورية الكبرى”. وكان هذا هو الاستنتاج السياسي الثاني الذي توصلت إليه هذه النخب، بأن أي مشروع وحدوي تحت مظلة القومية العربية سيكون مصيره الفشل، ومع توالي الأيام والأحداث اتضح أن توحيد المنطقة ممكن الحدوث في حال واحدة فقط، وهو أن تكون الدولة اليهودية هي مركز هذا الكيان وصاحبة السيادة فيه، وليست الصيغة المتواضعة التي كان القوميون الأوائل يأملون واهمين بتحقيقها، بأن يكون هذا الكيان الناشئ، دولة طرفية تابعة.

بالطبع لم تكن صيغة اتحاد عربي بمشاركة يهودية على أساس قومي هي الصيغة الوحيدة التي انفتح من خلالها الوحدويون العرب على الحركة الصهيونية بهدف إغرائها للعب دور الوسيط مع القوى العالمية بحكم مدى تغلغل هذه الأخيرة وتأثيرها في القرار السياسي للمجتمع الدولي،  وإنما كانت هناك صيغ قومية/وطنية أخرى، مثل صيغة التواصل بهدف التأثير على القوى الغربية  لدعم حركات الاستقلال الوطني، وهي صيغة حاول اللعب عليها معظم السياسيين والقوميين السوريين تحديدا. ومن أبرز القيادات القومية التي لعبت هذا الدور الزعيم السياسي البارز، شكري القوتلي (رئيس للجمهورية السورية الأولى) الذي يعد من أبرز الملتزمين بالقضية الفلسطينية، لكن هذا الالتزام لم يكن كافيا لردعه في سبيل الاتصال مع اليهود والتباحث معهم حول إمكانية تحقق وعد إقامة وطني قومي لليهود في فلسطين إذا بذلت الصهيونية جهدًا كافيا لتحقق سوريا استقلالها من الفرنسيين. وذهب القوتلي وهو القومي العربي العتيد، إلى ما هو أبعد عندما أخذ في توجيه نقد للمقاومة الفلسطينيين، واصفا نشاطهم بـ “الإرهاب”. بمعنى آخر، تظهر الحقائق التاريخية وجود عدد ممن يعدون رموز الحركة القومية العربية، وفي غمرة بحثهم عن مخارج لمشاكلهم الوطنية المحلية أظهروا استعدادا للتضحية بالمسألة الفلسطينية في سبيل تحقيق طموح وطني، وهذه الحالة إنما تعكس حالة العجز الكامل في إيجاد صيغة متوازنة بين الطرح الأيديولوجي للقومية العربية من جهة، وبين المصالح الشخصية أو المصالح الوطنية التي سعى السياسيون العرب إلى تحقيقها.

منذ أوائل الخمسينات ظهر قادة حزبيون وسياسيون جدد في العالم العربي، وساد منذ تلك الفترة خطاب قومي تشدد في معاداته لإسرائيل، وكانت الفكرة الأساسية في الطرح الأيديولوجي آنذاك، رفض بحث مسألة السلام، والنظر الى الكيان الصهيوني باعتباره العدو الرئيس للعروبة، وأن التخلص منه مسألة مصيرية. وكان هذا الخطاب متمركزًا في سوريا ومصر بالدرجة الأولى. وفي الأولى أخذ العداء صفة الآيدولوجيا خصوصا بعد بروز حزب البعث على الساحة السياسية ومن بعد تأسيسه لحكومة حزبية.

وكسابقيه، واصل الرئيس السوري حافظ الأسد (تولى سلطاته نوفمبر 1971) المناداة بذات مضامين الخطاب الأيديولوجي للبعث، إلا أن تغيرًا بدأ يلحظ على خطابه السياسي بعد حرب 1973، فبالإضافة إلى البعد الأيديولوجي، أخذ البعد السياسي بالظهور وبصورة واضحة، وكانت أولويات هذا البعد تهدف إلى تحرير الأراضي السورية والأراضي الفلسطينية، ومنح هذا الهدف بعدًا استراتيجيًا ثابتًا، غير أن هذا البعد يحتاج بالضرورة إلى إجراءات وخطوات تكتيكية مرحلية تستجيب مع الاعتبارات الواقعية، ومن جملة هذه الاعتبارات إظهار استعداد للتفاوض السياسي لحل المشاكل العالقة. وفيما يبدو فإنه كانت هناك قناعة أكيدة لدى الأمريكان إضافة إلى الإسرائيليين تتلخص في أن الرئيس حافظ الأسد هو الزعيم الوحيد في المنطقة المشرقية الذي يسعى  ليس فقط إلى إلحاق ضرر بالكيان الإسرائيلي، بل إلى تدميره بالكامل. وكان مما خطه وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، بعد سلسلة صعبة من اللقاءات والنقاشات مع الأسد:” الأسد يحب أن يدمر الدولة اليهودية، ولكنه أدرك أن ثمن هذا الأمر هو دمار البنية الداخلية السورية وربما أيضا وجودها… لقد كان واقعيا كما كان أيديولوجيا…لقد أدرك أن سوريا ليست قوية كما يجب لتوحد الأمّة العربية، كما أنها تسعى أولا لاستعادة أراضيها قبل أن تسعى لتحقيق طموحات أكبر”. ولحسن حظ الأسد أنه فارق الحياة قبل أن يرى دولته كيف يتم تدميرها كعقوبة دولية على نهجه التخريبي لأي تسوية سلمية، أو لإفشاله عملية إحلال “السلام” في المنطقة وفق المعايير الإسرائيلية، باعتبار أن أيًا من التسويات المطروحة لم يرقَ، وفق وجهة نظر الأسد، إلى الحد الذي يتوافق وبشكل معقول مع الطموحات القومية. إن هذه العقوبة التي تتلقاها سوريا هي التجسيد الفعلي للمقولة الاستراتيجية التي توافق عليها الجميع منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي تقضي أن لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا.

ولأن البعد القومي العربي بقي حبيس الخطاب الأيديولوجي، فقد افتقر إلى العملانية على نحو واضح. إضافة إلى أن الأيديولوجية ذاتها دخلت في منافسة حامية بين دعاتها البارزين وانقسامهم إلى مدرستين، واحدة برعاية العراق وأخرى برعاية سوريا، وهي حالة نتج عنها بالضرورة بروز مزيد من مظاهر الضعف في الجسد العربي، إضافة إلى انحسار هذه النزعة على نحو واضح ابتداء من ثمانينيات القرن الماضي، لتأخذ النزعات المحلية تحل مكان فكرة الأمة منذ تلك الفترة. وفي الوقت ذاته أخذ الحديث عن قومية يهودية بالتصاعد على المستويين النظري، عبر هذا الزخم الفكري لتنظيرات تتمحور حول فكرة أساسية وهي أن اليهود في العالم لا ينتمون إلى الأوطان التي يعيشون فيها الآن، وإنما إلى وطن قومي واحد هو ” أرض إسرائيل”، وانسجاما مع هذا الطرح النظري شهدت الأرض الفلسطينية في تلك المرحلة على وجه الخصوص نشاطا استيطانيا على أوسع نطاق لاستيعاب ” أبناء القومية” الوافدين من شتى أصقاع العالم، وغدت “القومية اليهودية” المفترضة تشكل منافسًا حقيقيًا للقومية العربية. وفي تلك الأثناء فقط بدأت تلوح في الأفق ملامح حلول أولية لمشكلة الصراع العربي – الإسرائيلي، وهي عملية لم تنخرط بها دول المنطقة على نحو أكيد من خلال جهد سياسي يستلهم المثل القومية، بقدر ما كان جهدًا يستلهم المصالح المحلية وأحيانا الشخصية للمتفاوضين، وكانت النتيجة أن تعاظمت ظاهرتان أساسيتان: تعزيز النزعات المحلية، وتأكيد القومية اليهودية التي أكدتها عدد من بنود الاتفاقيات الموقعة المرتبطة تحديدًا بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وبذا تعززت التجربة التاريخية ذاتها الخاصة بإيجاد حلول محلية على حساب القضية الفلسطينية نفسها.

أما الآن وبعد مائة عام على صدور وعد بلفور، وبعد 222 عاما على إعلان مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هرتزل، باعتبار إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، يأتي الإعلان الرسمي لهذه الدولة بعد المصادقة القانونية على هذه الصيغة باعتبارها أساس الوجود اليهودي. جاء هذا الإعلان ضمن سياق تكهنات عالمية لما يسمى بـ ” صفقة القرن”، التي غدت محل تساؤل  الكثيرين وحالة تكهن لأهم بنودها وتفاصيلها الإجرائية وأجندتها الزمانية والفاعلين الحقيقيين.  غير أن المدقق بسير الأحداث لن تعوزه كثير فطنة ليدرك أن هذه الصفقة ليس فقط بلغت مرحلة الاكتمال، وأن كل الأحداث التي تشهدها المنطقة ما هي في واقع الحال سوى التطبيق العملي لبنودها الرئيسة، وفي مقدمة هذه البنود إعلان يهودية الدولة، وكيف أن باقي البنود التي تحققت أو المتوقع تحققها بالمدى القريب، إنما هي خطوات متعلقة بهذا البند، ومرتبطة به على نحو وثيق، وصولا إلى مرحلة تصفية شاملة للقضية الفلسطينية. فإعلان القدس عاصمة موحدة وأبدية للكيان القومي يأتي في هذا السياق، وكذا الحال بالنسبة للهجمة الشرسة التي تتعرض لها منظمة الأونروا، والإعلان الأمريكي – الإسرائيلي بضرورة إنهاء عملها.

تعدّ مشكلة اللاجئين أكثر القضايا ارتباطا بإعلان يهودية دولة إسرائيل، فمن الناحية العملية أسقط هذا الإعلان، وفقا لوجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية، حق  اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، باعتبار أن هذا الوطن لم يعد من حقهم وبات من حق قومية أخرى، وأن الحديث عن حلّ الدولتين لم يعد له وزن لأنه بات بحكم المنعدم، وأنه ما من دولة سوى دولة واحدة هي الدولة اليهودية.

والمشكلة لا تقتصر فقط على الفلسطينيين اللاجئين الذين يعيشون خارج فلسطين، إذ لا تلبث تداعيات هذا الإعلان في الاتساع لتشمل الفلسطينيين المقيمين على أرضهم، سواء داخل دولة إسرائيل أو المقيمين في الضفة الغربية، وهناك قلق حقيقي على مصير هؤلاء في ظل قانون لا يعترف بقومية أخرى في نطاقه الجغرافي الذي يمتد من البحر إلى النهر. ووفقا لهذا القانون فإن الفلسطينيين ليسوا أكثر من سكان مجردين بالكامل من حقوقهم السياسية والقانونية، وأن وجودهم على الأرض الفلسطينية من الناحية القانونية لا يتجاوز صفة الإقامة، وبالنتيجة هم مهددون بالترحيل أو التهجير في أية لحظة وتحت أي ظرف. ويأتي كلام مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، والموجه إلى أبناء الطائفة الدرزية بعد اعتراضهم على صدور القانون الأخير، ودعوته لهم بمغادرة  أرض إسرائيل والرحيل عنها إلى سوريا لإقامة دولتهم الخاصة بهم هناك، يأتي هذا الكلام بعد أيام قليلة من صدور القانون كمؤشر واضح ودليل أكيد أن محفزات القلق مبررة ومنطقية، خاصة ونحن نتحدث هنا عن طائفة انخرطت بوقت مبكر في الدولة الإسرائيلية وتفاعلوا معها على كافة المستويات، حتى إن كثيرا من أبناء هذه الطائفة التحق بالجيش الإسرائيلي وقاتلوا أشقاءهم بجانب الجندي اليهودي في فلسطين ولبنان، إلا أن هذه التنازلات لم تشفع لهم ورفض السياسيون في إسرائيل استثناءهم من تنفيذ القانون. هذا حال الحلفاء من أبناء العروبة، فكيف سيكون في المستقبل حال سائر الفلسطينيين الذين لا تجمعهم مع الإسرائيليين سوى ذكريات المقاومة والاقتتال الدامي؟

ليس صدفة أن يتوافق إعلان قومية الدولة اليهودية مع ظرف دولي وبيئة إقليمية مهيأين بالكامل كي يمضي هذا القانون في مساره دون معوقات؛ لذا فإن فرص اكتماله وظهور مفاعيله على السطح  واردة بنسبة كبيرة. وليس من باب الصدفة أن يتصاعد الحديث بعد صدور هذا القانون وتستحضر نصوص واتفاقيات تاريخية ذات صلة بالصراع العربي – الإسرائيلي ويصب فحواها في صالح الموقف الإسرائيلي الراهن، ومن ثم العمل على الترويج الدعائي والإعلامي لهذه النصوص، وفي مقدمتها ما يعرف تاريخيا بـ “صك الانتداب البريطاني على فلسطين” الصادر عام 1920. هذه الوثيقة رسمت حدود ما يعرف بـ “فلسطين التاريخية” باعتبارها تشمل كامل فلسطين (اسرائيل، الضفة الغربية، غزة) إضافة إلى شرقي الأردن، إلا أن شرقي الأردن جرى استثناؤه لاحقا (1921) من هذا الصك والتعامل معه باعتباره كيانًا سياسيًا مستقلًا تحت حكم الهاشميين، وهي خطوة  أغضبت الحركة الصهيونية في حينه. إلا أن الفكر الصهيوني في صميمه لا زال مؤمنا بأنه لم يحصل سوى على ربع ما يستحقه من الأرض، وأن الأرباع الثلاثة المتبقية اقتطعت بصورة غير شرعية منه؛ وبناء على هذا الاستحضار التاريخي/ العقائدي لواحد من القرارات الدولية المرتبطة بالصراع في المنطقة، يروج الصهاينة لفكرة ترحيل الفلسطينيين “المقيمين” على “الأرض اليهودية” إلى “أرض يهودية” في الضفة المقابلة. ويعني هذا السيناريو في حال تحققه أمرين اثنين: لن تعدم إسرائيل الوسيلة والمنطق في إظهار نفسها للعالم باعتبارها الكيان الذي بذل وقدم التضحيات في سبيل إنجاز عملية السلام بالمنطقة، تحقق الدعوى السياسية التي طالما طالب بها غلاة الفكر الصهيوني والتي تتمحور باعتبار الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، ومن خلال هذا السيناريو تكون عملية تصفية القضية الفلسطينية قد اكتملت شروطها، وهذه أبرز وأهم بنود ما يعرف بـ”صفقة القرن”.

 

 

 

0 737 23 سبتمبر, 2018 التاسع والتسعون, سياسة سبتمبر 23, 2018