الدراسة التاريخية العمانية: زاهر السعدي أنموذجا

لـ

                يعدُّ كتاب الباحث زاهر السعدي “الشيخ عيسى بن صالح الحارثي 1290- 1365هـ/ 1874- 1946م: سيرته ودوره السياسي في عُمان” الصادر عن مؤسسة الانتشار 2018؛ كتابا له أهميته؛ لأنه يتناول ظرفية تاريخية مهمة يتخذ من الصراع السياسي موضوعا؛ هذا الصراع الذي يأخذ منحى ميتافيزيقيا مقدسا في النصوص التاريخية العمانية؛ إذ يعدّه أنصار الإمامة صراعا عادلا ومشروعا؛ لإقامة العدالة المتمثلة في شكل الحكم الديني المتمثل في جانبين: الجانب الفقهي المصورن، والجانب الفعلي الممارس، وهما جانبان يقعان تحت سلطة القلة ونعني بها “العلماء”؛ إذ ينظّرون للإمامة في المدونات الفقهية في صورة آراء ومرويات ومواقف وفتاوى؛ ويقومون باختيار من يرونه مناسبا لتطبيق هذه الآراء وفق اجتهاداتهم؛ ولذلك فإن الظرف التاريخي في الكتاب لا ينفصل عن معاناة الإنسان العماني وبحثه عن البدائل التي تضمن له حالة الاستقرار في ظل الترويج الديني المتعالي لقضية العدالة وفي ظل تجاهل المؤرخ العماني لسائر الأطراف الاجتماعية المقصية؛ مما يضع الأطراف الممثلة للإمامة في موضع الحفظ الإلهي وما يتعلق به من تفسيرات ميتافيزيقية؛ الأمر الذي يجعل الأدلة حاضرة في الدراسات المعاصرة التي تتخذ من الصراع على السلطة موضوعا للفحص والدرس وفق ثنائيات دينية لم تنته.

يهدف المقال إلى وضع بعض اللمحات المهمة في الدراسات التاريخية العمانية المعاصرة من حيث منهجها مع الإشارة إلى دراسة السعدي في بعض الجوانب وليس كلها، اعتمادا على سؤال مركزي يلح على العقل: لماذا تخلو الدراسات التاريخية العمانية ذات الطابع الأيديولوجي – وكتاب السعدي ينتمي إليها- من الرؤى النقدية التحليلية عند تقديم الشخصية العمانية المصطبغة بالسمات الدينية وكأنها تقدم شخصية ملائكية لا تقع في الخطل والخطأ على الرغم من انخراطها في الصراع السياسي؟

أعتقد أن هذا النوع من الدراسات يدخل في مجال الترويج للفكرة عبر التأويل التاريخي أو تأويل التاريخ؛ لأن الباحث يضع الشخصية في طرف من الصراع، ويتولى عمليات المحاكمة للطرفين في ضوء رؤيته الدينية بعدالة القضية للطرف الأول موضوع الصراع؛ فتتحول الدراسة من الحالة النقدية الموضوعية إلى الحالة الأيديولوجية- اليوتوبية بإعادة إنتاج الخطاب وليس تحليله ونقده بمناهج متجددة.

زد على ذلك مما تجدر الإشارة إليه؛ ذلكم الطابع النقلي أو السردي في كثير من الدراسات التاريخية العمانية؛ فهي – على الرغم من انتماء كثير منها إلى الدوائر الأكاديمية- تجمع شتات النقول والقصص لتشييد نظام سردي بصبغة لغوية تشّابه مع اللغة العلمية الواصفة إلى درجة ما؛ مما يجعل الخطأ مشتركا بين الباحثين القائمين على هذا النوع من الدراسات والجهات الأكاديمية مثل قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس، الذي لم يخرج من الطابع السردي الذي يتحول به الباحث إلى توظيف آليتين في الدراسات التاريخية:

  1. المزج بين الاعتقاد الديني والدراسة العلمية، بحيث لا توجد مسافة بين الباحث والموضوع؛ يحيل المزج على صعوبة التمييز بين ما هو قدسي متعال وما يدل عليه من ترجماتها الدنيوية التاريخية؛ فالظاهرة الدينية تختزن تصورا للكون، للطبيعة وللإنسان، وتقترح نمطا من الاعتقاد يرمي بالمؤمن في مناخ ذهني ووجداني يدفع به إلى الانخراط في حركية دائمة للتماهي بين ذاته وموضوعه[1]. فمهما حاول الخروج من السياج الديني لا يجد سبيلا تمكنه من الانعتاق.
  2. الطابع الرمزي الذي يحرّك الأبعاد الأسطورية لفكرة محددة مثل فكرة الإمامة الإباضية، وهذا التحريك يُدخل الحيوية في الناس بتحفيز حماسهم المولد للمشاريع والإنجازات؛ فالتمثّل الرمزي في الدراسات التاريخية العمانية؛ لا ينظر إلى مضمونه بقدر النظر إلى قدرته على التعبئة والحثّ الأيديولوجي الذي تتشبّع به الذات المسلمة[2]؛ فتتحول الدراسة التاريخية إلى ميتا- قصة metanarrative عند ليوتار فـ”تضفي المشروعية على أشكال معينة من المعرفة من خلال بث فلسفة معينة في ثناياها تقطع بصحتها، أو بعبارة أبسط نقول: إنها القصة التي تهدف إلى أقامة مذهب فكري أو أيديولوجي (عقائدي) معين، يستوعبه السامع أو القارئ أثناء استمتاعه بمتابعة الحكاية، ومن ثم فهي قصة لها ما وراءها أي ميتاقصة”[3]؛ بحيث تصبح الدراسة التاريخية مقصودة لا في مضمونها بقدر ما تحمله من البعد الإنجازي في لغتها المفعمة بالأسطورة، أو الرمزية الدينية، واليوتوبية.

وعند البحث في آليتي الدراسات التاريخية العمانية، باسترجاع أهم سمات الدراسة التاريخية لزاهر السعدي في كتابه موضوع المقال؛ نلاحظ أن المؤلف أو الباحث يفتقد روح المغامرة، والباحث المستقل، إذ تختفي الأسئلة وراء اللغة الرمزية أو الحقانية، ويغيب التشكيك أو التقويس الفينومينولوجي، وتطفو الحقائق على السطح؛ فلا يكلف القارئ نفسه عناء التساؤل مع رتابة الروح اليقينية المؤمنة، ويتحول الباحث حينئذ إلى “سارد الحق”؛ بحيث يجمع شتات الأحداث من الحوليات، والمذكرات، والمصادر التاريخية تحدوه النتيجة المعدة سلفا وتتحول الأطراف داخل الصراع إلى أبطال؛ وحيث إنه كان يفترض أن يبدو القلق البحثي، والتوتر إزاء أحداث الصراع في الفصلين الثاني والثالث على الأقل؛ فإن الباحث عوضا عن ذلك قدّم الرجل موضوع دراسته بأدوار مثالية؛ فلن تجد في لغته تحليلا دقيقا يظهر الفجوات في الأحداث والخطابات، وكأن الباحث يحمل رسالة أيديولوجية يريد تفريغها والتخلص منها ليستريح ضميره؛ ومما يزيد الاطمئنان إلى هذا الرأي ما ألاحظ في كلمة الشكر من عبارات الاسترضاء لأصحاب العلاقة مع الشيخ الحارثي، في حين أنه يفترض منه تقديم دراسة علمية وفق مناهج البحث العلمي لشخصية تاريخية لم تعد ضمن الممتلكات الشخصية.

وعليه فإن الباحث وفق الطابع الرمزي يحاول إثبات ما يعتقد دونما مغامرة أو تشكيك، فيتخذ الكتاب الصبغة الأيديولوجية التي لا ترغب في المغامرة البحثية، بحيث إنها تطابق بين النص التاريخي المنتقى، والواقع؛ فهو نسخة مكررة لطابع الدراسات أو النصوص التاريخية التي تروج للفكرة؛ تماما كما يحدث في نص نور الدين السالمي في كتابه : “الحق الجلي من سيرة شيخنا صالح بن علي”[4]؛ إذ الباحث لا يريد من القارئ أن يتفاعل مع النص أو التساؤلات الغائبة، وإنما يريد “إنجاز اعتقاد”؛ ولعل أبرز الأمثلة أو البراهين على هذا الزعم الذي أزعمه محاولات الباحث “تقمُّص أدوار الرجل” بحيث يجعله يعتقد ما يعتقد الباحث؛ فهو يريد من الحارثي أن يكون السعديَّ مخالفا بذلك الدلائل الفعلية الماثلة أمامه؛ لا سيما في موقف الشيخ من “ثورة الإمامة” بقيادة نور الدين السالمي ضد الدولة وسلاطينها، الذين يتعمّد الباحث تسميتهم بـ”حكام مسقط”، لانتزاع سلطتهم وحصرها في تلكم البقعة الجغرافية المحددة، وهذا الدور التقمّصي محاولة من الباحث إلزام الشيخ اعتقادا يراه الباحث عادلا، وهو “شرعية الثورة” وعدالة “الإمامة”؛ لأنها جزء من اعتقاده الديني كما يبدو من كتابه دون الجزم بذلك، ما يجعل مثل هذه النزعات في الكتاب موضع الشك والتساؤل لأسباب من بينها:

أولا: عند النظر في مواقف أبيه “المحتسب” الشيخ صالح بن علي الحارثي على الرغم من مشاركته في ثورة الإمامة في القرن التاسع عشر الميلادي؛ بإقامة إمامة عزّان بن قيس البوسعيدي؛ لا بد أن نأخذ في حسابنا قوة الرجل وعصبيته ومكانته السياسية بوصفه كتلة في النسيج الاجتماعي متغيرة المواقف وفقا لظروف الصراعات؛ وبما أن الرجل بهذه المكانة فليس من الحصافة أن يتنازل عنها بسهولة؛ إذ كان يتمتع بمكانة عند سلاطين الدولة في الشقين؛ ولذلك اتخذ موقفا مناهضا بسبب تزعزع مكانته عند السيد ماجد بن سعيد حسب إشارة المغيري، وأسهم في الانتصار للسيد برغش بن سعيد؛ فهو يشتغل في الهوامش كاشتغاله في المركز؛ ويغير مواقفه تبعا للظروف السياسية دون اكتراث بالمعتقد الديني بشأن الإمامة التي تصبح ذريعة سياسية في بعض الأحيان للوصول إلى المصالح[5]، الأمر الذي جعله يتحول إلى مركز الثورة ضد الدولة بسبب موقف السيد سالم بن ثويني ضده بعد مقتل أبيه، ولكن التحول لم يكن وفق قناعة دينية كما يبدو لي؛ لذلك علينا أن نبحث في هوامش النصوص التاريخية عن مؤشرات التنافس في بوتقة السلطة والمصالح. وإنني أعتقد أن الشيخ عيسى الحارثي قد تعلم هذه الحنكة السياسية من أبيه مع اختلاف في درجة الجرأة والظروف المحيطة بالأحداث والصراع؛ وكان الرجل يتوجّس من “المطاوعة” بسبب ضحالة الدراية بالسياسة؛ لذلك اتسمت قراراته بالمراجعة والتريث بعكس المطاوعة الذين يدفعهم الحماس.

ثانيا: أن الرجل لم يشارك في الثورة مشاركة فكرية أو فعلية؛ ففي حين انبرى السالمي معلنا الثورة تحت مزاعم التدخل الأجنبي بوصفه عاملا مهما؛ نجد أن عنصر الاقتناع مفقود عند الشيخ؛ مما جعله معارضا للثورة فكرا وفعلا؛ لأن التدخل الأجنبي في حد ذاته إشكال؛ فهو في حال كونه دافعا إلى الثورة يعد نتيجة للتمرد الداخلي وغياب الوحدة، وهو أمر أشار إليه المغيري في جهينة الأخبار، والذي كان عاملا مهما على الدوام في تضييع الوحدة والوئام، وإنهاك قواها الاقتصادية والعسكرية؛ فعدم مشاركة الشيخ في الثورة، ومعارضته لها كان يمكن أن يكون دافعا للباحث إلى التشكيك والتساؤل عوض التقمص وإلزام الشيخ خلاف ما يعتقد سياسيا، لا سيما أن ما كان سببا للثورة تحول جزءا من تصرفات الإمامة في عهد عزان بن قيس بتعزيز علاقاته مع الوهابية، وفي عهد إمامة سالم بن راشد الخروصي، إذ كانت الحكومة البريطانية الوسيط الفعلي للصلح في السيب عام 1915[6]

ثالثا: حاول الشيخ أن يثني قائد الثورة نور الدين السالمي؛ وأعتقد أن ذلك يعود إلى قناعته بأن الثورة تفتقد الحنكةَ السياسية والظرف المناسب، وتتحرك في ضوء الحماس الديني فحسب؛ لذلك أرسل أعيانا من قومه لإقناعه بترك الموضوع، وتجاهلُ الباحث لمثل هذه البؤر في الأحداث يعد إشكالا أيديولوجيا يفقد الدراسة قيمتها العلمية.

رابعا: أن الشيخ عيسى قد بادر في العام 1331هـ/ 1913 لعقد الصلح بين الإمامة والسلطنة، وأعتقد أن هذه المبادرة كانت لتحجيم الدور السياسي للإمامة لذات القناعات السابقة؛ مما حول الإمامة إلى “ممارسات شيخية” بعيدا عن الممارسات السياسية التي تتكئ على الخبرة والاستقلال والشرعية.

كما أن هذه التحولات كان يمكن أن تفسح المجال أمام الباحث لدراسة “ازدواجية الشخصية الدينية” ولذلك، أستطيع القول – ولكن بشيء من الحذر – إنه يغيب عن الدراسات التاريخية العمانية الحفر العلمي، والتساؤل في الفجوات؛ بسبب غياب المنهج العلمي نسبيا؛ ففقه المناهج وفلسفتها لا سيما في العلوم الإنسانية كالتاريخ يعطي الباحث استقلاليته وانعتاقه من أسر الأيديولوجيات؛ فيتحول التاريخ بوصفه نصا أو وثيقة، أو قطعة مادية تكون مدونة في البحث إلى كونه خطابا أيديولوجيا لإعادة إنتاج المعتقدات التي تسيطر على الباحث، وهو أمر لافت للنظر، وكان يفترض من السعدي وغيره من الدارسين في تاريخ الصراع في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين حول السلطة طرح التساؤلات: لماذا فشلت ثورتا الإمامة في القرنين الميلاديين؟ وفي حال الاعتقاد بنجاحهما ما أهم الإنجازات التي قدمتها ثورة الإمامة مقارنة بإنجازات الطرف الآخر؟ هل توجد حلقات مفقودة في الأحداث التاريخية السياسية العمانية؟ إلى أي حد يمكن الثقة بالمؤرخ صاحب الثورة ضد الدولة؟ ما علاقة هذه الأحداث بما يسمى اليوم بــ”الجهاد ضد الوطن”؟

تعتمد الثورات عادة في مساراتها على ما يغذيها في قوتها ورسالتها، وفي “ثورة الإمامة” نلاحظ ظاهرة التشظّي في المكونات أو العناصر؛ فالثورة التي تريد تحقيق العدالة وفق مزاعمها مشوبة بالعصبيات القبلية ولا تتكئ على الدين الخالص؛ لذلك نلاحظ أن السالمي “الثائر” اعتمد التقسيم القبلي ومراكز القوة؛ مما يعني أن “رسالة الثورة” الخالصة لا تجدي في دفعها إلى الأمام، ولو كانت الرسالة كافية لكانت نابعة من الذات المسلمة بغض النظر عن الانتماءات القبلية، وأما ما يتعلق بالشخصية الثائرة؛ فإن الثورة في أصلها اندماج بين “الثائر” والرسالة، على أن الملاحظ في ثورتي الإمامة انفصالا غريبا، أو حالة من التشرذم والانفصال بين “الثائر الحقيقي” وهو القائم مقامَ الشخصية الثائرة، ويتمثل في شخصية المحقق الخليلي في الأولى، أو المحتسب الحارثي، وفي نور الدين السالمي في الثانية؛ أما إمام الثورة فهو عزان بن قيس في الأولى وسالم بن رشد في الثانية؛ لذلك ألم يلاحظ المؤلفُ في دراسته لشخصية عيسى بن صالح الحارثي غيابَ الإمام سالم بن راشد الخروصي من مسرح الأحداث لا سيما في بداياتها، وحضور القائم مقام الثائر؟

ويتعالق بهذا الأمر الذي يعد سمة بارزة يجعل الأحداث متناقضة أحيانا، حالة الرفض لقبول البيعة من المرشح لها وهو سالم بن راشد الخروصي، ومع تشكيكي في الحدث أو تقويسي له؛ إلا أنه لا يستبعد أن يكون “رفضا صُوريا” أو شكليا؛ بسبب ضعف الإمام اعتمادا على المصادر التاريخية العمانية ولا يستبعد أن يكون هذا الرفض المبدئي اتفاقا بينه وبين الثائر القائم مقام؛ مما أدّى إلى إعلان “القتل” حتى لا تتفرق الكلمة بحسب السالمي، اعتمادا على الروايات والاجتهاد؛ عليه فإن السؤال المنطقي الذي يلح علينا: لماذا يقتل؟ والإجابة أن علة القتل كما تبدو من النص المنقول هي ترك المسؤولية بمغادرة منصب الإمامة مع الحاجة الملحة إلى المرشح، بيد أن حالة الرفض التي هي علة القتل مؤدية إلى فراغ المنصب تكون ذاتها نتيجة للقتل الذي هو معلول الرفض؛ مما يؤدي إلى المفارقة المنطقية وفقا لمبدأ عدم التناقض؛ ويجعل القضية أحيانا حيلة سياسية لاستلاب العامة أو تضخيم الموقف، كما تفعل الأساطير المصنوعة حول الرموز؛ لذلك لا أستبعد صناعتها.

وعودا إلى الثورتين يغيب عن الكتاب التحليل العميق للأحداث، لا سيما ما يرتبط بمفهوم السيادة ومصدرها وتداول السلطة، وعلاقة الأطراف بها؛ فإذا طرحنا علاقات المصاهرة بين “الثائر القائم مقام” و”إمام الثورة” أو الزعيم المنتخب وهي علاقات تجعل الشك واردا في أسلوب إدارة الدولة؛ فإن ما يحضر في ذهن القارئ ذلكم الإشكال المتمثل في شخصية عزان بن قيس في صراعه مع أبناء عمه للوصول إلى السلطة؛ فهاجس السلطة إذاً حاضرٌ بقوة لديه مع وجود علاقات النسب، وادعاء الأحقية؛ والسعي الأصيل إلى السلطة يقتضي التشبثَ بها عند الوصول إليها؛ مما يهدم أهم مقتضيات نظرية الإمامة الإباضية القائمة على الاختيار دون التوارث؛ فلو كانت الرغبة في إقامة الإمامة بالتنازل عنها وفق المبادئ الفقهية؛ فإن تركها لأبناء عمومته وهم سلاطين الدولة أقرب إليه وإلى فكره وسعيه إليها لانتزاعها منهم؛ ولا يمكن الاتكاء في هذا المسار الإنساني إلى المعتقد الديني الذي لا يمكن قياسه، ولا يمكن تفسير الوقائع به؛ لذلك وحتى نملأ الفراغات يمكن أن نشير إلى احتمالين:

  1. أن اختياره مجرد مرحلة انتقالية؛ بسبب الانتماء القبلي، والعلاقات الأخرى؛ مما يهيئ الظروف للدخول في صراع جديد عند موته كما سجّل التاريخ لعماني الحلقات الكثيرة من سلسلة الصراعات التي أنهكت المجتمع؛ ولعل الاختيار لأسباب لا نعلمها
  2. أن عزّان بن قيس لا يريد تجاهل رغباته، ولا ينوي إقامة دولة الإمامة؛ وإنما يتوسّل بها لانتزاع السلطة التي عجز الوصول إليها؛ فإيمانه بالإمامة وعدالتها إيمان مرحلي أو شكلي، ولعلّ ذلك معلوم لدى بعض الأطراف الشركاء في الثورة والصراع.

ولعلي أكمل الحديث في مقالات أخرى.

_______________________________

[1] محمد نور الدين أفاية، الغرب المتخيّل: صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000، ص. 41

[2] انظر المرجع السابق، ص. 44

[3] سايمون تورمي، وجونز تاونزند، المفكرون الأساسيون من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية، تر. محمد عناني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016، ص. 17

[4] انظر: سعود الزدجالي، تبرير السياسة بالدين عند نور الدين السالمي (1866- 1914م): مقاربة تداولية نقدية لديماغوجيا الخطاب السوسيوديني في الحق الجلي، لندن: دار عرب، 2018.

[5] طارق بن خميس السراي، العلاقة بين الإمامة والسلطنة في عمان 1868- 1913م، ص. 110- 111

[6] زاهر بن سعيد السعدي، الشيخ عيسى بن صالح الحارثي (1290- 1365هـ/ 1874- 1946م): سيرته ودوره السياسي في عمان، بيروت: مؤسسة الانتشار، 2018، ص. 237

0 868 27 سبتمبر, 2018 التاسع والتسعون, العدد الأخير, ثقافة وفكر سبتمبر 27, 2018