كريتسينه لافانت: في مديح التوقّف عن البكاء

لـ

للشاعر النمساوي الأشهر راينر ماريا ريلكه بيت شعري يقول: “ألا يجدرُ بهذه الآلام العتيقة أن تعطينا الثمرَ أخيرًا“؟ ربما يكون هذا البيت الشعريّ هو أصدق تعبير عن رحلة حياة الروائية والشاعرة النمساوية كريستينه لافانت ( 4 يوليو 1915 – 7 يونيو 1973). إذ لم يخلُ يومٌ من أيام حياتها من ساعات آلام جسديّة وروحية، بدأت منذ لحظة ميلادها واستمرّتْ حتى يوم وفاتها، فكان الشِعـر (وعلى الأخصّ أشعار ريلكه) والكتابة جناحيّ الملاك الحارس، الذي كان يحيطها، ويقيها من القنوط ويحول بينها وبين الانتحار.

وُلدِتْ كريستينه لافانت (بالميلاد كريستينه تونهاوزَر) في قرية جروس إدلِنج النمساوية لأسرة تعاني من فقرٍ مدقع. كان الأب عاملًا بأحد المناجم، بينما امتهنت الأم الحياكة للمساهمة في الإنفاق على أسرّة مكوّنة من اثني عشر فردًا، كانت كريستينه هي الابنة التاسعة. وُلِدتْ الطفلة بمرضٍ التهاب العقد اللمفاوية العنقية، وهو نوع مُزمن من السُلّ يهاجم الغدد اللمفاوية للعنق، وقد أثّر هذا المرض على الكثير من وظائفها الحيوية، من بينها البصر والسمع، ولذا شارفت الطفلة الصغيرة على حدود العمى والصمم حين كانت في الثالثة من عُمرها، وبعدها بأقل من سنة أُصيبتْ الطفلة بالتهاب رئويّ حادّ كاد يودي بحياتها؛ لكن القدر كتب لها أن تواصل حياتها بين إقامة لا تتجاوز أيامًا في منزل والديها، وأخرى تمتد شهورًا في مصحّات علاج السلّ في النمسا. في سنة 1924 يتدّخل القدر مرّة ثانية لصالح الطفلة، لينقذها طبيب أمراض الرمد بمستشفى كلاجينفورت المحليّة، د. أدولف بورتشر ليعالجها، ويحفظَ لها شيئًا من بصرٍ ضعيف.

قبيل مغادرتها المستشفى يهديها طبيبُ العيون ديوان “مراثي دوينو” للشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه، بعدما لاحظ ميلها للكتابة الأدبية وللشعر بعد محادثاته معها طوال فترة العلاج، فتكتشف لافانت بعد قراءة ريلكه عالمًا أشدّ رحابةً وأكثر اتساعًا من غرفة مستشفى علاج السلّ الكئيبة. وفي سنة 1937 تتعرّف كريتسنيه إلى زوج المستقبل يوزيف هابيرنج، الذي كان يكبرها بستة وثلاثين عامًا، وفي نهاية السنة ذاتها نفسها يرحل الوالدان، فتضطرّ لافانت إلى الاعتماد على نفسها لكسب الرزق من صناعة مشغولات التريكو اليدوية، وتتزوج في النهاية من صديقها الأكبر سنًا، ليصير خير عون، وخير داعمٍ لها رغم فارق السنّ الكبير.

 

 

لم تترك معاناةُ المرض لافانت ساعةً واحدة، مما أغرقها في دوامات يأس عنيفة، شّدتها بقوةٍ إلى التفكير في الانتحار عدة مرات، لكنها كانت تلوذ بأشعار ريلكه في اللحظات الأخيرة، فـتـمنحها دفعة روحية، ومبررًا قويًا لمواصلة الحياة. في سنة 1945 تعود لافانت إلى كتابة الأدب، وتشرع في مـراجعة مجموعة قصائدٍ قديمة، فتنقّحها وترسلها إلى “منقِذها القديم”، طبيب العيون د. بورتشر الذي توسّط لها لدى دور النشر لطباعة مجموعتها الشعرية الأولى، بعد أن اختارتْ اسم لافانت- وهو اسم النهر الشهير الذي يمرّ بمسقط رأسها- لقبًا نشرتْ به جميع أعمالها الأدبية والشعرية حتى وفاتها.

ظهر ديوان لافانت الأول سنة 1948، توالى بعدها نشر أعمالها القصصية والروائية القصيرة، وانهمر سيل التكريم والاحتفاء (جائزة جيورج تراكْلْ في الشعر سنة 1954، وجائزة الدولة التشجيعية في الشعر سنة 1961، ثمّ جائزة جائزة الدولة الكُبرى في الأدب من الحكومة النمساوية سنة 1970)، ليذيعَ صيتها خارج حدود النمسا كشاعرةٍ وقاصّة ذات صوتٍ لافتٍ متميّز، وهو صوت طالما قارنه النقاد – مع اختلاف التجربة والأسلوب- مع صوت راينر ماريا ريلكه الصارخ في مواجهة عبث الوجود.

رغم اعتلال صحّتها الدائم، كانت لافانت كاتبةً غزيرة الإنتاج؛ حيث تركت ما يزيد عن ألفٍ وسبعمئة قصيدة شعرية، وما يقترب من ألف صفحة من النثر القصصي والروائي، ظلّ معظمه حبيس الأدراج في أثناء حياتها، ولم يُكتب له النشر إلا بعد وفاتها سنة 1973، لتظهر أعمالها غير المنشورة كاملةً سنة 2012 في طبعة مزودة بالشروح والتعليقات في أربعة مجلداتٍ ضخمة عن دار نشر Wallstein الألمانية.

***

حظي أدب لافانت باستقبال نقديّ وجماهيري واسع، إذ وصف الروائي النمساوي الكبير توماس بيرنهارد، شعــرَ كريتسنيه لافانت بأنه “ذروة الشعر المكتوب بالألمانية”، مضيفًا أنّ لافانت كانت لديها بصيرة ثاقبة في التقاط أدقّ تفاصيل الوجود الخافية على المُبصرين (في إشارة إلى ضعف بصرها المُزمن)، كما أنها كانت شديدة الذكاء والبراعة في انتقاء استعاراتها الشعرية والأدبية”. بينما نعتها نقّاد الأدب بأنها واحدة من أفضل شاعرات القرن العشرين، وأكثرهنّ رقةً وغوصًا في النفس البشرية.

 

 

تتصارع داخل أعمال لافانت الشعرية والنثرية إرادتان، تسير كلّ واحدة عكس الأخرى؛ إرادة تسير نحو عيشِ حياةٍ طبيعية هادئة، والثانية  إرادة القدر المعاكس، الذي يقف في طريق الأولى لأسباب متصلة بالمرض وبالفقر، لكن لافانت كانت تنتصر دومًا لإرادة الإنسان، ولإرادة الحياة والتمسّك بها. حيث تناولت أغلب أعمال لافانت النثرية مشكلات العوز الماديّ، والمرض، وتهميش المجتمع للنساء الفقيرات، مُـنـتـقلةً بعد ذلك إلى دور الأدب في هزيمة لحظات اليأس.

***

من أوائل الأعمال النثرية التي كتبتها لافانت، روايتها القصيرة “الطفلة”، التي نُشِرت للمرة الأولى سنة 1948، ثمّ أعادت دار Wallstein الألمانية نشرها ضمن مجموعة الأعمال الكاملة. محور الرواية يدور حول طفلة يَـقـذِف بها القدرُ إلى عالمٍ تسوده القسوة والمعاناة. ومع أنّها لا تستطيع فهم دوافع القدر ولا تفسيرها، إلا أنها لا تقف مكتوفة الأيدي. فتبدأ الطفلة النابهة، التي ضاعف الألم من خبرتها ومن عُمرها، في إدراك أهمية قيادة هجومٍ مضادٍ لمواجهة هذه الظروف، هجوم يناسب سنّها وقدراتها، فلا تجد أمامها سوى أن تتخذ من الخيال مأوى يحميها من مضايقات الأطفال “الأشرار”، ويعينها على تحمّل آلام المرض، تارةً من خلال التجربة الدينية وقراءة حكايات الكتاب المقدّس، وتارةً أخرى من خلال تجربة الاطلاع وقراءة القصص الخرافية (حكايات الأخوين جريم، حكايات أندرسون الخرافية، إلخ). وهو ما يمثلّ إعلانًا صريحًا لرؤية لافانت الكليّة لمعنى الفنّ ولضرورة الخيال في مواجهة الواقع، وقسوة تدابير الزمن. الجميل في الرواية (أو النوفيلا) أن لافانت لا تسخر من استراتيجية الأطفال البريئة الساذجة في رفضهم للواقع، بل على العكس، فهي تقدّم لنا هذه الاستراتيجية بوصفها قوّة فاعلة، وإرادة قادرة على التغيير. على سبيل المثال، في بداية الرواية تحاول طفلة متنمرّة اسمها “ليزلوت” السخريةَ من كبير الأطباء في المستشفى، وهو الطبيب الحنون الذي تقدّسه بطلتنا الصغيرة، فيتفـتــق ذهنها عن ردّ عجيب، يقلب الموقف لصالحها.

 

 

نقرأ في صفحة 33 من الرواية ردَّ فعل الطفلة على زميلتها الخبيثة: “أنتِ..أنتِ.. سيأتي الشيطان إلى فراشكِ ليلًا…نعم..سوف ترَين ذلك..لإنكِ تسخرين من الأشياء المقدّسة..ستتحولين إلى دُمية خشبية جامدة”، فـتكفُّ ليزلوت عن سخريتها ممّن تحبّهم الطفلة.  قد يرى بعض القرّاء أنّ رواية “الطفلة” ما هي إلا محاكاة لسنوات لافانت الأولى في مستشفى علاج السلّ في كلاجينفورت، لكن المؤلّفة قالت عن هذه الرواية الصغيرة تحديدًا:“كانت الحكاية تكتب نفسها بنفسها، لم أكن أمسك سوى بخيطٍ رفيع”.

إلى جانب النثر، كتبت لافانت آلاف القصائد الشعرية، التي كانت تدور – بشكلٍ أو بآخر- حول الفكرة نفسها؛ فكرة أن يصنع الإنسان من ضعفه قوّة دون انتظار معجزات. اخترتُ المقطع الآتي من قصيدة بعنوان “قل لي كلمة”، التي نُشرتْ ضمن أعمالها الكاملة الصادرة سنة 2012 عن دار  Wallstein كما أشير سابقًا:

قل لي كلمة..

وسأصنع لكَ من قلب الإسمنت وردة

كما صنعتُ من ضعفي قـوةً

وكما صنعتُ مِن انتظارٍ بلا معنى

مغـنـاطـيسًـا يجذب ألف معنى

وأنا توقـفتُ عن البكاء

وعن انـتـظـار المعجزات

فالمعجزات لا تحدث إلا حين يبلغ ضَـعـفـِي أقصى مـداه
حين يجاوز ضَـعـفـِي أعناق الحَـمـامَ المحلّق بلا حدود
حين يهوي ضَـعـفِــي مُلامــسًا قيعان آبار سود

وأنا توقفتُ عن البكاء

وعن انتظار المعجزات

***

0 126 01 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, حداء الروح أكتوبر 1, 2018