كناز السح

لـ

 

حافلةُ المدرسة التي تضمُّ ما يقربُ من ثلاثين مقعدا، يمكنُ أن تتحول بقدرة قادر إلى “جونية سح” قابلة لأن تُكنز بما يربو على ستين طالبا، وذلك بكثيرٍ من الضغط والدفش والزج، يحدثُ ذلك وأنت غير متأكد تماما، إن كانت هذه الحافلة قد تجاوزت عمرها الافتراضي، أو آن أوان أن تتحول إلى قطع خردة !

فهذا الخيار -على الأغلب- يبقى الأكثر رحمة في ظل قلّة التعاقدات مع أصحاب الحافلات وضعف مردودها من جهة، وفي ظل تورط المعلمين بمسؤوليات لا تعدُّ ولا تحصى جوار مهمتهم الأسمى التي تخرجوا ليعلموا بها من جهة أخرى.

فلا عجب أن يقول لك راعي الباص: ” ما بشل تريبين والبترول غالي والأجور متواضعة”، ومن باب أولى أن يقول المُعلم: “ما بجلس لين يأذن بالعصر وأنا من الصبح واقف على رجولي” ، وهكذا يغدو مشروع “كناز السح” حلا مقبولا “لتمشية الحال لين قدام” !

بل تصوروا أن يغدو هذا حلا مثاليا للطلبة المساكين الذين يخرجون من منازلهم من “الغبشة”، بعضهم في الخامسة والنصف فجرا، وقد لا يصلون إلى بيوتهم إلا في الساعة الثالثة ظهرا، فهنالك دقائق طويلة باتت تنضاف إلى ساعات الدراسة، وكأننا نتدرجُ مُجددا لنستعيد الأوقات التي تخففنا من عبئها منذ زمن ليس بالبعيد.

يحدثُ كلُّ هذا تحت فوهة الشمس الحارقة، وفي ظل غياب وسائل الأمان البسيطة والتكييف الذي قد يصنعُ مُعجزة خارقة مع اللواهيب غير المحتملة !

وأمام ظروف كهذه، علينا أن لا نتعجب من استمرار مسلسل موت الأطفال اختناقا في الحافلات بسبب النسيان المُتكرر، فمن ذا الذي سيبقى لديه عقلٌ في ظروف مُشابهة ومتكررة.. (طبعا هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال مسألة الإهمال)، ولكن ما أود التأكيد عليه أنّها منظومة متلاحقة من العبثية.

وأما مشروع “الكناز” الخرافي هذا، فقد يدفع البعض لأن يتساءلوا: لماذا لا يُطبق قانون المرور على هذه الحافلات، فنحنُ نصنفُ من الدول الصديقة للطفولة، ونظنُ أنّ أبسط حقوق هذا الطفل أو حتى الطالب الأكبر عمرا أن يحصل على مقعدٍ خاصٍ به في الحافلة احتراما لإنسانيته قبل كل شيء.. لا أن يخوض مغامرة المجازفة كل يوم، واقفا على قدميه إذا ما فاته الصراع على مقعد، أو متعرضا للغبار إذا ما كان التكييف مُعطلا والنوافذ مُشرعة.. ناسين أو متناسين أن يكون بعضهم مرضى بأمراض تتطلب الرعاية.
نعرف الآن -على وجه الدقة- أنّ أي مقترح سوف يُواجهُ بالرد الذي بتنا نعرفه جيدا ونحفظه عن ظهر قلب، “سياسة التقشف” التي لم تعد تحتملُ أفكارا تخرج بنا من تكرار السيناريوهات المعتادة ، ولكن هذه السياسة كما يبدو باتت تطالُ شيئا وتغضُّ الطرف عن أشياء أُخر.
فيبدو على سبيل المثال لا الحصر، أنّه من الممكن التخلص من الكتب التي ظهرت فيها خارطة السلطنة ناقصة في أحد الكتب، ثم تصدير الأمر بطباعة كُتبٍ أخرى؛ بينما كان يمكن بكل يُسرٍ ودون تعقيد كثير، أن يُطلب من كل طالبٍ تغطية الخريطة البائسة بالخارطة الصحيحة، بل إن ذلك قد يغدو درسا مهما جدا ومُلهما لحفظ حدودنا عن ظهر قلب، بل قد يُساهم في ترسيخ المعلومة في ذهن الطلاب، عوض أن تتكبد الوزارة خسائر كثيرة جراء ما قد أشير إلى أنّه “خطأ فني”!، ولنا أن نقيس على ذلك مسائل أخرى.

ولو طرحنا سؤالا ساذجا من قبيل: ترى من هو سائق باص المدرسة الذي يحمل أرواح أبنائنا ثلاثة أرباع السنة، كيف يتم اختياره؟ ما مؤهلاته أكثر من “الليسن” الذي حصل عليه أغلبنا، ما العمر الافتراضي الذي ينبغي أن يكون عليه السائق، وبما أن أغلب الحوادث تحصل بسبب الهواتف، فهل هنالك قانون يضبط استخدام السائق للهاتف أثناء القيادة ؟ وقبل إبرام العقود هل يتم الاكتراث لنوع الحافلة و”موديلها” وسعتها ودرجة أمانها؟
عندما تفتح هذه القضية للنقاش، نجد الأغلبية العُظمى يشيرون إلى ضرورة إسناد الحافلات المدرسية إلى شركة كبيرة ، لتُخفف العبء الكبير عن كاهل الوزارة. وقد بدأت “مواصلات” بذلك حقا، فهنالك حتى الآن ما يقارب 212 حافلة مزودة بكل أسباب الراحة والأمان، ومتوزعة بين مسقط والبريمي، ولكن ألا يبدو هذا الرقم صغيرا جدا إزاء عدد المدارس المُتزايد !
مع أنّ هذه الخطوة لن تعود بالنفع على المدارس وحسب، بل على الأغلب ستجلب فائدة أخرى في مسألة توظيف الشباب، عبر تأهيلهم وإعدادهم لهذه المهمة وبرواتب نفترض بأنها معقولة.

نعلم جيدا أنّ الخدمة الجيدة التي ستريحنا من كناز السح، ستتطلب مالا أكثر، والمال سيعيدنا مجددا إلى قصة “التقشف”، ولكن وبما أننا اختبرنا قابلية الثروة النفطية للتراجع أو النفاد، أو حتى الاستبدال بالطاقة المتجددة، فإن الطاقة الوحيدة التي ينبغي أن نعول عليها، كبلد ينظر للمستقبل بتفاؤل جاد، هو الطاقة البشرية والعقول التي نراهن على أن العملية التعليمية تصنعها للمستقبل القريب. وعليه ينبغي أن نعيد لهذا الكائن الحقَّ بمقعدٍ آمن على أقل تقدير.

0 1142 07 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, حداء الروح أكتوبر 7, 2018

عن الكاتب

كاتبة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها هدى حمد