مستقبل البشرية: هذه ليست بتنبؤات نوح هيراري

لـ

القادم ملخص لمحاضرة ألقاها عالم المستقبليات والمؤرخ  نيوفال نوح هيراري[1]

هذا الكتاب لا يتنبأ بالمستقبل؛ ولكنه يرسم خريطة للاحتمالات لما هو قادم لامحالة. فالتنبؤات لا يمكنك فعل شيء حيالها؛ فهي إما أن تصيب أو تخطئ؛ بينما الاحتمالات إن لم يعجبك أي منها فيمكنك تجنبها قبل أن تتحقق. موضوع ( الذكاء الاصطناعي) والثورة التي يقوم بها هو حديث الساعة والهمّ الشاغل للكثيرين، فالثورة التي يقوم بها هي الأعظم منذ ظهور البشرية؛ وعلى وجه الخصوص ما تحققه من طفرات متقدمة في المستوى البيولوجي تحديداً؛ فلطالما كانت البشرية محكومة بقوانين مكوناتها العضوية الحيوية، وتكاثر الكائنات مرهون بالسلاسل البيولوجية وفقاً لقانون الانتخاب الطبيعي الذي نعرفه، ولكن ما يحدث اليوم أن البشر على مشارف تحقيق  – ولأول مرة وبعد ٤ بلايين سنة من الحياة – أمرين وهما : أن يكسروا قاعدة الانتخاب الطبيعي ويقوموا بأنفسهم داخل المختبرات بتشكيل سلسلة جديدة كليًا عن سلسلة الانتخاب الطبيعي، والأمر الآخر هو أن هذه السلسلة الجديدة سوف لن تستعمل المواد العضوية؛ ولكنها سوف تخلق كائنات صناعية ذات ذكاء فائق. كما أن الحلم الذي حاول الإنسان تحقيقه منذ عشرات السنين في إيجاد مقومات الحياة اللازمة للعيش خارج كوكب الأرض على وشك أن يتحقق أيضاً، بعد أن فهم هذا الإنسان بأن عليه الكف عن محاولة البحث عن  سبيل للعيش على الكواكب الأخرى من خلال العمل في المكونات الحيوية، وأن عليه أن يركز في تطوير ما يقوم به حالياً من  تشكيل لسلاسل صناعية غير حيوية متطورة، مستفيداً من خبرته الطويلة في فهم تشكيل السلاسل الحيوية، وفهم ما ينقصها لتتمكن من العيش خارج كوكب الأرض. ونقاشنا اليوم لن يتطرق إلى الاحتمالات المتعلقة بالكواكب الأخرى وإمكانية العيش فيها؛ ولكنه سوف يناقش التحديات الأقرب من واقعنا: التحديات الاقتصادية وسوق العمل، ومدى تأثرها بثورة الذكاء الاصطناعي.

 

سوق العمل والذكاء الاصطناعي

قبل سنوات بسيطة كنّا نستبعد إمكانية تصنيع السيارات ذاتية القيادة، وكانت التجارب محصورة في أماكن مغلقة مخصصة لاختبار هذه السيارات، دون التجرؤ على السماح لها بالسير في الشارع. اليوم – وكما ترون وبعد سنوات معدودة – أصبحنا على مشارف تحقيق ذلك دون خوف أو تردد؛ بل إننا سوف ندفع بكل إمكانياتنا لتحقيق ذلك لتجنب الخسائر الحالية التي يتسبب بها البشر،  ذلك أن ضحايا حوادث الطرق السنوية حول العالم تقارب ١.٣ مليون شخص، وهو ضعف عدد ضحايا الجرائم والإرهاب والحروب كلها مجتمعة. وبعد أن كان الخبراء يشككون في كفاءة الذكاء الاصطناعي ليحل محل البشري؛ أصبحوا اليوم جاهزين ومقتنعين تماماً أنه الخيار الأفضل والأسلم من قيادة البشر. فبعد حوالي ١٠ أو ٢٠ أو ٣٠ سنة على أكثر تقدير سوف تحل السيارات الذاتية القيادة محلّ البشر، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها أن الذكاء الصناعي في هذه السيارات يؤهلها لتكون قيادتها أفضل وأكثر أمناً من قيادة البشر؛ بل وأقل تكلفة وأقل تلوثاً؛  إذ إن أسباب حوادث السيارات معروفة: كالنعاس أثناء القيادة و السياقة تحت تأثير الكحول وغيرها من المؤثرات العقلية و السرعة والتهور وتجاوز قوانين المرور، وكل هذا يمكن تجنبه كلياً؛ فالذكاء الاصطناعي لا ينعس ولا يشرب الكحول ولا يكسر القوانين إذا قمت ببرمجته بعدم فعل ذلك. ومن هذا المنطلق سوف تتأثر مهن أخرى غير (مهنة السائق ) فهناك الطبيب على -سبيل المثال- الذي نبحث عنه إذا استيقظنا ونحن نشعر بأن جسمنا يعاني من شيء ما، وقد نقوم بتحديد موعد مع طبيب نعرفه ويعرف تاريخنا الطبي، وقد نقوم بزيارته في حال سمح جدول مواعيده بذلك، وقد نؤجل الزيارة بسب زحمة هذا الجدول إلى يوم آخر، وحين نصل إلى طبيبنا المعالج سوف يسألنا عدة أسئلة، وقد يقوم بإجراء بعض الفحوصات كقياس الضغط ونبضات القلب. ومع أن الطبيب على معرفة سابقة بِنَا، وإلمامٍ بحالتنا الصحيّة؛ إلا أنه كأي بشر آخر قد ينسى، وقد لا يملك معرفة بآخر المكتشفات العلمية والطبية، ولم يتدرب على استخدام الطرق الحديثة لمعالجة بعض الأمراض بسبب شُح  في الوقت أو المال، كما أن هذا الطبيب قد يمرض أيضاً وقد يشعر بالتعب والإرهاق. أما الطبيب ذو الذكاء الاصطناعي فهو موجود في هاتفك المحمول وتستطيع أخذه معك إلى أي مكان، وستطيع ملازمتك طيلة أيام العام، ويمكنه تشخيصك في أي وقت دون الحاجة إلى تحديد موعد. ولعل أشهر أطباء الذكاء الاصطناعي هو ( واتسون) الطبيب الذي طورته شركه IBM، إذ يمكنك أن تخاطبه لساعات شارحاً له أعراضك، كما يمكنه أن يجري الفحوصات وأنت في مكانك بواسطة مجسات موضعية أو داخليه قد تزرع في جسمك ليتمكن واتسون حتى من معرفة ما سَيُلمُّ بك حتى قبل أن تبدأ أنت في الشعور به أو الشكوى منه. وهو كذلك يملك آخر المستجدات الطبية والعلمية والأدوية الحديثة؛ لأنه مربوط بالشبكة المعلوماتية التي تحدثه باستمرار؛ مما يجعله متفوقاً بمراحل كثيرة عن الطبيب البشري.

 

  قد يقول قائل (١)

نعم قد يكون الطبيب ذو الذكاء الاصطناعي متفوقاً على الطبيب البشري بمعرفته؛ ولكنه لا يملك المشاعر والأحاسيس والتعاطف الإنساني الذي يحتاجه المريض، فالمريض بحاجة إلى هذا التعاطف بقدر حاجته للعلاج والدواء ؟

نستطيع أن ندحض هذا القول ببساطة برد بسيط مفاده أن المشاعر والأحاسيس ليست سوى تفاعلات كيمائية، وهي لم تعد ذلك الشيء الغامض الذي نظن أن الإنسان يتفرد به عن غيره من المخلوقات، وبسبر أسرار تكوين الأحاسيس والمشاعر لم يعد صعباً أبداً أن تتم برمجة هذا الطبيب الرقمي، فكما أنه يقيس درجة حرارتنا والتفاعلات بداخلنا؛ يمكنه – بلا شك – قياس هذه التفاعلات الكيميائية وفهمها، وفهم كيفية التعاطي معها كما يفعل البشر؛ بل ربما أفضل منهم. فالطبيب البشري يمكنه فهم هذه المشاعر من خلال أمرين : أولهما تعابير وجه المريض، وثانيها بكلام المريض وتعبيره لما يشعر به. نعم هناك تحديات تواجه الطبيب التقني واتسون كالتحديات التقنية والأخلاقية. ولكن كلها ليست عصية، ويمكن إيجاد حلول لها مع الوقت. كما أن علينا أن نفهم أن كل هذه التحديات تُحلّ لمرة واحدة فقط! على عكس الاستثمار في الجهد والمال لتخريج طبيب بشري واحد، إذ عليك أن تستثمر الجهد ذاته والمال ذاته والوقت ذاته في كل طبيب يدخل إلى كلية الطب، وكلنا يعلم شُح عدد الأطباء في مقابل عدد سكان العالم الذي يحتاج كلٌّ منهم إلى رعاية طبية؛ بينما في طبيب الذكاء الاصطناعي فنحن قد نستثمر مبلغاً كبيراً، ولكن لمرة واحدة فقط لنحصل في المقابل على عدد لانهائي من الأطباء الأكثر كفاءة لكل شخص في العالم.

ليس الأطباء وحدهم من تهدد أجهزه الذكاء الاصطناعي مهنتهم، ولكن هذا مصير الكثير غيرهم، كالمحامين والعاملين في مكاتب التأمين و المعلمين وغيرهم، سوف تحل محلهم أجهزة الذكاء الاصطناعي بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود فقط من الآن.

 

 قد يقول قائل ( ٢ )

سمعنا هذا الكلام المخيف منذ زمن، ولم نلاحظ أن الآلات حلت محل البشر؟

يمكننا الرد على هذا القول بأن هناك مهنا اختفت فعلا، أو تقلصت تقلصاً كبيراً بوجود الآلات؛ ولكن ظهرت في المقابل أسواق جديدة ومهن جديدة كذلك. نلاحظ اليوم تزايد العاملين في مهن تقديم الخدمات، وتقلُص العاملين في مهن الزراعة، فاليوم فقط ٢٪ من سكان الدول المتقدمة يعملون فيها، بينما كانوا يشكلون ٩٠٪ قبل الثورة الصناعية. لم تشكل الثورة الصناعية خطراً كبيراً كما نرى؛ فقد جاءت الآلات وتشكلت مهن جديدة في المقابل، إلا أننا لا نستطيع التنبؤ بمستقبل الثورة القادمة، وما الآثار التي ستترتب عليها؛ لكن علينا أن نعي أن هذه الثورة لا تشابه الثورة الصناعية في شيء؛ بل هي على عكسها تماماً. فالثورة الصناعية جاءت لتحل محل الإنسان في العمل البدني وتفوقت عليه في القوة والمقدرة؛ فالإنسان كما نعلم  يتمتع بميزتين هما: القدرة على العمل البدني والقدرة على العمل الذهني، فإن كانت الثورة الصناعية حلّت محل مقدرته البدنية فالثورة القادمة ستحل محل مقدرته الذهنية. وهنا تكمن صعوبة التطور الحاصل في أدوات هذه الثورة، فهي سريعة للغاية، ولم نكتشف حتى الآن مقدرة ثالثة يمتلكها الإنسان لنستطيع توجيهه إليها ليعمل بها. كما أننا لو افترضنا معرفتنا بمقدرة ثالثة يمكن للإنسان أن يتوجه لها ويصقل مهاراته للانخراط فيها؛ فهي ستتطلب بلا شك قدرات متطورة ومتقدمة جداً تجعل من الصعوبة على شخص كان يقود سيارة أجرة وخرج من هذه المهنة في سن الأربعين أن يصقل مهاراته لعالم لم يعد بحاجة إلى مقدرته البدنية أو الذهنية، وإنما بحاجة إلى قدرات تخطيط و قيادة مستقبلية تتطلب الخوض في مجالات قد لا يملك القدرة ولا حتى العمر الكافي للإلمام بها. وللأسف لأننا لا نعلم ما المطلوب مستقبلاً؛ نقف اليوم عاجزين حتى عن توجيه الناشئة الصغار  الذين يخطون خطواتهم الأولى في المدارس وقد يتخرجون منها بتخصصات لا يحتاجها العالم في القادم من الأيام.

 

وفي الختام

نحن أمام تغيير جذري للمشهد السياسي والاقتصادي؛ فكما هو حال كل الثورات البشرية الكبيرة سوف يصاحب هذه الثورة تشكُّل طبقات اجتماعية جديدة كما حصل في الثورات السابقة التي شكّلت طبقات العمال الذين يملكون بتجمعهم هذا وزناً سياسياً واقتصادياً؛ ولكن ماذا سيحصل في هذه الثورة؟ سوف تزاح طبقات مؤثرة حالية كقوة تجمع سائقي الأجرة وسوف يشكلون مع غيرهم طبقة ليست بذات وزن و لا قيمة، وستحل محلهم شركات معدودة تحتكر سوق المواصلات لتشكل مصدر قوة اقتصادية وسياسية.  هناك الكثير من الاحتمالات لما قد يحدث في قادم الأيام، وعلينا العمل منذ الآن على تقنينها وتنظيمها ودفع الأكثر ضرراً منها بعيداً عنا. فكما أسلفنا الذكر، بأن هذه ليست بتنبؤات، لذا حاول منذ هذه اللحظة تغيير الاحتمالات التي لا تعجبك، وحاول أن تفعل ما تسطيع فعله الآن.

_________________________________

[1] هذه ليست ترجمه حرفية ولكنها ترجمة تلخيصه شارحه لمحاضرة المؤلف التي تجدونها كاملة على هذا الرابط:

https://youtu.be/XOmQqBX6Dn4

 

0 532 11 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, ثقافة وفكر أكتوبر 11, 2018