كلٌّ يغني على ليلاه! 

لـ

بعد سيناريو “حافلات المدارس” و”المعلم اللي بتاع كله”، نتوهمُ أنّ مأزقنا الحقيقي  يكمنُ في بُعدٍ واحدٍ لا نرغبُ في تجاوزه؛ إذ يتركزُ حول قصة يتيمة اسمها “التقشف”. بينما واقعيا يبدو أنّ مربط فرس الجزء الأكبر من الأزمة يكمنُ في ترهل الإدارة !

 

نفهمُ أنّ أشياءً كثيرة قد لا تتحققُ إلا بالمال، ولكن – من جهة أخرى- فإنّ قصة “التقشف” باتت الذريعة التي يُؤجلُ تحت بندها كلّ شيء. نفهمُ قصص البطء وتسويف بعض القرارات المُلحّة؛ ولكن ما لا نفهمه جيدا هو الخلل الذي يضربُ عصب مؤسسة حيوية كالتعليم لأسبابٍ إدارية أكثر منها مالية، ناسين أو مُتناسين أنّ الإدارة إمّا أن تكون هشة ومترهلة تعصف بها أي رياح، وإمّا أن تكون رتمًا حيويًّا يُعطي مؤشرًا جادًا حول تحضر التجربة وتمدنها.

وكما يبدو جليا، فإنّ خلل الإدارة يميتُ قلب الرجاء من إشعال بارقة أمل صغيرة.. يحصلُ ذلك عندما نتوقفُ عن التعامل مع الإدارة كفن حقيقي، فتترهل المنظومة بأكملها وتُصبحُ عُرضة لانهيار بائس !

فالإدارة كما يبدو تُعاني من قصرٍ في النظر للمستقبل؛ وذلك لأنّ الأقسام التي تدير العملية التعليمية تُغني على إيقاع “ليلاها” مُنفردةً. يبدأ الأمرُ منذُ لحظة التخطيط لبناء مدرسة على شكل حرف ( U ) ناسين أو مُتناسين ضلعا من أضلع المبنى. لا يحدثُ ذلك بمحض الصدفة بالتأكيد، وإنّما بسبب ما هو معتاد، “إذ ستكون هنالك مُناقصة أخرى نعتمدها ما إن نحتاج لإضافة صفوف جديدة! ”

فنحن نفتقدُ النظر لأبعد من أنوفنا؛ ولذا لا نستغرب أن  تبدأ المدرسة بأربعة وعشرين فصلا على سبيل المثال، من ثمّ يجد المسؤول نفسه – وخلال سنوات قليلة – بحاجة إلى المزيد من الفصول؛ لأن المكان أخذ يكتسب حيويته، فالبيوت تتزايد ويتزايد معها عدد المواليد، وينتهي الأمر بصفوف مكتظة !

مع أنّه كان يمكن وبكل بساطة الاستعانة بالتعداد السكاني الذي يُقدم مُؤشرات أولى بتوقعات عن مدى الكثافة السكانية لسنوات مقبلة؛ إلا أن ذلك لا يحصل.  حقيقة.. كنا نفترض أن يقل عدد الطلبة في الصفوف لضمان الجودة التعليمية، ولكن ما يحدث هو عكس ذلك تماما، فالصفوف تصغر والأعداد تزيد وتتنامى في انتظار استكمال الضلع الناقص  !

وبالمناسبة، لا يفوتنا القول إن هنالك سقفًا منسيًا لتغطية ما نفترض أنه غُرف رياضة، إذ يتم تجاهلها بإصرار مع أنها – أي الرياضة – باتت مادة أساسية، في  بلد تربو درجة الحرارة فيه على خمسين درجة مئوية، فهل يبدو إضافة هذا السقف ترفًا زائدًا أيضًا!

طيب.. ها قد صارت لدينا مدارس جديدة، وبالتأكيد سيتطلب الأمر توفير معلمين، ولأننا في وقت “تقشف” سيبدو أمر التعيينات صعب المنال، ولذا سيغدو  انتقال المعلمين من مدرسة إلى أخرى مُقترحا ملائما لهذه الظروف. ولا بأس بقليل من التضحية من  أجل المصلحة العامّة؛ ولكن أيحصل أن  يجتمع قسم التخطيط والاحتياجات وقسم الموارد البشرية تحت سقف واحد لدراسة موضوع التنقلات بروية ومنطقية مع مراعاة أوضاع  الأطراف كافة، أم أنه مسلسل آخر من العشوائية الإدارية المقيتة!

إذ نلحظُ أنّ التنقلات تتم بدم بارد، وبكثير من العبثية ودون النظر لظروف هولاء المعلمين، ضاربين عرض الحائط  بالجانب الإنساني من المسألة، فماذا عسانا نتوقع من عطاء ومثابرة لاحقا!!

ولنأتِ إلى موضوع المناهج، حيث يشعرُ أحدنا بالغبطة من التطور المواكب للمستجدات التعليمية، ومع كل الصعاب التي يشتكي منها المعلمون وأولياء الأمور إلا أنّها ستمضي مع الوقت وسنتأقلم بالتأكيد، ولكن نتساءل عن نقطة مفصلية وأساسية: لماذا الاستعجال ولماذا لا نتريث قليلا ونخطو خطوة خطوة؟

فبما أننا بدأنا مع الحلقة الأولى تطبيق منهج كامبريدج (وهذا أمر في غاية الأهمية)، فلماذا لا نستمر مع هذه الدفعة، لنقيس نقاط قوتها وضعفها ونتائجها ؟ لماذا القفز إلى صفوف الخامس والسادس الابتدائي الذين لم يتأسسوا أصلا على هذا المنهج؟

يبدو أنّ المعاناة لم تصِب الطلبة وحسب؛ بل إنّ الأساتذة أيضا كابدوا الأمرين لكي يتأقلموا مع روح المنهج الجديد، فهل تكفي دورة لمدة ثمانية أيام لاكتساب آليات تعليم المنهج الجديد ؟!

وثمة سؤال آخر يدور في الأفق: لأولئك الذين اشتغلوا على تطوير المنهج، هل يُعقل أن يضعوا منهج  الصف الأول الابتدائي ليتناسب مع الذين أخذوا جرعة تعليمية في الروضة والتمهيدي، مُتجاهلين أنّ هنالك أعدادا هائلة من الأسر لا تستطيع أن ترسل أولادها للروضة والتمهيدي، فيقع المعلم في حيص بيص بين طالب يستطيع القراءة والكتابة وطالب آخر لا يزال يُكابد مرارة الإمساك بالقلم !

يحدث كل هذا التشويش في صف به ثلاثون طالبا على الأقل !

كلنا يعلم أنّ العملية التعليمية عملية تراكمية ينهض كل عام على العام الذي يليه، فمن المستفيد من إحداث كل هذا القلق الذي يجعل المعلم هو الآخر مُرتبكا أمام رياح التغيير؟ وما دام المسؤول على دراية بأنّ المنهج تغير، فلماذا يؤخذ المعلم لدورات تدريبية أثناء وقت التدريس، عوض أن يفعل ذلك في وقت مبكر وليس على حساب الطلبة ؟!

هنالك اختراع آخر اسمه مركز التدريب التخصصي لتدريب المعلمين والمديرين، وهو يعمل على إحاطة المعلمين والمديرين بمستجدات العملية التعليمية. وقد بلغنا أنّه يتم استئجار المبنى بمبلغ وقدره، كما يتم توفير فنادق للمعلمين القادمين للتدريب من شمال السلطنة وجنوبها، مما يعني المزيد من هدر المال، بينما في حقيقة الأمر يوجد في كل مديرية مركز تدريب مُستقل، فلماذا لا تقيم كل مديرية تدريبًا خاصًا بالتابعين لإدارتها، دون خسائر زائدة ؟ لماذا لا يكون المدرب هو المتنقل وليس العكس ! الأمر الذي سيوفر الكثير من المشقة والمال الذي نرجح أن يذهب في العملية التعليمية، أو بكثير من الأمل سيوفر راتبا للمعلم المساعد ! أو سيساهم في تحسين موازنات المدارس!

 

أليس من البؤس أن يذهب الفصل الأول بين تنقلات المعلمين وبين محاولة فهم جديد المناهج!

هنالك الكثير من الأشياء التي تتعلق بإدارة الأزمة، والإدارة الناجحة تعفي من صرف الأموال الطائلة بلا نتائج ملموسة، وما أكثر  الأشياء التي يمكن أن تصلح بالتخطيط لا بالتخبط.

 

0 480 21 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, ثقافة وفكر أكتوبر 21, 2018

عن الكاتب

كاتبة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها هدى حمد