استضعفوه فقتلوه… اغتيال جمال خاشقجي وقطرة طفح الإناء

لـ

  استضعفوه فقتلوه… اغتيال جمال خاشقجي وقطرة طفح الإناء

 

لأن حدثا بوزن مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، لم يكن متوقعا، ناهيك عن الطريقة البشعة التي نفذت من خلالها العملية – وفقا للتحقيقات الجنائية التي أجرتها تركيا -، ولأن المأساة فاجأت الجميع؛ فقد رافق الحدث منذ الإعلان عنه وصولا للحظة صدور البيان السعودي الرسمي، والى الآن، سيل يأبى عن التوقف أو الانقطاع: تحليلات، ادعاءات، تنبؤات، اتهامات واتهامات مقابلة… ناهيك عن التسريبات المقصودة التي تصدر عن الجانب التركي بقدر موزون، تقول فيها أنقرة كل شيء، ولكن بصورة تدريجية، ومن دون إعطاء صفة رسمية لأي من هذه التسريبات، رغم إلمام الجانب التركي بالتفاصيل الدقيقة للجريمة منذ الساعات الأولى لوقوعها، وربما الموقع (المواقع) الذي أخفيت فيه جثة الصحفي المغدور. وعلى الأرجح فإن الجانب التركي، ولحسابات محلية بالدرجة الأولى، سيمضي حتى النهاية في الكشف عن التفاصيل كاملة.

وبعيدا عن البعد الإجرامي للمشهد، واقترابا من أثره السياسي، عمل بعض الظهور الإعلامي على الانتقال بنا من حالة الإحساس بالغضب والحزن، وربما الخوف، إلى حالة مغايرة. وكان هذا الظهور فرصة مناسبة لتلطيف الحالة المصاحبة للجريمة من خلال رسم ابتسامة، وإن كانت مستهزئة وممزوجة بانطباع كثيف من الاشمئزاز، ليس فقط لغرابة المضمون واستسخافه لذاكرتنا ووعينا، وإنما، بالإضافة إلى ما سبق، نجد في هذا الظهور تجسيدا كاملا لمعنى مقولة إن السياسة لا دين لها ولا تعرف الأخلاق.

في الأيام القليلة الماضية، طلع علينا الصحفي، تركي الدخيل، وهو عمليا الناطق بلسان أركان حكم في البلاط السعودي، بصيغة صادمة بالكامل. فبعيد إعلان واشنطن عن احتمالية فرض عقوبات على الرياض، في حال ثبت تورط مسؤولين رسميين بقضية اغتيال الكاتب الصحفي، اعتبر الدخيل أن هذا الاحتمال بمثابة طعنة توجهها واشنطن لنفسها، وأن لدى السعودية، ثلاثين إجراء، على الأقل، يمكن اعتماد أي منها لتكتمل عملية الطعن الأمريكي لذاتها. وكانت أكثر هذه الإجراءات غرابة تهديد لأمريكا، عبر إثارة الرعب بداخلها من احتمالية تحقق تقارب سعودي – إيراني، ليفهم ضمنا أن هذا التقارب من شأنه أن يكون مقدمة لإعلان تحالف إسلامي في مواجهة الولايات المتحدة و”حلفائها”،- هذا إذا بقي هناك من حلف في حال انسحبت السعودية وما يسمى دول الاعتدال منه – وأن هذا التحالف الجديد لن يقتصر على الدول الإسلامية، وإنما سيتسع ليشمل تنظيمات صديقة  مثل “حماس” و “حزب الله “. هذا الكلام يكون مفهوما ومستوعبا، والى حد كبير مرغوبا به إذا صدر عن أي جهة كانت، أما أن يصدر عن السعودية بلسان أحد الناطقين بها، فهذه بحق من مفاجآت عالم السياسة، التي لا تكاد تنقضي عجائبها. وهذا الطرح يحتمل معنيين اثنين: أن السعودية تدرك تماما مواطن القوة في الأمة، وأن إيران واحدة من أهم هذه العناصر وليست عنصر تهديد خطر، لكن الرياض حريصة على إهدار هذا العنصر عن وعي وإصرار. والمعنى الثاني أنها تلوح فقط، ولكن بسذاجة فائقة، لاستخدام وتوظيف ذات الأداة التي تستخدمها الولايات المتحدة منذ عقود في إثارة الذعر لدى دول الخليج العربي على وجه الخصوص، والتي كانت عنصرا جوهريا في تعزيز مظاهر القوة الأمريكية في البعدين السياسي والاقتصادي. والآن يطلع علينا الدخيل بهذه الصيغة الركيكة في استخدام الأداة ذاتها بوجه السياسة الأمريكية.

السياق الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم معنى كلام الدخيل، أنه يأتي ضمن نوبة الحمى الصرعية التي تجتاح المنطقة دون انقطاع منذ قرابة أربعة أعوام، وهذا الكلام الذي صدر عن الصحفي السعودي إحدى أعراضه. خلال هذه الأعوام تدفق نهر الدم بغزارة، والخراب سكن أوطانا وحواضر كان اسمها مقترنا بالسعادة، فوضى تكاثرت في الإقليم كفطر سام بعد رعد وبرق في ليلة شديدة الظلمة. مجتمعات بأكملها عاشت مرحلة قلق وخوف على مستقبلها ومستقبل أولادها. سياسيون لم يعد لهم من اهتمام وشغل سوى استعراض أسوأ الاحتمالات التي قد تنشب بين لحظة وأخرى وكيفية مواجهتها. وبات الجميع يعلم أن  الهدف الأكبر من وراء إشاعة هذه الحالة في المنطقة، لا يتجاوز رغبة  شخص في تأكيد وصوله إلى المُلك، واستقراره على  عرش بلاده ابتداء، لينظر فيما بعد ما يمكن إحداثه. طموح نزق، يستخف بالناس وحياتها، بالأوطان وسيادتها وكرامتها، معبأ حتى الامتلاء بالسموم. إنه ذات الشخص الذي وصفه السيناتور الأمريكي، ليندسي غراهام، بقوله ” إنه شخص سام”.

“هو” افتعل حربا بدون خطة في اليمن، كان الإعلان أنها لن تستغرق أكثر من يومين وتحقق أهدافها. تعثّر هناك، وها هي السنة الرابعة تطل برأسها دون أن يحقق شيئا سوى أنه كان سببا مباشرا في موت آلاف المدنيين وتدمير وطن بأكمله. وقبل إغلاق ملف اليمن، لأنه لم يعد بمقدوره إغلاقه،  وبذات المنطق والأدوات فتح ملفا مشابها مع قطر، ولولا تدخل دولي لذهب إلى ما هو أبعد، لكن تبقى لأي قوة حدودا لا تستطيع تجاوزها. وجه تهديدات مباشرة لإيران بنقل المعركة لداخلها، وفعلها من خلال عملية الأهواز الإرهابية، اخذ رئيس وزراء دولة عربية رهينة، حتى ذوي القربى من العائلة لم ينجوا من مغامراته، اعتقالا ومصادرة أموال ورقابة ألكترونية لا تفارقهم على مدار الساعة. حتى دولة مثل كندا، مشهود لها بسلميتها ونهجها الحر، لم تسلم من الأذى. نشر سمومه في كل مكان، وكان آخر ضحاياه الصحفي جمال خاشقجي، الذي قضى بجرعة كبيرة من هذا المقذوف فمزقت جسده أشلاء، ولعل الأقدار شاءت أن تكون هذه العملية البشعة بمثابة قطرة طفح الإناء، وأن استحقاقا ما هذا أوان سداده، أو بعضا منه.

لماذا الخاشقجي؟

من رحم النظام السعودي برز اسم جمال خاشقجي، فكانت له علاقات متينة مع عدد غير قليل من أمراء العائلة السعودية الفاعلين والمؤثرين بالدولة. يتردد كثيرًا أنه كان ميالا لفكر جماعة “الأخوان المسلمون”، ولم تكن هذه الثنائية تشكل في السابق تعارضًا، أو مبررا لخلاف بين الصحافي والسلطة؛ إلا أن مكامن أو عناصر خلاف أخرى كانت موجودة، تظهر أحيانا تلميحًا أكثر منها تصريحا في البداية، حتى إذا اتسع الخلاف وبعدت المسافة بين الجانبين، لم يعد هناك من ثمّ متسع لمجاملة. ومبعث هذا التعارض بالدرجة الأولى التكوين العام للسمات الشخصية لجمال، مقابل ثقافة سائدة داخل دوائر السلطة.

ينحدر جمال من عائلة حجازية، تركية الأصل. صحيح أنها عائلة تملك الثروة، لكنها تفتقر إلى العصبية والحماية القبلية، في دولة مؤسسة على القبيلة والتعصب لها. ولطالما ألمح مناوئوه  ولوحوا أمامه بهذه المسألة، علما بأن أسرته استوطنت الحجاز منذ خمسة قرون من الآن، وقبل أن تدمج الحجاز تحت حكم السعوديين بما يزيد عن أربعمائة عام، ومع ذلك بقيت هذه الصفات الأصيلة وكأنها صفات سالبة. غير أن جمال استوعب هذه الإشارات وتجاوزها، ساعده في ذلك طبعه الهادئ، ومزاجه الذي كان يضفي على محيطه نمطا من الوداعة والاحترام المتبادل، كان يقال عنه، إنه دبلوماسي بالفطرة.

كانت هذه بعض سماته، التي كان النظام في مراحل سابقة أحوج ما يكون إليها، لا لشيء إلا لافتقار العنصر النجدي لكثير من مقوماتها، إنه العنصر النقيض تماما للمكون الشخصي لجمال. ووجد النظام السعودي في هذا الحجازي وجها يليق بالمملكة أن تقدمه ليتحدث باسمها ويتواصل من خلالها مع المراكز والمنتديات الإعلامية والدبلوماسية على الصعيد العالمي، وبالأخص تلك التي تتمركز في أمريكا. وبقدر الفائدة التي جناها النظام السعودي من جمال عبر تردده على هذه المواقع، وانفتاحه عليها، واحتكاكه المستمر بها، فإن الفائدة التي جناها خاشقجي لرصيده الشخصي كانت أكبر، فتفتحت أمامه كافة أبواب الفعل السياسي وتعرف عن كثب على مواطن وقوى التأثير التي يعتمد النظام السعودي عليها في استمراريته، وغدا الرجل مألوفا داخل هذه الأوساط ومحبوبا، والأهم من ذلك كله، غدا محل ثقة، وكلمته لها وزن وتأثير حاضران.

ومع حالة الانسجام الظاهرة بصورة عامة، بينه وبين النظام؛ إلا أنه لم يكن محل قبول ورضا كثيرين، حتى وهو في موقع مستشار إعلامي للسفير السعودي في لندن، وبسبب اتساع تأثيره في الأوساط الصحفية والإعلامية، وهو حضور أثار حفيظة كثيرين، جاء إعلان رسمي  للخارجية السعودية يقول: إن خاشقجي لا يمثل المملكة بأي صفة. وعندما حلّ العهد الجديد، وتولى ولي العهد الحالي موقعه، سعى خاشقجي إليه، وتقرب منه، ودعا ألا يُكسر في عهده قلم وألا يُسكت مغرد.

كان من المؤيدين للحرب على اليمن؛ لكنه استدرك هذا الموقف بنقيضه عندما لمس الآثار الكارثية الناجمة عنها، وحالة اللاجدوى من استمرارها، فوصف هذه الحرب بـ “الوحشية”، ودعا إلى وقفها بأسرع وقت. دافع في البداية عن حملات الاعتقال التي نظم لها ولي العهد، واعتبرها إجراء ضروريا في سبيل محاربة الفساد، ولاحقا انقلب على هذا الموقف واعتبر أن حملات الاعتقال أدخلت المملكة في عهد قمع لم يكن لها سابق عهد به. وبدأ خصومه المحليون بتوجيه اتهامات متتابعة له، وبدأت عملية تشكيك بولائه للنظام الذي تربى بحضنه، وعاش وفتح له فرصا لم يكن يحلم بها. باتت كل كلمة يكتبها محل اعتراض، حتى انتقاده للعلمانية، جرى تفسيره في العربية السعودية، هذه الدولة المغرقة بالتفسير والسلوك الدينيين، اعتبر لحظتها أنه انتقاد للسياسات الإصلاحية التي ينتهجها الأمير. في ظل هكذا أجواء، اختار جمال النفي الطوعي، وغادر بلاده إلى منفاه الاختياري في واشنطن.

لم يكن في سلوكه أثناء إقامته في واشنطن ما يشير إلى كراهية أو رغبة في الانتقام، ولم ينقطع يوما عن ترديد عبارات تؤكد مدى حبه للمملكة وتمسكه بشرعيتها، غير أن له وجهة نظر، ترقى لدرجة النقد في بعض ما يجري داخلها، ولكنه نقد المحب وليس الكاره. رفض أن يطلق عليه صفة معارض – وهذا بالمناسبة عنصر يتوافق عليه معظم السعوديين المناوئين لنظامهم في الخارج، الذين يفضلوا توصيفهم باعتبارهم نشطاء سياسيين وليسوا معارضين–. خاطب مراكز التفكير ومواقع صناعة القرار الأمريكية، صاحبة التأثير الأقوى على مجرى السياسة الداخلية في السعودية، توجه بأفكاره وانتقاداته  للملعب ذاته الذي يتحرك من خلاله السعوديون، وهذه مسألة جوهرية لا تحتمل تراخيًا أو تسويفًا، خصوصا أن الرجل وجد من ينصت له، وترك آثارًا وانطباعات مهمة من خلال لقاءاته المتكررة، وهو تأثير لم يكن بمقدور المعارضة السعودية مجتمعة أن تحقق ولو جزءا بسيطا منه، فالعبرة في هذه الحالة بالقائل أكثر منها بالقول نفسه. واعتبر ولي العهد السعودي أن تحرك خاشقجي على هذا النحو يستهدفه هو بالذات، وتشكلت لديه قناعة أن هناك تعاونا ما يجمع المنفي باختياره وفصائل من داخل الأسرة المالكة بهدف إسقاطه. وكان لا بد من وضع حد لهذا كله. فكانت الجريمة البشعة بالقنصلية السعودية في اسطنبول.

ماذا بعد…؟

أما وقد ارتكبت الجريمة ولم يعد بمقدور ذو ضمير الدفاع عنها، أو تلمس تبريرات تقنع أحدا بسبب فظاعة حيثياتها، فإن ضررا فادحا قد وقع في بنية النظام السعودي ليس من السهل جبره، وأنه بات مضطرا للتعامل والتكيف معه لفترات غير قصيرة. أما الإقرار السعودي الذي صدر بصيغة بيان رسمي قبل أيام قليلة، ومحاولته تبرئة ذمة الحكم وإلقاء المسؤولية بالكامل على عناصر، وصفها الرئيس الأمريكي حتى من قبل صدور البيان السعودي بالمارقة، فإن أثره جاء ليعزز قناعات لدى الرأي العام العالمي، وعدد غير قليل من الدول الكبرى، أن هناك شططا في استخفاف العقل الإنساني، وأن هناك استدراجا للوعي الأممي على النحو الذي اعتاده النظام في استدراج مواطنيه وشعوب المنطقة باعتبارهم بقايا ثقافة قديمة، وأن الفعل البدائي الفادح والضرر الأليم الذي تمكن من إلحاقه بالناس على النحو الذي كان يمارس قبل خمسين أو مائة عام، دونما تردد أو اعتبار لأي ردة فعل، يمكن تكراره واستنساخه هذه الأيام. وفيما يبدو فإن ولي العهد السعودي يتمثل ضمنا مقولة كونفوشيوس ” كما كان يفعل الأجداد دوما”.

بالطبع تعددت التوقعات والاحتمالات التي جرى تناولها على مستوى العالم، وكلها تتكهن الشكل الذي يمكن أن تستقر عليه هذه الأزمة/الفضيحة. من بين ما جرى تداوله على نطاق واسع، الخبر الذي ذكرته صحيفة ” لو فيغارو ” الفرنسية، نقلا عن مصادر لم تحددها. يفيد الخبر أن هيئة البيعة في السعودية اجتمعت سرا لاختيار ولي ولي العهد، نتيجة الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها المملكة وحالة الحرج التي سببها محمد بن سلمان للمملكة، لانكشاف عملية الاغتيال في تركيا، وتشكّل رأي عام عالمي ضده.  ورجحت ذات المصادر أن يكون خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد،، هو المرشح الأوفر حظا لهذا المنصب، وأن هذا الإجراء سيكون مقدمة لمغادرة ولي العهد منصبه. الخبر كان محل اهتمام معظم وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والالكترونية حول العالم. إلا أنه في حال مطابقة مضمون الخبر، مع مدى قوة التأثير الذي تمتلكه الهيئة منذ فترة غير قصيرة، فإن هذه المطابقة تفضي الى التشكيك بصحة فحواه، حيث أفرغت هذه المؤسسة منذ فترة من مضمونها، وجردت بالكامل من أبسط مقومات التأثير.

إن مسألة عزل الأمير محمد من منصبه كولي للعهد، احتمالية بعيدة الحدوث إلى الآن، لسبب أن الحديث في هذه المسألة وإن كانت على المستوى النظري ممكنة وتستجيب لرغبات كثيرين، إلا أن الواقع السياسي لا يتوافق مع هذا التوقع. وهناك جملة من الأسباب والمؤشرات التي تستدعي هذا الاستنتاج. أبرز هذه الدلالات أن الملك سلمان لن يضحي بابنه بهذه السهولة التي يفترضها البعض، لاعتبارت تتعلق بصورة النظام وضرورة المحافظة عليه مستقرا، وأن مسألة إزاحة ولي عهد للمرة الثانية من منصبه وفي عهد الملك الحالي، مسألة من شأنها أن تحدث مزيدا من الانقسام داخل العائلة الملكة. وهناك  اعتبارات شخصية لدى الملك الذي يرى في ابنه محمد، إنه مرآته وصورة مصغرة عنه. ينجز الأشياء على النحو الذي يتوافق مع شخصية الملك ورغباته، وبالتالي سيبقى متمسكا به حتى آخر لحظة، والملك يعلم أن التخلي عن ابنه في هذا الظرف، إضعاف لدوره ونفوذه هو شخصيا. كما أن استقرار المملكة السعودية في المرحلة الحالية مطلب أساسي ومهم لعدد من القوى العالمية، وحدوث انقسام داخل العائلة المالكة من شأنه أن يحدث فوضى قد تأخذ المملكة إلى المجهول، وهي حالة لم يتم الإعداد لما بعدها على نحو مكتمل، على الأقل في المرحلة الراهنة على الأقل.

ومن بين العناصر التي ترجح  استمرارية ابن سلمان في منصبه، هذا التوظيف المتبادل بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالأخير حريص على استقرار العلاقة بالسعودية على النحو الذي اختطه، وهو نهج الدفع مقابل الحماية. إنها الإستراتيجية التي تضمن له فرصا أكبر في الحصول على تأييد الأمريكيين للفوز بالرئاسة للمرة الثانية. بالمقابل باتت لدى ابن سلمان قناعة مطلقة، أن سبيله الوحيد للوصول إلى عرش المملكة لن يكون إلا من خلال دعم الرئيس الأمريكي  ومساندته له. وبالتالي فإن كلا الرجلين حريص على الالتصاق بصاحبه، وضمان بقائه واستمراريته بموقعه.

وإذا كان ترامب قد طالب في الأسابيع القليلة الماضية من السعودية دفع 30% من عائداتها النفطية لصالح الخزينة الأمريكية تحت ذريعة الحماية، فمن المتوقع، وربما من الأرجح، أن يوظف الرئيس ترامب الورطة التي يمر بها النظام السعودي، ليمارس مزيدا من الابتزاز لثروات السعوديين. من الممكن أن نتخيل استحداث بند آخر يمارس من خلاله الابتزاز بالإضافة إلى بند الحماية، يدور مضمونه ومعناه العام حول مفهوم بدل السُمعة. فالأدوار التي قام بها الرئيس الأمريكي، وحماسته في مواجهة توجه عالمي يقضي بإدانة ومحاكمة الجاني الحقيقي وعدم الاكتفاء بعقاب أكباش الفداء، وطمس وتشويه كثير من الحقائق الدامغة المرتبطة بمسار الأزمة، وصولا إلى مرحلة الدفاع والإشادة بالمتورطين الحقيقيين، كل هذا الجهد لن يمر بدون مقابل، خاصة ونحن نتحدث عن رجل يمتلك موهبة لا يدانيه فيها أحد في قدرته على عقد الصفقات وابتزاز الحلفاء الأقرب إليه. على الأرجح فإننا سنسمع في المراحل المقبلة مطالبات إضافية للدفع تحت بند آخر غير بند الحماية، مضمونه يراوح حول معنى بدل السمعة، بمعنى أن أمريكا تضحي بقدر من سمعتها الدولية في دفاعها عن نظام مارق بأعين العالم، وهذه التضحية تستدعي مقابلا يكون مقنعا للناخب الأمريكي، ولن يقل مقدار هذا المقابل بحال عن 20% من عائد نفط السعودية، وبذا تصبح نصف ثروات السعوديين بتصرف المواطن الأمريكي.

لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال النفاذ من العقاب، أو أن يبقى النهج السياسي السعودي يسير على ذات الخطى التي رسمها ولي العهد، خاصة وأن الضرر الذي ألحقته العملية البشعة، ليس في صورة المملكة فقط، وإنما في صورة حلفائها التقليديين، أمثال الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، كان بالغا، لذا كانت ردة فعل أعضاء بارزين في الحزب الأمريكي حادة بدرجة كبيرة.

مسار الأحداث المتوقع على المستوى السياسي، ينبئ أن هدفا مشتركا توافقت عليه القوى الدولية يقضي بإضعاف محمد بن سلمان، وخلع أنيابه، والبداية كانت بإعلان ضمني لوفاة رؤيته الاقتصادية- الاجتماعية، ولسان حال السياسة العالمية يقول: عن أي إصلاح يتحدث الرجل وهذا سلوكه لمن يخالفه الرأي، أو يعارضه في أسلوب إدارة الحكم. وبالفعل فقد أخذت عدد من الدول والشركات الكبرى، التي كان لها إسهام واضح في الرؤية، تعلن انسحابها عن المشاركة. وحرص كافة المنسحبين على إضفاء هالة أخلاقية على خطوتهم تلك، وإظهار أنفسهم بمظهر المتعفف عن التعامل ومجاراة نظام صورته الدولية على هذا النحو من الإجرام.

والإجراء الثاني يتلخص في تخفيض حالة الاحتقان والتوتر التي تشهدها المنطقة، عبر تقليص تدريجي للحرب على اليمن، وكذا الحال بالنسبة للحصار على قطر. ومن غير المتوقع أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على المملكة السعودية، لأن هذا يتناقض مع سياسة الابتزاز التي تتطلب بالضرورة وفرة مالية لدى الجهة المقابلة، حتى يمكن ابتزازه أصلا. أما المنفذون لعملية القتل، أو أكباش الفداء، من الحتمي أن تجري محاكمتهم محليا وإدانتهم بالجريمة، وفي حال تعاظمت وتزايدت ردود الفعل تغدو مسألة إحالتهم إلى محاكمة دولية أمرا واردا، وفي هذه الحال قد  تستغرق المحاكمة سنوات طويلة، على النحو الذي لا زالت عليه محاكمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري.

مرحليا، من حق دول الخليج التي كانت لديها مخاوف حقيقية ومبررة لصورة الوضع الذي كانت عليه المنطقة قبل اغتيال جمال الخاشقجي، أن تأخذ نفسا عميقا، وتطمئن إلى أنها غدت في أمان، ولو مؤقتا.

 

 

 

 

 

 

0 747 21 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, سياسة أكتوبر 21, 2018