مدونة المسرح

لـ

قراءة في كتاب “رسالة إلى الله” للمسرحي محمد خلفان، من منشورات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ومسعى للنشر ٢٠١٨م

 

ينشر الكاتب والمخرج المسرحي محمد خلفان أربعة نصوص مسرحية تعكس بعض تجربته المسرحية حتى الآن، مسقطًا بعض المسرحيات، في كتاب يحمل تجربة الكتابة المسرحية لمن فاتته فرصة حضور التجربة المسرحية المتكاملة في عروض تلك المسرحيات، واللافت هنا أن هذه النصوص أغلبها – إن لم يكن كلها – عرضت على خشبة المسرح؛ فهي وليدة المسرح وخشبته ومكابدته، وهي بشكل من الأشكال مستلهمة من المسرح ونتاج رحمه، ولعل السمة الأبرز التي تظهرها القراءة في هذا الكتاب من الحجم المتوسط هي استخدام الرمزية والتكثيف، فنكبة الوطن الغريق يتم تجسيدها وتكثيفها بشكل بارع في قارب مهاجرين يغرق في عرض البحر، ويحاول ركابه النجاة في مسرحية رسالة إلى الله؛ مثلما أن موضوع السلطة والظلم يتم تجسيده في رمز الأرملة التي تحاول الانتقام لزوجها، والأخ المتعطش للسلطة والمتسلط المستبد في مسرحية قرن الغزالة التي تشتغل أيضاً على الموروث الغنائي في التعويبات باختيارات تعكس حسًا مُرهفا.

يقوم المسرح على أعمدة الحوار، فالحوار المسرحي بين الشخصيات المختلفة ينقل كامل الأحداث والقصة والحبكة الدرامية للجمهور، وذلك يخلق فضاءه الكلامي الخاص، وطابعه المسرحي، ويحد من التدخل الخارجي، حتى يقتنع القارئ، أو الجمهور، أن الشخصيات المسرحية تقود أقدارها الخاصة، ومن ثَمّ تواجه مصائرها الشخصية، وذلك صادق بشكل ما؛ إذ إن الكاتب نفسه يمثل دورًا من أدوار أي مسرحية، هو الكاتب نفسه، ذلك الممثل الذي يخدم المسرح ولا يظهر، لينضم لقائمة ممثلي الظل، مع المخرج، لكن من الأشياء التي تبعث على التساؤل في مسرحيات محمد خلفان أنها تنتهي نهايات مقفلة، فمهما حدث وبالغت الأحداث والحوارات في رسم الأبواب والمخارج أثناء جريانها الفعلي إلا أنها تنتهي في نهاية مصمتة، كمن يرتطم بجدار أو جبل أصم: كل الخيالات تسقط أمام رسوخ الواقع.

هكذا تتناثر جثث ركاب القارب على البحر في مسرحية رسالة إلى الله ويحصد الغرق أغلبهم، كما أن غزيّل في قرن الجارية تسقط بنفسها في الهاوية التي كانت تريد أن تدفع إليها السبع، وكما تنهي المعوبة بتعويبتها المسرحية: ودشداشتي وثوبي/ وطاير من الموت/ والموت مكتوبي.

ستارة النهاية الرهيفة تقفل على واقع رهيب، عنيد متحجر ولا سبيل لتطويعه، وحتى حين يبدو أن الشخصيات المسرحية تجد طريقها الشخصي وتفلح في رسم بواكير غدها، كما في مسرحية السيل، تتعرض للقتل وتتدخل الطبيعة لتعيد المسرحية من جديد، كأن ذلك الخروج للشخصيات غير مصرح به ولا يمكن استيعابه قدريا؛ فنجد مسرحية السيل، المستلهمة من رواية الروائي عبد العزيز الفارسي (تبكي الأرض..)، حيث يجرف السيل جثة البطل المقتول ابن السيل وحبيبته عائدة، وبعد قليل يعود السيل يحمل طفلًا رضيعًا آخر على “طشت”، في إحالة إلى بداية المسرحية؛ أما في مسرحية طبق فنجد الملك المتورط باستعادة مملكته بواسطة أطباق المعونة يغص بالطعام ويموت. كل تلك المشاهد المقفلة بإحكام واقعي تجعلنا نتساءل سؤالًا لا يريد التغيير بقدر ما يريد استثمار الفكرة نفسها؛ لأن المسرح في النهاية مستلهم من الحياة ويقوم ككل فن على الصدق ولا يستطيع أن يكذب وإلا لأصبح فنًا مزيفًا.

 

يقبض المسرحي بإتقان على مصادر قوته: المشاعر، مادة الحياة والمسرح، ما يحاول الممثل أن يجسده والمخرج المسرحي أن يمسرحه، المشاعر هي الطريق والموضوع والغاية، وهي نقطة تقاطع الفنون، في المسرح حين نلمس المشاعر متجسدة تنتاب الجمهور قشعريرة وتتسارع أنفاسه، هكذا في مسرحية رسالة إلى الله حين يصف المغني للجندي الأعرج أمه التي يستمد منها قوته، يرفعها كقديسة: “الأمهات قلوب هذا الوطن” كي يشرح للجندي لماذا يبتسم والموت يحيط به، ويمضي أكثر ليبلغ مناطق شعرية: “الغد الأفضل يولد من ابتسامات الصغار” ص٣٧ ذلك هو القبض الحي في أي مسرحية، المشهد المنحوت في ذاكرة الجمهور، مثلما نجده في أغنية الختام: موطني موطني، وفي سؤال درة على مشارف النهاية المسرحية: ما فائدة أن يلتقطوا له صورًا وهو ممدد على الأرض ولا يرد عليهم؟ ص٦٠

كل المسرحيات تدور على خشبة مسرح أكبر هو الحياة نفسها، والمسرحيات الفنية تحاول إضاءة بعض الفصول من تلك المسرحية الكبرى التي يحيا فيها الجميع، بصبغة تمثيلية وإضاءة مسرحية وخشبة عالية، الفعل يضيء الفعل، والأحداث تضيء الحوادث، وفي النصوص التي يجمعها المسرحي يضع مسرحياته في قالب النصوص التي بنى عليها مسرحياته هناك سيحفظها هذا القالب الكتابي وينشرها أوسع مما تتيحه المسرحية نفسها، فبهذه الطريقة قرأ القراء في العالم عددًا من المسرحيات ما كان لهم أن يشاهدوها حتى لو حرصوا على ذلك، وبهذه الطريقة نفسها تبقى هذه المسرحيات في كتاب كنت أتمنى شخصيًا لو واكبها شيء من صور العروض أو حتى بعض ذكرياته ككاتب ومخرج، ما كان سيعطيها طابعًا حيًا أكثر، مع أن تلك الأمنية تحققت ولو جزئيًا في الإهداء الذي أزجاه الكاتب إلى أصدقائه في فرقة مسرح الدنّ، الذين أضاءوا الليالي بمسرحهم الرحب الرفيع.

 

0 240 25 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, حداء الروح أكتوبر 25, 2018