“يهيسوا ويقرزوا”

لـ

كثيرا ما أشعر أنّ أولادنا كالجياد الأصيلة، التي ينبغي أن تُغطى جوانب أعينها وهي تسير، لتنظر جميعها في الاتجاه المُحدد لها سلفا. أولادنا الذين يستيقظون بحبٍّ أقل مما ينبغي للمدرسة، حيثُ يبدأ مسلسل الكراهية منذ اللحظة التي يحملون فيها حقائبهم الثقيلة على ظهورهم، ولا ينتهي حتى لحظة تسليم المشاريع المُضجرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع!

يقطنُ أولادنا في بلدٍ تُهمل فيه طاقات الجيل القادم، فالترفيه لا يعني أكثر من ألعابٍ بائسة في المولات أو الحدائق، نحن حقا في بلدٍ تفتقرُ فيه الطبقة المتوسطة ومن هم  دون ذلك، للأنشطة التي يمكن للطاقات أن تتنفس عبرها. يحدثُ هذا في العاصمة مسقط، فماذا نقول عن ضعف الاهتمام في المناطق الأخرى!

ولذا يصبحُ العبء الأكبر واقعًا على البيت والمدرسة، فكيف نُواجه الجيل الخامل والمتسمر لساعاتٍ طويلة من يومه أمام الأجهزة والتلفاز. بالتأكيد لا يمكن أن يتم التعامل مع طالب اليوم بالطريقة التي تمّ فيها التعامل مع آبائهم في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم. إنّه جيل جديد بمعارف وميول جديدة.

وأنا أقلب كتب اللغة العربية أشعرُ بانزعاجٍ كبير من النصوص التي يتم اختيارها، وكأنّ مهمة النصوص هي وظيفة يتيمة، لا تعدو أن  يستخرج الطالب منها الفعل والفاعل، واللام الشمسية والقمرية. كتبٌ فقيرة للغاية فقلّما نجدُّ نصًّا يحتوي على بعض ٍ من الجمال والظرافة بما يتناسب وعمر الطالب. نُقلبُ كتب اللغة العربية لنجد نصوصًا تصلح لكل شيء، إذ يمكنُ إدراجها في كتب العلوم أو الدراسات الاجتماعية أو التربية الإسلامية!

بينما النصوص الخلابة والجذابة  في قديمها العربي الكلاسيكي أو الحداثي الرصين أو الأدب المُترجم مهملٌ للغاية ! وكأننا -وعلى نحو مريع-  نصرُّ دوما على أن يستخلص أولادنا “القيم” وقواعد النحو بشكل فج ومباشر، دون أن  نحترم عقولهم وإمكانياتهم وحقهم في التمتع بنصوص جيدة وسابرة للعمق الانساني.

ويمكن سحب الأمر على حصص التعبير المُتكلسة الميتة، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تؤسس جيلا قادرًا على التعبير عن نفسه. فأولادنا يغنون خارج السرب، ما دام التعبير لم يخرج من مواضيعه البائتة كعيد الأم، وعيد الشجرة وعيد المعلم، إننا نُقلل من شأن حصص التعبير –إلا ما رحم ربي من استثناءاتٍ قليلة- مع أننا يمكن عبره –أي التعبير- أن نستشف كيف يفكر أولادنا وإلى ماذا يطمحون!

يمكن للمواضيع أن تغدو أكثر شهية عندما يتحدثون عن رأيهم في التقنية اليوم، والأحداث التي تمر بالعالم، ولكننا في المدرسة كثيرًا ما نُتفِه من قيمة التعبير؛ ولذا علينا أن لا نستغرب أن يتكون لدينا جيل غير قادر على التحاور وإبداء الرأي!

كما أنّ مسابقات القراءة التي يُعول عليها أن ترفع القدرة القرائية مسابقات هشة، وتشتغل على الطابع الشكلي أكثر من المضمون، وعلى كم الكتب التي تُنجز أكثر من النوع. وكما يبدو ليس لدينا مكتبات مُهيأة لتتناسب مع أعمار الطلاب وقدراتهم!

 

نعلمُ جيدا أنّ المعلم مطحونٌ في الزوبعة اليومية من الأنشطة والمناوبات، ولذا لن يتبدى له أنّ حصة التعبير يمكن أن تكون خيارًا شائقًا أمام الأعباء المجاورة !  والأدهى والأمر أن ينخرط أولادنا بشكل مبكر في دوامة القواعد بين المرفوع والمنصوب والمجرور، فيصابوا بالنفور والخوف من اللغة، والأسوأ أنّ ذلك لا يحصل ضمن خطة ممنهجة في سلم تراكمي، وإنما “يهيس أولادنا ويقرزوا”  في هذه الدوامة اللغوية في تكرار لا نهائي !

حتى عندما قرّروا أن يُصبح الفن والموسيقى والرياضة مادة أساسية، بقيت في أعين الكثيرين  مواد “ثانوية”، تفرضُ عليها سُلطة صارمة، فلا يسمح بفسحةٍ من الانطلاق خارج الصندوق المعتاد !  إنّهم يُغلقون فسح التفكير خارج النظام القطيعي، ويبدو أنّ السيناريوهات التي عبرناها في منتصف الثمانيات، هي نفسها التي يمر عليها أولادنا إن لم تكن أسوأ،  لأننا لم نُعلمهم احترام الفن ولا الموسيقى ولم نُهيئ لهم أماكن الرياضة الملائمة في هذا البلد الحار. والأمر متروك لضمير المُعلم و لطاقته الفردية في محاولة إدخال القليل من الوهج والحرية. وعند هذه الفكرة وحسب، علينا أن نتصور الكم الهائل من الكفاءات التي يمكن أن تموت أو تذهب إلى سُبلٍ أخرى من الخراب. فكم لاعبٍ جيدٍ، وكم رسام ماهر، وكم موسيقي وكم كاتب انطمرت مواهبهم في المدرسة عوض أن تزدهر!

بينما يدخل أولادنا في مشروع عقيم اسمه المشاريع المدرسية دون أي جدوى تذكر أكثر من تبذير المال، ورفع فرص التباهي بين الطلبة. فأي حسرة يمكن أن نشعر بها ما إن نعلم أنّ أكداس المشاريع تذهب كلها إلى أكبر مزبلة !

مع أنّ الحل البسيط والأكثر عدالة هو أن يُنفذ المشروع في الصف ! الأمر الذي يُذكرنا بسجلات المعلمين والمال المُهدر سنويا والمخازن التي تصرخ من الاكتظاظ. فبينما ندعي أنّنا حكومة إلكترونية، فنحن  لم نطبق ذلك واقعيًّا على نحو جيد!

نحنُ أمام جيلٍ مُحتقن، ومعلمٍ مُصابٍ بالإحباط  ومناهجٍ مُتعثرة. ولا يمكن أن تقوم قائمة لأي بلدٍ  في العالم إلا عبر إعادة الاعتبار للتعليم وللمُعلم وفسح التفكير الحُرّة. المدرسة هي المكان الذي لا ينبغي أن نبخل عليه بالطاقات البشرية ولا بالمال. وفي الأخير أرغب بشدة أن أسأل: لماذا يذهب التفكير العقيم إلى زيادة وقت التدريس في الوقت الذي تعجزُ فيه الوزارة عن ملء حصص الاحتياط  !

ينبغي فعليا قبل القرارات البراقة  أن  نحصي حصص الاحتياط التي يكابدها أولادنا أسبوعيا، لأنّه بات وباءً خطيرا يُهدد مدارسنا وجيادنا الأصيلة !!

 

0 848 28 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, ثقافة وفكر أكتوبر 28, 2018

عن الكاتب

كاتبة عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها هدى حمد