القصاص ميداردو فرايلي

لـ

يُعد ميداردو فرايلي (مدريد، 1925) مرجعًا لا يمكن إغفاله في عالم القصة الإسبانية المعاصرة، وامتدادًا لكثير من أساتذة القص المبدعين الذين رحلوا في العقود المنصرمة. يمكن لمن نسجوا قصصهم من خيوط جمالية مختلفة، تمييز نوعية الأدب الذي ينسجه ميداردو فرايلي، ومع وجود قاصين بمكانة خوان إدورادو زونيجا أو آنا ماريا ماتوتي اللذين أبقيا على صوت الحكاية حيًا في ذلك الجيل لنصف قرن من الزمان؛ إلا أن كاتب حكايات ببعض من الحب(1954)، وحكايات الحقيقة(1964) وباتجاه الضلال(1998) حاز على الأفضلية لخلق نوع من التناسل مع القصة المعاصرة. أسياد القص والأدباء أمثال آنخيل زاباتا أو فيكتور جارسيا آنتون الذين تزامنوا مع إجناثيو ألديكوا، والقاصون الذين يملكون النظرة الثاقبة والأسلوب بشكل مترابط في آن واحد. هذه السلسلة الزمنية تصبو إلى رسم خارطة زمنية للقصة الأسبانية القصيرة ليومنا هذا، وبهذا المبدأ، لا يمكننا أن نتخيل البدء بقاص غير ميداردو فرايلي.

لماذا القصة، يا ميداردو؟ عقب تجربتك في المسرح رفقة ألفونسو ساستري و ألفونسو باسو، وأكثر من ثلاثين سنة قبل خروج روايتك الأولى سيرة ذاتية (1986)، ما الشيء الذي حثك على تكريسككفارة رسميةعملك السردي للقصة منذ البداية ؟

كنت قد كتبت بعض “السرديات” (هكذا قمت بتسميتهم) قبل الاتفاق، في فترة البكلوريا الأكاديمية، مع شبان غرباء ومرحين، اثنان منهم هما ألفونسو ساستري وألفونسو باسو، كنا ننتهي من فصولنا الدراسية، ثم نتحدث عن المسرح فيما تبقى من اليوم، نكتب حوارات ومسرحيات لم تكن بذاك السوء. اثنتان أو ثلاث من سردياتي نشرت في المجلة الأولى حيث أكتب (“تطلعات” ثم ” أمينداديث”) وكان ثمة كُتاب من ذوي المكانة الرفيعة في ذلك الوقت يكتبون أيضا (خوسيه أراوخو كوستا، خوسيه بارو كيثادا، فرانشيسكو كاثاريث، خوسيه فرانسيس، ماخو فراميس و خوسيه التابيا). الأساتذة في الأكاديمية والشباب المرحين أعجبوا بكتاباتي، والأهم من ذلك – وعلاوة على كل شيء –  هو أنني نشرت (ودعمت) ما كتبت. الاثنان معا –ساستري وباسو، مع بعض أقارب باسو، خوسيه غوردون باسو، أخذوني لأرى “”Arte Nuevo الفن الجديد ( أول مسرح في فترة ما بعد الحرب) وأيضا لأكتب في المسرح. كنت أعيش النجاح بالتعاون معهم، من ثم، وحيداَ، مع عملي “الأخ” الذي يُذكر “تشارلز دايفيد لي” بمسرح تشيخوف، في ذلك الوقت لم أكن أعرف بعد من هو تشيخوف. أعجبني وأمتعني المسرح، لكن تبين لي أن الجو المسرحي قاتم وكئيب، ولكنني أحببت كتابة النثر أيضا. ذات يوم، في بداية دراستي في الجامعة، تركت المسرح واتجهت لكتابة المقالات، وبعض القصائد وقصصا أخرى. بعد ذلك، لخمس سنوات عملت في النقد المسرحي في ” كواديرنوس دي أجورا” مذكرات أجورا، الذي كان موضع إشادة بين الكثيرين، منهم بويرو فاييخو وألبيرتو فيرجل. وفيما يخص الرواية، فقد كتبت واحدة عندما أصبت بالسقم من تلك المطالب بأن عليّ كتابة واحدة، لم أر أي حاجة لذلك.

 

خلال قراءتك الأولية لعباقرة القصة القصيرة ( تشيخوف، وكاثرين مانسفليد، وغيرهم آخرون) وعظماء التجديد والاستمرارية في القصة المعاصرة، هل باستطاعتك، بعيدًا عن النضج المتسارع الأسلوبي للقصة، تمييز تطور أدبي لهذا الجيل؟

 

أعتقد ذلك، وأؤمن أيضا بأن أي تجديد يحمل في طياته صبغة لكاتب حقيقي يقابل بالرغبة. هؤلاء الذين، في رأيي، ذهبوا إلى العمق ولطريق أبعد من الأخرين هما آنخيل زاباتا وهيبوليتو ج. نافارو، وذلك ليس بالضرورة أن يعني أن الآخرين أكثر تحفظاً. إن الذين ساهموا بنقل التجديد لمرحلة أخرى، هم الذين لا يملكون ما نعدّه عملا قيمًا.

 

هنالك قاصون من وجهات جمالية متعددة يعدونك كمعلم لهم أو كمؤثر، منهم الذين قاموا بهز شجرة المتعارف عليه، أمثال الذين ذكرناهم آنفاً آنخيل زاباتا وهيبوليتو ج. نافارو، إلى قاصين آخرين لنقل متحفظين وبعيدين عن هز الشجرة، من منظور مهني، ما السبب باعتقادك؟ هل لأن عملك فتح لهم و اقترح لهم طرقاً وأساليب مختلفة للقص؟

 

أظن بأن قصصي الأولى في حقبتهم الزمنية ( بداية الخمسينات)، كانت مبتكرة. كمثال على ذلك، سأستشهد بـ”مكانة الكتب”، ” قصة الصيف”، “زنبقة الأحد” أو ” لعبة الفتاة” من حكايات ببعض من الحب (1954). ما يمكنني تأكيده، وما يمكن لأي أحد رؤيته، هو أن القصص في ذلك الكتاب قد فاجأت النقاد الذين، لبعض الدلالات، لم يقرأوا شيئا مثل هذا الكتاب من قبل تحت جناح ما يسمى بالقصة.

 

في معظم قصصك هنالك لمحة لعمق متقن، مسحة غريبة تبعدها عن تلك الطبيعة البسيطة والأسلوب المضجر. أيضا طريقة حكيمة وتشيخوفية ليس لربط كل الخيوط بنهاية واحدة كالتي فيعلوم مستر أوتاولو“. ما الذي يغدر بالقصة الجيدة بالنسبة لك؟ ما هي بصمة الهوية في أفضل قصصك؟

 

قل كل شيء ولا تقل شيئا، دع الكاتب يقع على القصص بماهية شعورها في تلك اللحظة بالذات، فكر، والتمس الرغبة، ومحص. بتلك الروح التي تتوق للسفر في الأشياء. على القصة أن تحمل روحًا، ويجب أن لا يقبض على هذه الروح، إنها، كما يقال، كتلك الجرامات البسيطة من الوزن التي يفقدها المرء في لحظة الموت. يجب الإنصات للأصداء في القصة، كما في حياة أي إنسان هنالك أصداء متخفية، ولكنها تنحت أسرار كل فرد منا. الأصداء تعطي النسق الحقيقي للشخوص كما في المواقف التي تواجههم والتي بالمقابل تجد كل شخصية نفسها في تلك المواقف.

 

واحدة من أفضل قصصك،الألبوم، تمثل المراحل المتعددة للقراءة التي تدعمها القصة الجيدة. احك لنا قليلا عن آليتك الإبداعية، كيفية التماسك لطريقة الكتابة من الفكرة الأولية وصولا إلى المسودة النهائية، ماهية قصصك التي تخرج لنا. هل تقوم بالتخطيط لكل شيء سابقاً، بطريقة محكمة من التيار الأول للحبكة أم أن لكل قصة إستراتيجية مختلفة ( لا يوجد، أم بالتساوي)؟

 

في غالب الأمر لا أتجه قط للقصة؛ على القصة أن تأتي لي. أستمع لشيء ما، أشاهد شيئا وأقول لنفسي: ثمة قصة. بذلك، فكرة القصة المتاحة تلك والتي من الممكن أن أكون قد نسيتها أو ألحّت علي، بكل ما يترتب عليها من مخاطر، كأنها تطالبني بأن أفصح عنها. وعندما تعاود الظهور، أفكر فيها مجدداً، وبشكل عام، في مخيلتي أذهب بالتفكير بها بعيدًا أو أضيف لها شيئا، وفي يوم ما، في نهاية المطاف، أشعر برغبة كتابتها. في مخاض الكتابة أستطيع تغيير بضعة أشياء مرة أخرى، لجعلها أكثر إيجازًا أو أزودها ببعض السحنات التي لها أثر عميق على القارئ. أصحح كثيرا. أكتب باليد، ثم أصحح، وعلى الحاسوب أستكمل بقية التصحيحات، صغيرة كانت أم لا، لأن في القصة لا يوجد ما يسمى بالتعديل التافه أو البسيط. بصرف النظر عن قصر القصة (كما في حالة قصة ” الألبوم”) إلى الحد الذي يجعلني أشعر بالارتياح معها، تكون القصة قد مرّت بعشر أو اثنتي عشرة مسودة، لا أكثر، باختصار، أصبح الأمر هاجسًا.

 

في غلاسكو بقيت هناك لمدة ليست بالقصيرة، وتبعدك مسافة طويلة ليست فقط واقعية، إنما أخلاقية أيضاإذا سمحت ليبالنظر لواقع النقد الأسباني. في مذكراتك أيضا، القصة ذات النهاية الدائمة (2009)، قمت بتصفية بعض الحسابات، هل تشعر بأن تلك المسافة أفادت كتاباتك، استقلاليتك؟

 

كتاباتي بقيت على حالها ( مدججة، بطبيعة الحال بتجارب أكثر)، ولكن السمعة الجيدة التي كنت أحملها عندما وصلت إلى ساوثهامبتون في عام 1962، تلاشت، لأن في تلك الفترة ( بدرجة أقل الأن) كان الأدب إناء من عدس، ولم أكن على دراية بأنني كنت في الأعلى ممسكا بملعقتي مثلما يقال: “el ojo de amo engorda de caballo1” ولأسباب عديدة أخرى، الفترة الانتقالية ومستلزماتها الملحة والانهماك بالعمل، والولوج للحياة العامة لأناس جدد ونشر الكتب، وهكذا. مع ذلك لم أتوقف عن نشر القصص، والمقالات وكتاب واحد نشر في إسبانيا، ولكن بدرجة أقل، منذ بداية العمل في جامعة ستراثكلايد، المطر، البرد والأيام القاتمة كانت مضنية واستهلكت مني الوقت. أعتقد بأن المسافة، إلى حد ما، أعطتني استقلالية، سأقول إلى حد ما.

  • عين الراعي تسمن الخيل

انتشار مجموعتك القصصيةالكتابة والحقيقةسمح، من بين أشياء أخرى، لعدد كبير من أبناء الجيل الجديد بالاطلاع على أعمالك. فوق كل شيء، لا يزال الأمر بالنسبة لمعظم الكتاب المعاصرين بأنهم يشتركون في تلك الفجوة المحددة فيما يتعلق بمن سبقوهم أو بالجيل الأقدم، بدءا بك و بمعاصريك من عمالقة القصة الأسبانية كإجناثيو ألديكوا، فرانشيسكو أيالا أو ماكس أوب. ومع ذلك، أفضل القاصين الأمريكيين في العقود الأخيرة غالباً ما يكونون المرجع الأساسي لكتاب القصة الجدد. هذا ما خلق كما يطلق عليه البعض ( خوسيه ماريا ميرينو كمثال) ” اللامركزيةفي قصصهم شيء، بالمقابل، أشبه ما يكون بالمحتوم في هذه الأوقات. هل تعتقد بوجود تلك الفجوة الأدبية في بلدنا ما بين جيلك والجيل الحالي؟

 

في اعتقادي إن الفجوة التي تقصدها نتجت أو تم إنتاجها بحكم الصيرورة، بسبب تناقص عدد القراء. فراغ مزمن، قرن بعد قرن، جيل بعد جيل، منذ أن وجد الأدب الأسباني، وحسب ما أظن بأن الفضل يرجع للكُتاب فقط. هنا يكفي فقط أن تعرف اسم الكاتب أو أن تخصص شارعًا باسمه لتنسى كل ما يتعلق به تماما. لا تذهب لما خلف الاسم. وإن كان، كما هو جلي، بأن الأسبان لم يشعروا مطلقا بأي اهتمام اتجاه إسبانيا ( كأنهم يتحدثون عن تلك الخالة المريضة التي يقفون عاجزين عن علاجها والتي تعيش في كندا)، فلماذا تهتم أنت لأدبهم؟ هذا ما يجب أن تضعه  دائما نصب عينيك، أن تكون أجنبيًا، حتى وإن كنت ذلك الأجنبي المعتوه، وعندما يحصل أن يأتي أسباني لعتبة الباب يسألنا حفنة من البقدونس، فإننا نشعر بضيق. ما الذي يختلف مع البريطاني، مع الفرنسي أو مع الألماني؟

 

في2paginas de espuma، دار النشر ذاتها التي في 2004 نشرتحتى ذلك الوقتقصصك الكاملة، يمكننا أن نجد آخر كتبكقبل المستقبل الناقص“. منقسماً إلى قسمين ومع كثرة قصصك غير المنشورة، التي تظهر بأن أسلوبك القصصي لم يفقد حدته أو مرونته. هنالك عالم أكاديمي في الجزء الأول من قصصك، أما في الجزء الثاني فقد سمحت لنفسك أن تجرب أكثر، في قصص عديدة كقصة اعزفها مجددا، سام“. ما الثيمات والجوانب التي اهتممت بها والتي دفعتك قدما أثناء كتابة قصصك؟ ما الهواجس التي كثيرا ما تقتحم مخيلتك عند صناعة الأدب؟

 

  • صفحات من زبد (دار نشر اسبانية) مدريد

“تجرب أكثر” هي عبارة جميلة لسبب ما، بالنسبة لي، فإن كل قصة هي تجربة بحد ذاتها، بداية جديدة. ولكن التجربة الأخرى، التي تشير إليها، نعم، كانت حاضرة ضمن الكتاب الأخير “اعزفها مجددا، سام” وأيضا في “بقايا” أما في ما يخص بقية القصص فلا أستطيع الجزم. لدي نزعة متمردة اتجاه كل شيء، كالجنيات مثلا، والعفاريت، والأميرات، والعاطفة الجياشة بشكل عام. قصصي تعكس كاتبها جيدًا، وما سألتني عنه سيكون عملًا جيدًا لأديب معاصر أو ناشئ. أشتغل بكل تأكيد، على المرونة والنعومة (التي تم فهمها جيدًا)، على التهكم، على الفكاهة، على التنمر(إن أمكن ذلك) وعلى حقائق عديدة، أكاذيب وأسرار-مشبوهه أم غير مشبوهه على حد سواء- وهذا كله يكمن بداخل الجميع.

 

خلال هذه الحوارات التي نخوضها، اعتمدنا سؤالًا من القراء، ولدينا الآن سؤال. مانويل أباكا، من مدريد وهو أيضا قاص بالمناسبة، أرسل لنا الآتي: ” إذا اعتبرنا بأن هنالك موضوعًا أدبيًا مستهلكًا، هل يجب علينا أن نتجاوزها ككتاب أم علينا الاعتراف بها لتوضح الحدود والأذواق؟

 

عزيزي مانويل أباكا: أعتقد- بما أننا كلنا نحمل مزية الاختلاف والمواقف لها اختلافاتها أيضا؛ لا يمكن أن تكون هنالك مسألة مستهلكة، حتى وإن قاموا بمعالجتها بحكمة وذكاء مرارًا وتكرارًا. أتذكر أحد المواقف مع زميل لي في جامعة ” راميرو دي مايزتو” الذي أخبرني حينها بأنه لم يكن ينوي أن يكتب أي شيء؛ لأن كل شي قد قيل. إذا فكرنا جميعنا بهذه الطريقة، فإن العالم سيغرق في الصمت والملل. شيء مشابه أخبرني إياه أستاذ أسباني في إنجلترا: “لقد كرست جهدي لدراسة الأدب الأسباني، لأنه بالنسبة للأدب الفرنسي فإن كل شيء قد قيل سلفا”. ولكن مشكلته كانت أبسط مما يظن: فهو لم يجرؤ حتى على التفكير بتجديد هذه المقولة التي بالتأكيد قد قيلت من قبل.

 

رجل حزين يقص علينا رمادية الأشياء. مهما يكن، خلف قناع المظهر والتأثير هنالك حتما شيء آخر. أظن بأن ذلك يحدث في قصصك، ذلك الحزن الجلي، حتى عندما تلجأ للفكاهة على سبيل الموازنة، أسلوب لعدم مباركة الواقع. هل نكتب دائما ضد شيء ما؟ ما الشيء أو التيار، إذا وجد، الذي تسبح ضده في أدبك؟

 

في هذا العالم، الذي عشت فيه افراح، وأحزان، ومتعة، وضجر، وخيبات وآمال، لقد أدركت دائما بأن الواقع ليس للمباركة، وليس لأي أحد القابلية لفعل ذلك. الفكاهة، علاوة على كل شيء، ليست أكثر من استسلام دونما وصول إلى الاستسلام ذاته. بالنسبة لك (أنا متأكد) وبالنسبة لي أيضا لقد أحببنا شيئًا آخر. وبذلك نحن أصحاب الحظ الذين تمت ولادتهم في منطقة تعج بالمفترسين. نحن نملك الأحذية، معاطف المطر والمظلات وبهذه الطريقة نحن نمنع دموع العالم من الانفصال عن دموعنا، نعتقد بأننا لن نستطيع أن نحب ما دمنا لا نملك سريرا، نملك قناعة بأن الضوء ملك لنا لأننا ببساطة نستطيع إطفاء المصابيح، نمارس “الشفافية” بتحفظ (كي نقلص العدد كل يوم)، ومع ذلك، سعادتنا ( للشباب، بالنسبة لي لم تعد في الحسبان) مشابهة تماما للقنوط ( قطع علاقات، ومهدئات، وتدمير: وحجارة، ونار، وسكاكين…) لأجل ذلك؛ فإن العالم لا يجعلك في حزن بعض الأحيان، أو ينقصك شيئا أساسيا أو تحوز على شيء ليس لك.

 

قرأت مؤخرا في إحدى المقابلات أن سالف الذكر آنخيل زاباتا طلب منك كتابة قصةالناعسلتشيخوف، وأستوضح من ذلك أنها كانت من بين القصص الأكثر إزعاجا حسب ما تتذكر. ما القصة من بين كل تلك القصص التي كتبت باعتقادك أنها من الممكن أن تفاجىء وتحرك القارئ الذي في أية لحظة من الآن قد ينفتح على عالمك القصصي؟ هل يوجد شخص باستطاعته، حسب رأيك، أن يستوعب شاعريتك الشخصية بتأثيرها المباشر؟

 

حسناً، كل هذا دائما ما يعتمد على القارئ؛ ولأنني كتبت فقط ما يقارب مائتي قصة فقد أجروء على ذكر أربعة عشر عنوانا تتضمن كل المشاعر المعتركة (اسمحلي): “المسنين”، “المنكمش”، “نقطة النهاية”، “روكي ماثيرا”، “سامحنا، هيرمي”، ” حدث وطني”، “المدلل”، ” تاريخ الأمل”، ” فجأة (الأحتفال الأيبيري)”، ” الحجر”، ” الكرسي”، ” قيادة رجل مسن”، ” العاقبة”، ” لا يوجد أمر عاجل لتفتح عينيك”، أما ما يخص “شاعريتي الشخصية” فألامر أكثر تعقيدا بالنسبة لي: “المصرف”، ” الخطوات الأولى”؟ ربما.

 

ما الذي يثير اهتمامك أو تريد أن تراه غالبًا في كل قصة، الأحاسيس المثارة، القبض على الفكرة أم الكمال الشكلي؟ أي من هذه الخصائص باعتقادك أساسي لصناعة قصة جيدة؟

 

الخصائص الثلاث كلها تثير اهتمامي، الأحساسيس المثارة، القبض على الفكرة كما ذكرت، والكمال في عرضها (ما يتضمن الدقة اللغوية، والرصانة) إن كتابة قصة بشكل رديء؛ أسوأ من إلقاء نكتة بشكل سيئ.

 

أنت بنفسك، في وقت ما، قد قدمت دورات وورش عمل حول كتابة القصة. باعتراف الجميع، بعض من تلاميذك قد بلغ مرحلة متقدمة، ولك أن تتخيل أن كثيرًا منهم سوف يستمر في تحبير الورق. إلى أي مدى باعتقادك أن تعليم صناعة الأدب ممكن؟ أليست احتمالية الخطر واردة في إنتاج نوع منأدب الورشمثلما يسميه البعض؟ من المحتمل أن نقوم بتدريب القراء من خلال الورش، ولكن الكاتب يأتي بجاهزية. أخبرنا قليلا عن خبرتك في هذا المجال.

قلت ذات مرة بأنه لا معارفي في الخمسينات أو أنا نملك أية فكرة عن هذه الورش، مع أنه وصلتنا بعض الأخبار بأن هذه الورش تقام في جامعات أمريكية وبعض الجامعات البريطانية. كنا كُتّاباً نقرأ، ونفكر، ونصحح بعضنا بعضا، ولأن الرب أراد ذلك، وهكذا كان النظام ( إذا تستطيع تسميته هكذا) لقرون متعاقبه قبل أن نخلق. ما يمكن أن يحدث الآن، بين الشباب، خوف مُختلق، وتوجس. يحبون القراءة، ويخلقون الكتاب ثم يبحثون عن المصادقة حول ما يؤمنون ويشعرون به في تلك الورش. ومن الورش تأتي الكتابة!، أعتقد بأن الكاتب الحقيقي هو كاتب متحقق قبل أن يلتحق بأية ورشة، أما الآخرين فسوف يتعلمون شيئا لن يقف عائقا في حياتهم. ميرينو، زاباتا وأنا يبدو أننا كنا محظوظين بقدر جيد ببعض الأشخاص الذين جاءوا إلى الورش التي أقمناها، وهذا دائما ما يبعث شعورًا بالراحة.

 

كتابة القصة هي في الحقيقة تقليم الزوائد الفائضة، البهرجة غير المستدعاة. إنه التخلي الذي يدل أيضا على الجهد المبذول فيما بعد. لأسباب مشابهة، قراءة قصة جيدة يتطلب مستوى عالٍ من الانتباه، دلالة على ما تمثله القراءة من عمل. هل تعتقد بأن قارئ القصص، في صورته العامة، أكثر تطلباً؟ هل يتأتى الأمر من أنه ربما تكون القصة، حتى في وقتنا هذا، شأن أقلية مثابرة؟

 

إذا كان القارئ غير متطلب، فينبغي عليه أن يكون كذلك؛ لأن قراءة القصة مختلفة تماما عن قراءة الرواية. أسبانيا تحتاج إلى عملية إعادة تشكيل جادة، منضبطة ومتينة في التعليم، في البرامج، مع المعلمين ومع الطلاب، وعلى كل الأصعدة. الدراسة هي العمل، وهناك كثير ممن لا يستطيعون التفكير بأكثر من حكايات الأطفال – لست متحاملاً ضدهم ولكنه شيء آخر- عندما يتحدثون عن “قصة”.

 

الكثير قد تم الأتيان به، إصلاحه وتعديله ليخلق الوحدة  في المجموعة القصصية، إذا سمحت لي، سأبدا من الكتابة ذاتها، صوت الكاتب، مع أنه يختلف من مرحلة التسجيل إلى مرحلة القصة. ما رأيك بهذه المسألة؟ هل تبحث عن خيط متتابع للقصة أم تفضل فوضوية (ظاهرية أم مخفية) معينة ؟

سأجيب على الجزء الأول من السؤال، الذي أتفق معه تماما: لأن الوحدة يجب أن تبدأ مع بداية الكتابة، مع صوت الكاتب، مع أن كل قصة بحد ذاتها مختلفة في التسجيل. هكذا كانت الطريقة مع كل كتبي منذ البداية، وأعتقد أن القارئ الجيد سيتعرف عليّ في كل واحدة من هذه القصص. الكتاب الأخير ” قبل المستقبل الناقص” عُجن في مقطع زمني من الحياة: إنه الوحيد، بدون أي نكران لما سبق أن ذكرته، الذي تخليت فيه عن وحدته الموضوعية.

 

من برأيك من كتاب القصة الأسبان أو اللاتينين بدا أكثر تألقاً في السنوات الأخيرة؟ ما الكتب الأكثر أو الأقل متعة لك مؤخرا كقارئ؟

 

لقد ذكرنا بعضهم سابقا. باختصار، مع احتمالية خطر النسيان الجائر، الذي سأندم عليه، سأذكر من هم حاضرون في ذاكرتي: خوسيه ماريا ميرينو، لويس ماتيو دييز، خوسيه لويس بوراو (مخرج سينمائي عظيم)، كيم مونزو، آنخيلينا لاميلاس، آنخيل زاباتا، هيبوليتو نافارو، إيلوي تيزون، خافيير ساييز دي إيبارا، فيكتور جارسيا آنتون، خوان خاثينتو مونيوز رينخيل، كارميلي خايو، خوليو خورادو( نزهة في الهواء)، ميغيل سانفيلي. ومن بين اللاتينين الذين معنا وهم بيننا: فرناندو إواساكي و إنيز ميندوزا ( اللهب الآخر). ومن قراءاتي للكتب مؤخرا، التي استمتعت بصحبتها، هي: قصص من مكان آخر، لخوسيه ماريا ميرينو. صديق الشتاء، لخوسيه لويس بوراو. جراح مزمنة، لكارميلي خايو وطريق الطاحونة رقم 88 لمونيوز رينخيل.

 

يحدث للمرء أحيانا، كقارىء، أن يعتقد بأنه يكفي للنص أن يكون قصة، رواية أو قصيدة، بالإضافة ( أو بشكل منفصل) إلى أية جمالية شكليّة، لينقل لنا الحياة، ليخبرنا الحقيقة. هذا ما حدث لي دائما مع كتبك، ميداردو. ما الحقيقة التي همست لك بها القصص من الحياة؟

 

حقيقتي، وحقيقة معظم أفراد عائلتي وأصدقائي. حقيقتك وحقيقة الكثير ممن يعيشون هنا الآن بيننا.

*نشر هذا الحوار في صحيفة revista de letras الاسبانية في فبراير ٢٠١١. وقدم الحوار الصحفي سيرجي بيلڤير. يمكن الوصول للحوار الأصلي عبر الرابط:
http://revistadeletras.net/cuentistas-i-medardo-fraile/

0 289 28 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, حداء الروح أكتوبر 28, 2018