زيارة بنيامين نتنياهو لمسقط .. وصناعة التاريخ

لـ

   لا يعد التعارض بين الرواية العُمانية والرواية الإسرائيلية حول المقدمات ” البروتوكولية ” التي مهدت لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي – بنيامين نتنياهو- لمسقط، حالة طارئة أو صيغة مغايرة عن أخوات لها من بيانات وروايات عربية شبيهة، جاءت في سياق زيارات قام بها مسؤولون إسرائيليون لعواصم المنطقة.

الرواية العربية ولضرورات التخفيف قدر الإمكان من وقع الخبر على المتلقي أو الجمهور، الذي لم يبلغ بعد مرحلة تقبل مشهدية جلوس المسؤولين في دولته مع عناصر فاعلة في الحكومة الإسرائيلية، باعتبارها كيانًا مغتصبًا للحقوق، فإن هذه الرواية تذهب غالبا باتجاه أن اللقاء أو الزيارة أو المقابلة مع الشخصية الإسرائيلية كانت بناء على طلب هذا الأخير، أو نتيجة صدفة أو جاءت في سياق وضع غير معد له مسبقا. ومن الطبيعي أن تكون هناك رواية إسرائيلية تتناول مقدمات اللقاء ذاته وتوضح بعض تفاصيله، وفي الأغلب فإن هذه الإيضاحات أو الإضافات تكون مغايرة ومخيبة لآمال الرواية العربية ومسعاها.

عقب الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى السلطنة، دوّن المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، أوفير جندلمان، على موقع “تويتر” قائلا، إن نتنياهو عاد إلى البلاد بعد زيارة قصيرة لسلطنة عمان، حيث التقى السلطان قابوس الذي وجه له دعوة بزيارة السلطنة في ختام اتصالات مطولة بين الطرفين. وبعد ساعات من هذا الإعلان صرح وزير الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني أبديا رغبة في لقاء جلالة السلطان. وما لبثت أن برزت رواية ثالثة على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه الذي قال في تغريدة له على حسابه في موقع “تويتر”: ” عدت إلى إسرائيل اليوم في ختام زيارة رسمية سياسية إلى سلطنة عمان، حيث التقيت بسلطان عمان، السلطان قابوس بن سعيد. دعيت أنا وزوجتي لزيارة سلطان عمان بعد اتصالات مطولة بين البلدين… ” واختتم تغريدته بالقول: ” زيارة مميزة لعُمان… نصنع التاريخ” وهذه العبارة، المثقلة بالدلالات العميقة، تحتاج إلى توضيح لاحق.

هذه الحالة الملتبسة من حيث الشكل في علاقة الدول العربية، أو معظمها، مع إسرائيل، هي حالة تاريخية عمرها يقارب ثلاثة عقود، وبعضها يرتد في هذا الشكل إلى أبعد من هذا المدى الزمني بكثير، إلا أن هذا النمط من العلاقة الخفية أو الالتفافية لم يعد من المقبول استمراره فترة أطول، وستسقط في المدى القريب عنه صفة التبرير، وهو تحليل مؤيد بمضمون خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحد قبل أشهر قليلة، الذي قال في بعض فقراته إنه ولأول مرة في تاريخه يشهد علاقة صداقة حميمة تربط إسرائيل بالعديد من الدول العربية، وأن وضعا كهذا كان من الصعب تخيله في الماضي.

وزيارة رئيس الوزراء إسرائيل الأخيرة لمسقط، وقبلها زيارات عدد من الوفود لعواصم خليجية تأتي في هذا السياق، وبذا أصبح  تجوال وتنقل رئيس وزراء إسرائيل أو وزراء في حكومته، أو رئيس الدولة، بين عواصم الدول العربية، أمرًا “طبيعيا” وله منطقه الرسمي، وحجته الحاضرة، باعتبار أن إسرائيل دولة “طبيعية” من دول المنطقة، و”قومية” كسائر القوميات. وباعتبار أن أي تغيير أو تبدل مهما كان مغرقا في سلبيته، يمكن من خلال عملية بحث في أعماقه أو بين ثناياه العثور على مواطن ومواقع تبعث على التفاؤل والإيجابية. ولعل الإيجابية الوحيدة لحالة الانقلاب هذه، أن هناك حالة من الارتياح العام، ولسان الحال ينطق أن اللعب في الخفاء ومن تحت الطاولة قد ولى، وبات الفعل ظاهرًا وعلى الملأ، وهو تحول سيصب في نهاية المطاف لصالح المسار الحتمي الذي تذهب إليه المنطقة.

ابتعادًا عن التفاصيل المرتبطة بشكل الزيارة والدلالات المتعلقة بها، واقترابا من مضمونها ومحاولة تلمس بعض معالم الصناعة التاريخية التي أشار إليها نتنياهو في تغريدته، هناك مظهران من مظاهر الصناعة لنتنياهو تخللت الزيارة، الأول يمكن إدراجه ضمن التوقعات، أما الثاني فهو يقيني لا يرقى إليه شك.

التوقع هو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي اغتنم فرصة زيارته لمسقط، وحاول بأي وسيلة من الوسائل، إحداث بعض التغييرات، ولو طفيفة، للتعريف العماني وفهمه لمواطن الخطر التي تهدد الإقليم الخليجي، باعتبار أن هذا الفهم بمثابة الإشكالية الأكبر في وجه تشكيل تحالف خليجي يعمل متوافقا ومنسجما ضد إيران، وذلك وفقا للتقييم الرسمي لإسرائيل وفق تسريبات ويكليكس.

بالطبع ليست سلطنة عمان هي الإشكالية الوحيدة من بين دول الخليج في هذا الملف، فهناك دول أخرى (قطر، الكويت) اللتان لا تنظران إلى إيران باعتبارها خطرًا يهدد المنطقة، وأنه يستدعي إنشاء تحالف لحربه وحصاره، إلا أن عمق العلاقة العمانية – الإيرانية، التي يعود تاريخها إلى سبعينيات القرن الماضي، وشكلت مسقط بموجبها علاقة استراتيجية مع طهران، باعتبار أن الأخيرة عنصر توازن مهم في الإقليم، هذه كلها عناصر أعطت للسلطنة وزنا مضاعفا بالمقارنة مع طبيعة علاقة سائر دول الإقليم بإيران.

نتيجة هذا الفهم، وهذا التعاطي مع الجارة على الضفة المقابلة من الخليج الفارسي، تعرضت سلطنة عمان لكثير من الضغوط والتجاذبات، ومن المتوقع أن تكون هذه المسألة قد أخذت حيزا، ولو قليلا في عملية التفاوض الثنائي. وفيما يبدو فإن هذه التجاذبات مفهومة ومستوعبة لدى الجانب الإيراني، الذي لم يخرج في تعليقه الرسمي على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي عن صيغة النقد الذي أتبعه تبريرا، باعتبار أن الزيارة وفقا للمتحدث الإيراني الرسمي “جاءت بضغط من البيت الأبيض”. صيغة التصريح على هذا النحو توحي أن هناك حالة من الاطمئنان أن تبدلا في علاقة مسقط تجاه طهران لن يحدث، وأن الأولى ستبقى متمسكة  بعلاقتها الاستراتيجية ولن تفرط بها بأي حال، كما أنها لن ستبقى حريصة على دورها كوسيط أممي.

البعد الآخر، وهو جانب يقيني من أجله تحققت الزيارة الإسرائيلية، بثقلها الأمني، وهو المرتبط بـ ” تيسير” مسار المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفقا لتعبير وزير الشؤون الخارجية، ابن علوي، وهو الدور الذي أسندت الولايات المتحدة الأمريكية القيام به إلى سلطنة عمان، لدورها وريادتها الإقليمية كوسيط لا تنقصه كفاءة الوسطاء العالميين وقدرتهم في تقديم حلول وابتكار مسارات توافقية. وللسلطنة سابق تجارب ناجحة في هذا المجال، أبرزها وساطتها في الاتفاق النووي الإيراني، وجهودها التي يعول عليها الكثيرون في التوصل إلى اتفاق بين الحوثيين والسعوديين.

لعل التقدير الذكي لابن علوي أن الدور العماني في قضية عمرها أكبر من عمره، وتحمل بين ثناياها كامل تناقضات السياسة العالمية وتعارضاتها، هي قضية ليس من السهل أن يمارس فيها الوسيط – أي كان هذا الوسيط – دوره الذي من الواجب أن يؤديه، ومهمته التي من المفترض أن ينجزها على النحو الأكمل ليخرج في النهاية ويفاجئ العالم معلنا أن وساطته أنجزت هدفها، وأن الخصوم التاريخيين، أعداء الأمس، أصبحوا أصدقاء اليوم. هذه الصيغة من الممكن أن تتحقق وعلى هذا النحو لأي وسيط وفي أي قضية، أما إذا كان الأمر متعلقا بالقضية الفلسطينية وتعقيداتها وتشعباتها التي لا تكاد تتوقف، القضية التي استعصت على كافة المحاولات في تحريك عملية السلام المتعثرة ولم تنقطع لعقود طويلة سلسلة طويلة من المشاريع والمقترحات وخطط السلام، فإن الأمر في حالة كهذه يحتاج إلى مزيد من التأمل والحكمة، وبسبب هذا الفهم، ولعله نتيجة له، دفع ابن علوي عن نفسه وبلاده صفة الوسيط، والإقرار بأن الدور الذي يمكن أن يمارسه الفعل السياسي، هو دور تكميلي ومساعد أكثر منه أي شيء آخر.

شرح وزير الشؤون الخارجية  للصحفيين أن مسعى الدبلوماسية العمانية سيكون بمثابة “محاولة” لإيجاد حل للقضية الفلسطينية من خلال المسار الذي اقترحه الرئيس الأمريكي، ترامب، ضمن ما بات يعرف بـ “صفقة القرن” وأنه إذا ” استطعنا أن نبدي بعض الآراء، فهي من أجل تكون هذه الصفقة مقبولة لجميع الأطراف، ويكون قد تم تحقيق السلام بين الطرفين”. هذا التصريح للوزير منشور في  صحيفة “عُمان”. ووفقا لهذا المجال السياسي الذي رسم ابن علوي سقوفه، يغدو السؤال عن الحدود والآفاق التي يمكن للدبلوماسية العمانية التحرك فيها بحرية، والثمار المتوقعة عن هذا التحرك، مبررا وضرورة لاستكمال محاولة فهم واستيعاب صيغة السلام التي تبشر بها “صفقة القرن” شعوب المنطقة.

ليس خافيا على أحد أن نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والإجراء الذي رافقه من اعتراف واشنطن بالقدس باعتبارها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل هو إجراء يأتي في سياق خطة أو صفقة القرن، وأن هذا الإجراء انتزع عنصرا جوهريا من عناصر النزاع التاريخي بين العرب والإسرائيليين، لينحاز بالمطلق لصالح الجانب اليهودي. السؤال الخاص بهذه المسألة تحديدا، إلى أي مدى يمكن للدبلوماسية العمانية، عبر المساحة التي يمكن أن تناور من خلالها، أيا كانت صفة هذا الدور، دور الوسيط، أو الدور المساعد، التكميلي، الحريص على تقديم مظاهر التيسير للوصول إلى حلول ترضي الطرفين، إلى أي مدى يمكن لهذا الدور إقناع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالرجوع أو إدخال بعض التعديلات على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل؟  ثم إلى أي مدى يمكن للدبلوماسية العمانية أن تذهب في تصحيح مسار موضوع اللاجئين الفلسطينيين وحالة التصفية التي تشهدها وكالة الغوث الدولية، ناهيك عن تنامي ظاهرة التوطين في مواطن إقامتهم الحالية؟ وماذا عن التغول الاستيطاني الذي تشرف عليه الحكومة الإسرائيلية وتضمن عبر سياسة محكمة واستراتيجية غير قابلة للتراجع ابتلاع مزيد من أراضي الفلسطينيين الواقعة تحت سلطتهم وسيادتهم ؟

غير أن  صفقة القرن ليست هذه حدودها، فهناك بنود لم تخرج للعلن إلى الآن، ومن المتوقع أن تبدأ تسريباتها بالظهور اعتبارًا من هذا الأسبوع، بالتزامن مع زيارة مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط – جيسون غرينبلات – إلى إسرائيل، وسيعرض خلال زيارته بعض ملامح الخطة الأمريكية للسلام، على أن تعلن سائر البنود حتى نهاية العام الجاري على أكثر تقدير. ولعل المبعوث الأمريكي وبناء على متغيرات محددة، يبادر بعرض كامل بنود الخطة. وبالعموم فإن عددا من البنود الرئيسة للخطة لم تعد سرًا أو في طي الكتمان، بل غدت بعض ملامح هذه الخطة معلومة بعد فترة وجيزة من التداول والسماح بالاطلاع على مستوى مركزية صنع القرار في العالم العربي، ومن خلال هذه الشريحة تسربت معالم الخطة، التي من أهم بنودها:

  • تنازل الفلسطينيين للإسرائيليين عن 12% من أراضي الضفة الغربية لضمان المستوطنات القائمة، واستيعاب مستوطنات جديدة.
  • تنازل الجانب المصري للفلسطينيين عن قرابة 720 كم من الأراضي الممتدة من رفح إلى العريش، وإنشاء ما يعرف بغزة جديدة.
  • استيعاب غزة الجديدة ما بين مليون إلى مليون ونصف من اللاجئين الفلسطينيين.
  • عودة الخيار الأردني ضمن سياق إسقاط حق العودة.
  • حصول مصر من إسرائيل على أرض جنوب غرب النقب مقابل الأرض التي تنازلت عنها للفلسطينيين. وإنشاء نفق بطول 10 كم تحت المياه، ينتهي عند الطريق الحدودية بين السعودية والأردن.

هذه النقاط الرئيسة لمخطط السلام في المنطقة وفقا للتصور الأمريكي، تصفية كاملة للقضية الفلسطينية بعد تجريدها من عناصرها ومقوماتها الحيوية التي منحتها هويتها طوال الفترات الماضية: الإنسان الذي هجر من أرضه، الأرض المسلوبة والمنهوبة، المقدس الذي بدأت معالم هويته تتلاشى، أوطان تجتزأ مساحات غير قليلة من سيادتها في سبيل تخليق وطن بديل، وكل هذا الذي ذكر ما هو إلا بعض سمات مخطط السلام أو بعض معالم صناعة نتنياهو، ويبقى السؤال قائما: ما الممكن الذي بمقدور الدبلوماسية العمانية أن تحدثه لصالح قضية عادلة، طالما أكدت مخلصة عبر أدبياتها على عدالة هذه القضية، وأقرت أكثر من مرة بالظلم التاريخي الفادح الذي حاق بشعبها ؟

 

0 705 28 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, سياسة أكتوبر 28, 2018