ماذا حدث يوم 23 يوليو 1970

لـ

رواية جديدة تنفي ما افتراه اللواء جون جراهام على السلطان سعيد بن تيمور

كتاب  (انقلاب عمان) Coup D’état Oman

 

توطئة

 

هذه ترجمة للفقرات الأساسية من الفصل الرابع الخاص بتفاصيل أحداث يوم 23 يوليو 1970 من  كتاب  (انقلاب عمان) Coup D’état Oman الذي صدر في نسخة إلكترونية لا يمكن تنزيلها إلا على تطبيق أمازون كندل Kindle فقط. وهو من تأليف الرائد رئى كين Ray Kane قائد السرية الرابعة أو السرية الحمراء في كتيبة الصحراء آنذاك، الذي قاد المجموعة التي اقتحمت قصر الحصن واشتبكت مع السلطان سعيد بين تيمور – رحمه الله –  وبعض من حرسه ظهيرة ذلك اليوم الذي كان بداية نهضة عمان الحديثة التي قادها جلالة السلطان قابوس بن سعيد – مد الله في عمره – الذي خلف والده سلطانًا على عمان بعد أن وقع الأب قبل ترحيله إلى بريطانيا وثيقة التنازل عن العرش لابنه.

السُّلطان سعيد بن تيمور

تخالف رواية (رئى كين) في كتابه هذا رواية الراحل اللواء (جون جراهام) قائد قوات السلطان المسلحة آنذاك التي أوردها في كتابه ponder anew، (أمعن النظر مجددا)، والتي نقلها عنه الدكتور (بيترسون) في كتابه عن السلطنة، العصيان المسلح في عمان: الصراع من أجل السيادة، وعنه نقلها باقي الكتاب والباحثين. فهي تكاد تكون الرواية المجمع عليها، وهي رواية اشتملت على حذف وإضافة ولا تخلو من الإساءة لشخص السلطان سعيد بن تيمور – رحمه الله – ويأتي تفصيل ذلك في ثنايا الترجمة التي بين أيديكم.

لا أحد يعرف متى فكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه ومد في عمره- في تنحية والده؛ لكن لدينا شهادة الراحل العقيد (بيتر تويت) في مذكراته  Muscat Command، قيادة كتيبة مسقط ، عن زيارة الأمير قابوس (جلالة السلطان حاليا) برفقة ثلاثة من ضباط كتيبته في منزل الأمير الذي بناه له أبوه بعد عودته من بريطانيا. ففي هذا اللقاء عبرالأمير الشاب لزوّاره عن عدم رضاه عن مجريات الأمور في ظفار، وعن عدم موافقته على إجراءات والده القمعية؛ مؤكدا على الحاجة إلى سياسة إنسانية تتفهم معاناة الناس وشعورهم بالإحباط. كما أيّد رأيهم بضرورة إجراء تنمية مدنية تواجه تنامي المد الشيوعي في بلاده. كان من بين الزوار الرائد (تم لاندون) زميل جلالة السلطان في كلية ساند هيرست العسكرية ثم صديقه الحميم (1). وهناك شهادة الراحل اللواء (جون جراهام) قائد الجيش (1970 – 1972) الذي زار الأمير (جلالة السلطان حاليًا) في منزله في مايو 1970. فعندما همّ اللواء بالانصراف سأله الأمير: إذا وقع تحرك ضد السلطان فما الجيش صانع؟ فرد عليه قائلا سيفعل الجيش ما فيه مصلحة البلاد.

كما لا يعلم أحد متى فاتح جلالة السلطان صديقه و زميل دراسته في ساند هيرست (تم لاندون) ضابط استخبارات ظفار حينها الذي صار حلقة الوصل بينه وبين قيادة قوات السلطان المسلحة التي طلب منها – أي جلالة السلطان – تنفيذ الانقلاب دون المساس بحياة والده . لكن من المؤكد أنه لم يتم طلب ذلك إلا بعد رحيل السكرتير العسكري (بمثابة وزير دفاع) العميد ( بات ووترفيلد) في فبراير 1970 وقدوم العقيد (هيو أولدمان) ليحل محله سكرتيرًا عسكريًا على رأس دائرة الدفاع (آنذاك) وبعد رحيل اللواء (كوران بوردون) قائد الجيش بعد انتهاء مدة إعارته لقوات السلطان المسلحة حسب اتفاقية 1958 العسكرية بين السلطنة وبريطانيا. ويمكن أن نقول إن السر في البدء لم يتجاوز ثلاثة هم جلالة السلطان – حفظه الله و رعاه –  و(تم لاندون) ضابط استخبارات ظفار و(مالكوم دينيسون) ضابط استخبارات القوة (قوات السلطان المسلحة). لقد كشفت مذكرات العقيد (بيتر تويت) قائد كتيبة مسقط عن أمرين جعلا الانقلاب أمرًا لا مفرّ منه : الأول أن السلطان سعيد عبّر عن عدم استعداده للإنفاق على برنامج تنموي حتى يؤمن الريال السعيدي بالذهب، والآخر أنه قلل من خطر الثورة المتعاظم في ظفار، قائلا إن كتيبة رابعة هي كتيبة الجبل وهي قيد الإنشاء لمواجهة هذا الخطر، غير مدرك أن هذه الزيادة الصغيرة في حجم القوات المسلحة غير كافية لاستعادة السيطرة على المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار التي تقارب مساحتها مساحة لبنان (2).

البريجاردير تم لاندون

وتاليا النص المترجم من كتاب الرائد (رئى كين)، وغني عن القول إنه لا يعبر بالضرورة عن رأي هذا المترجم ولا يعني موافقته على كل ما جاء فيه.

 

النص المترجم (ترجمة هذا الكاتب):

” بينما كنت أمشي الهوينى إلى نادي الضباط ناداني ضابط أركان كتيبة الصحراء من نافذة مفتوحة. ومن نبرة صوته أدركت أنه علي نسيان أمر الإجازة. قال ” غرفة العمليات ، مجموعة الأوامر، حالا يا رئي”. دخلت غرفة العمليات في اللحظة التي كان قائد قوات السلطان المسلحة الراحل اللواء (جون جراهام) على وشك إنهاء حديثه الجانبي مع (تيدي ترنل) قائد كتيبة الصحراء. التفت (ترنل) إلى الحضور قائلا ” أيها السادة لقد تلقيت رسالة من قابوس ابن السلطان سعيد” . تصرح الرسالة عن عزم قابوس على تنحية والده ظهيرة ذلك اليوم، وقد طلب من كتيبة الصحراء حفظ القانون والنظام في مدينة صلالة (3).

المقدم تيدي ترنل

لم تقتصر تعليمات ترنل اللاحقة على مطلب الرسالة؛ بل أمر ضباطه البريطانيين أمرًا لا لبس فيه بتنفيذ انقلاب. أوامر السرية الرابعة أو السرية الحمراء كانت تأمين قصر الحصن وإلقاء القبض على السلطان. بعد انتهاء الاجتماع خلا بي ترنل جانبا، وكانت أوامره الشخصية لي استعمال القوة القصوى لتحقيق المهمة في أقصر مدة وإلقاء القبض على السلطان حيًّا إذا كان ذلك ممكنا.

لم أدخل قصر الحصن من قبل قط، ولم يخطر على بال الضباط الكبار الذين ترددوا عليه على مرّ السنين تسجيل مشاهداتهم، و ليس هناك خرائط له، كما أنني كنت أجهل عدد الحراس وتوزيعهم، وأجهل روتين السلطان ومكانه.

لم أكن على علم أن الشيخ بريك صديق قابوس قد اشتبك هو ومجموعة معه مع السلطان، حيث قتل أحد المهاجمين وأصيب بريك في بطنه. لقد أصبح السلطان على حذر ( وتراجع مع حراسه إلى مكان ما في القصر).

يتفرع الطابق الأرضي إلى ممرات ذات اليمين وذات الشمال. نزل الملازم سعيد بن سالم الوهيبي قائد فصيل الاستطلاع في كتيبة الصحراء، نزل هو ورجاله الذين كانوا جميعا عمانيين إلى ممر يؤدي إلى الأسفل. لم يكن للملازم سالم ومن معه دور  في الأحداث التي تلت، وأنا اخترت ممرًا مختلفا قادنا إلى مجلس بدون نوافذ، مصابيحه ثريات، وعلى البساط كانت أكوام من أوراق النقد بعضها مبعثر مما يشي برحيل على عجل، وعندما هممنا أن ننعطف نحو اليسار مرت زخات من إطلاق النار بجوار رؤوسنا؛ لم نجد السلطان سعيد بل هو الذي وجدنا. تراجعت إلى الممر المظلم، وأطلقت مخزنا كاملا من بندقيتي الإف إن FN. مرة أخرى أجبرنا إطلاق النار من السلطان وحراسه على خفض رؤوسنا. قلت في نفسي لقد حان وقت استخدام قنبلة يدوية، حرّضني الجنود على قذف القنبلة بسرعة خشية أن تنفجر بين ظهرانينا. قذفتها وأحدثت انفجارًا مدويًا. جاء الرد مرة أخرى زخات من إطلاق النار، فأدركت حينها أننا نحارب محاربين.

ونحن على هذه الحال انضمّ إلينا بغير دعوة ثلاثة ضباط بريطانيين هم الرائد (نك) والرائد (سبايك باول) والملازم (اندرو) الذين شرعوا في إطلاق نار كثيف على ملجأ السلطان سعيد.

قلت لهم لا تبرحوا المكان. تركت معظم رجال السرية تحت إمرة الرقيب، وتحركت مع مجموعة صغيرة أنا و(رتشارد وود) لاستكشاف متاهة الممرات مرة أخرى. وجدنا كوة (خوخة) في ممر سفلي. أمرت المجموعة أن تنتظر، وتسلقت الجدار حيث قفزت من الكوة ووقعت على سقف مستو، وما لبثت أن أحسست بصوت ارتطام زخات الرصاص أسفل قدمي. لقد كان السلطان في الأسفل وقد سمعني لما قفزت على السطح، فأخذ يطلق النار نحو سقف الملجأ. قلت في نفسي لقد أوقعنا به، قفزت إلى باحة صغيرة بجوار باب من زجاج، كان مغلقا من الداخل، ولم تفلح محاولات كسره بعقب بندقيتي، فلقد كان مصفحا.

أمرت (ريتشارد) أن يطلق النار على الباب الزجاجي من أجل إحداث فجوة تكفي لقذف قنبلة يدوية. أحدثت الزخة الأولى فجوة صغيرة لا تفي بالغرض، فطلبت منه أن يطلق زخة أخرى فاتسعت الفجوة اتساعا كافيا. في هذه اللحظة سمعت من يناديني من أسفل. لقد كانا المقدم (تيدي ترنل) قائد كتيبة الصحراء ومعه (تم لاندون) ضابط استخبارات ظفار. أمرني (ترنل) أن أنسحب مضيفا أنه سيتفاوض مع السلطان سعيد؛ فأكدت لهما أن العملية على وشك الانتهاء. تجاهلت أمر (ترنل) واحتجاجات (لاندون) وعدت إلى حيث كنت. ناديت السلطان باسمه سعيد قائلا له إما أن يستسلم أو يموت حرقا بقنبلة فوسفور يدوية. لم أكن أنوي الإقدام على هذا الفعل الفضيع وما قلته إلا ليظن أني سأقذف القنبلة بالفعل. لقد صدق ظني. فبلغة إنجليزية لا عيب فيها وصوت هادٍ غير مرتبك قال السلطان إنه سيسلم نفسه للمقدم (ترنل) فقط . فأسرعت أخبر المقدم قائلا له “عندنا شخص يريد أن يكلمك”.

وصل (ترنل) غير مسلحٍ وبصوت جهوري أعلم السلطان بوصوله، فتح لنا أحد حراس السلطان الباب الزجاجي فدخل (ترنل) ودخلت معه، ومن خلفنا (تم لاندون). في هذه اللحظة وصل الملازم سعيد سالم ورجاله بعد انتهاء الاشتباك. بوقار وقف السلطان بدشداشته الملطخة بالدم ومن حوله حراسه الشجعان بجراحاتهم، وسلّم مسدسه نصف الآلي إلى (ترنل). ورغم ما حدث لم نشم في الحجرة رائحة الخوف.  محاطا بضباطه البريطانيين المسلحين وقع السلطان سعيد على وثيقة التنازل عن العرش لابنه التي تم تصحيحها مرتين بسبب عيوب في اختيار الكلمات (4).

حين وصلت إلى معسكر( أم الغوارف) قدمت تقريرًا كاملا للواء (جون جراهام) الذي وجدته جالسا بجوار جهاز اللاسلكي في مركز اتصالات كتيبة الصحراء. إن وصفه لعملية الانقلاب في مذكراته Ponder Anew ، أمعن النظر مجددا ، لا يطابق ما قلته له. لقد كتب في كتابه أن الملازم سعيد سالم ومفرزته من الجنود العمانيين كانوا القوة التي اقتحمت القصر، وأخضعت  الحراس وحاصرت السلطان سعيد الذي سلم نفسه لهم. جنود السرية الحمراء بقيادتي وقيادة نائبي (ريتشارد وود) هم الذين فعلوا هذا. إن ما كتبته في هذا الكتاب هو التقرير الصحيح.

وأجده لزاما عليّ أن أبين أن السلطان سعيد تصرف كمحارب عربي أثناء عملية الانقلاب، وما تلاها؛ فقبل أن يسلم نفسه لم يقل ـــ كما افترى عليه (جراهام) في مذكراته ــــ أنه أصاب نفسه ويريد أن يستسلم لضابط بريطاني عالي الرتبة. حينها كان (جراهام) على بعد ستة كيلومترات و(تيدي ترنل) كان في الخارج. لقد تكلم السلطان معي أنا. و من مفتريات (جراهام) أن السلطان هددنا بمسدسه لما دخلنا عليه الحجرة، كما أنه – أي السلطان سعيد – لم يمسك بقميص (ترنل) يتوسله أن لا يتركه وحده، ولم يقل أن الناس سيقتلونه. لقد استمرّ السلطان يقاتل رغم قذفه بقنبلة يدوية وإصابته بأربع جراحات رصاص. ولم يظهر ألمه أو أي عرض من أعراض الصدمة، وطوال الوقت كان صافي الذهن. إن روح القتال والتصرفات التي أظهرها سعيد بن تيمور أثناء الاشتباك لو أتى بها جندي في جيش من الجيوش لنال أرفع وسام للشجاعة. وخلافا لما كتبه عنه (جراهام) فإن السلطان سعيد لم يظهر أي خوف على حياته طوال المدة التي كنت جالسا بجواره (ونحن ننتظر طبيب الكتيبة ليضمد له جراحه).

في اليوم التالي 24 يوليو 1970 نقل السلطان سعيد بالطائرة إلى البحرين ثم إلى لندن (5)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أهدي هذه الترجمة للزميل والأخ العزيز بدر بن صالح العبري الذي ترجم بضعة نصوص مهمة عن تاريخ السلطنة .

(1) كان حينها برتبة رائد، وكانت استخبارات ظفار جزءًا من استخبارات القوة (قوات السلطان المسلحة). تقاعد عام 1985 مواطنا عمانيا برتبة بريجادير بعد أن أسس مكتب القصر (وزارة المكتب السلطاني حاليًا) الذي يعد السكرتارية العسكرية لصاحب الجلالة السلطان ويشرف على الأمن الداخلي والاستخبارات الخارجية. في فبراير 1973 تقرر إنشاء جهاز استخباري مستقل عن قوات السلطان المسلحة أٌطلق عليه مسمى (دائرة المخابرات العمانية).  في 1 فبراير 1986 صدر المرسوم السلطاني القاضي بإنشاء (جهاز الأمن الداخلي).

(2) احتاج أمر استعادة كل الأراضي التي كانت تحت سيطرة الثوار إلى ثماني كتائب (هي مجموع لوائي شمال عمان ولواء ظفار)  ولواء مظليين إيراني مدعوم بسرب من طائرات الفانتوم والمروحيات و المدفعية الثقيلة ( 4000 مظلي ) وثلاث كتائب أردنية و11 فرقة وطنية، وبعد قتال مرير دام خمسة أعوام أخرى. أما الريال السعيدي فقد صدر في مايو 1970 وتم استبداله في عام 1971 بالريال العماني.

(3) ضرب 120 جنديا من كتيبة الصحراء طوقًا في المزارع القريبة من منطقة القصر، لمنع أي نجدة من رجال القبائل أو جندرمة ظفار (الفوج) المتمركزة في معسكر رزات، التي كانت تتبع السلطان سعيد مباشرة لا قيادة القوات المسلحة. كما تم قطع الكهرباء عن نظام الهاتف وعن مركز الاتصال اللاسلكي بين القصر والفوج.

(4) لم يكن جلالة السلطان – حفظه الله و رعاه – يكره أباه، ولم يكن مستعدًا أن يثقل ضميره بخلافة أبيه المقتول في انقلاب هو أمر به؛ لكن كما تكشف مذكرات (كين) فقد نجا السلطان سعيد من الموت بأعجوبة؛ فقد أصيب بجروح سطحية في خمسة مواضع جراء الاشتباك بينه وبين مهاجميه، من بينها جرح كان ينزف بغزارة، ولقد غضب صاحب الجلالة السلطان قابوس -حفظه الله و رعاه – غضبا شديدًا لما علم بإصابة والده بهذه الجراحات.

(5) أقام مع حاشيته في جناح في فندق (دور شستر) حيث وافته المنية يوم 19 أكتوبر 1972 ودفن في الجزء المخصص للمسلمين في مقبرة (بروكود). وشهد مراسم الدفن سماحة الشيخ إبراهيم العبري مفتي عام السلطنة آنذاك، وأخواه السيد طارق بن تيمور، والسيد فهر بن تيمور.

0 4889 30 أكتوبر, 2018 العدد الأخير, المئة, سياسة أكتوبر 30, 2018

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان