الموسيقى العمانية المعاصرة

لـ

 

قراءة في كتاب: *من الغناء العُماني المعاصر

 

“كان في زمان الماضي ساحر عشق جنية

بين الورود تتمخطر لابسة الثوب الأخضر

سروّال مزرّى أحمر ومقينعة بنيّة”

جمعان ديوان

 

يتناول هذا الكتاب تجربتين غنائيتين من الجنوب الخصب، أولاهما تجاوزت المحلية إلى الإقليمية وهي تجربة الشاعر والملحن الراحل جمعان ديوان، والأخرى تجاوزت المحلية والإقليمية إلى العالم العربي وما جاوره وهي تجربة المغني والملحن الراحل سالم بن علي، يشترك الاثنان ومعهما مؤلف الكتاب في أنهم من الجنوب الواعد دومًا بالخيرات والبركات، الموسيقية هذه المرة، هكذا فإن القارئ على وعد برحلة غنائية دسمة، تواكب قافلة أغنيات جنوبية، ومجموعة سفن من الأغاني تجري في البحار الموسيقية.

 

يضع الباحث المعروف مسلم الكثيري وهو مدير مركز موسيقى عمان التقليدية بين يدي القارئ كتابه الذي هو عبارة عن دراسة في ألحان المغنيين جمعان ديوان وسالم بن علي، وفي خضم ذلك يطوف به في مسيرة الغناء العماني المعاصر، وإن كان الباحث قد ركز على الألحان ومقاماتها الموسيقية، فإن القارئ سيتزود كذلك بشذرات من تاريخ الغناء العربي، واللغات العربية الجنوبية، والمعتقدات القديمة، والجغرافيا، في إضمامة كتاب واحد.

 

لا شك أن الغناء العماني المعاصر يضع الكثير من التساؤلات أمام الباحثين خاصة، فضلاً عن المهتمين، بالمقارنة بين الغنى الذي تزخر به الفنون الشعبية العمانية وكثرة المؤدين؛ بل العائلات المؤدية في مختلف مناطق عمان وبين ندرة المغني العماني المعاصر، والموسيقي، إلا بشكل بسيط، على أهميته، كما في تجربة سالم بن علي، ولعل الباحث يشير إلى أحد الأسباب عفو الخاطر بقوله: تأثير موجة العودة للتراث و”تطويره” التي شاعت في السنوات الماضية، وكان نتيجتها هذا الركود الفني الذي نعاني منه اليوم. ص٤٨

 

الموسيقى بشكل عام فن متطلب، لا يكفي أن يقوم به المرء بمفرده، بل يحتاج دومًا إلى رعاية واهتمام ودعم مستمر، مثلما يتضح في التجارب القديمة أو الحديثة، ولعل في سيرة حياة الراحل سالم بن علي دليل كافٍ على ذلك، فالوعي الاجتماعي بأهمية الفنان يقاس في أشكال دعم المجتمع لذلك الفنان، وهنا تجربة لافتة يسجلها الباحث مسلم الكثيري حول لحن جمعان ديوان (ساحر وجنية) نقلاً عن ابنه مانع:

هذا الصوت لم يتجرأ أي فنان أن يغنيه هنا في صلالة بسبب كلمات الساحر والجنية، ولكن غناها واحد من دولة الإمارات أصله من ظفار.. واشتهرت جدًا، وبناء على ذلك أصبح الجميع تقريبًا يرددها حتى في صلالة. ومأخذه أن المطربين المحليين عندهم باستمرار خوف من خوض المغامرة الفنية، فالألحان المحلية تكتسب شهرة أكثر في السنوات الأخيرة كلما تم اكتشافها من فنان غير عماني، وهذا أمرٌ للأسف شائع جدًا في عموم الثقافة العمانية الحديثة، وغالبًا يلجأ البعض إلى رأي الآخر من خارج عمان للاطمئنان إلى أهمية المنتج الفني والثقافي المحلي والاعتراف به. ص٤٧

 

تمنحنا الطبيعة هؤلاء المغنين والملحنين الذين يستهويهم الغناء وتقودهم الموسيقى، لكن كل ذلك صار متزعزعًا بفعل الحداثة وأجهزتها، فالمطرب أو المغني والشاعر والملحن، وأحيانًا يكونون الشخص نفسه، يتعاونون على إنجاز أغنية ستقدم في محفل اجتماعي ما، أو عرس، أو سهرة خاصة أو عامة، صاروا متأثرين بشدة بما للإذاعات والتلفزيونات والقنوات الإعلامية من سطوة وسلطة ومتابعة، تضع نمطًا معينًا وشكلًا للمغني والملحن والمطرب، وذلك أفسد الغناء الطبيعي، حتى صرنا نبحث عن النجوم في برامج تلفزيونية تدعي اكتشاف المواهب، عبر منافسة محمومة كانت نتائجها حفرًا غامضة تبتلع النجم الفائز، مثل التجربة العمانية الممثلة بالمغني إبراهيم محمد باعمر وهو خريج المعهد العالي للفنون الموسيقية الذي تحول باختياره الذاتي، المحترم بالتأكيد، إلى الإنشاد الديني.

 

ليس هذا موضوع الكتاب، ولعله موضوعه، ما دام معنيًا بالغناء العماني المعاصر، لكن الكتاب يحلل الألحان وتطورها على صدى التغيرات الاجتماعية، ويسجل التغيرات والمميزات الخاصة لكل فنان من الفنانين اللذين هما محل الدراسة، ليستخرج نتائجه: ظل الشاعر والملحن جمعان ديوان محافظًا على التقاليد الفنية المتوارثة في ألحانه وأشعاره، وأسلوبه في صناعة الألحان يعتمد البناء الإيقاعي، أي الجملة اللحنية الإيقاعية التي تخدم الرقص باعتباره جزءًا أصيلًا في أداء فنون الموسيقى التقليدية التي اشتغل عليها. ص٦٢ أما المغني والملحن سالم علي سعيد فإنه يستأثر بالقسم الثاني، خاصة أن إتمام الكتاب تواكب مع وفاة الرجل، ومع الصحبة التي جمعت الرجلين، ما جعل المؤلف شاهدًا على كثير من الضيق الذي لاحق المغني الراحل، خاصة في آخر حياته، في ١٩٩٥م أحيل إلى التقاعد إجباريًا : وبعض وسائل الإعلام المحلية تجنبت في فترة معينة إجراء حوارات مباشرة معه على الهواء. ص٨٣.

 

يكشف هذا الكتاب عن غوامض وخواف قد تكون بعيدة عن تصورات القارئ العام، كيف اشتهر جمعان ديوان الذي لا يقرأ ولا يعزف، وسالم بن علي الذي لم يكمل تعليمه أكثر من الصف الثالث الابتدائي، حتى أصبحا نجمين لامعين يتصدران المشهد الغنائي في عمان، تلك غوامض فنية قد لا يجيب عنها الكتاب قطعًا، لكنه يقترب من الإجابة، أو يحوم حولها، لذلك حين يصدر كتاب عن الموسيقى فإنه يستقبل بالطبل والرقص والعيدان، بالأنغام والألحان، أي بكل مظاهر الحياة البهيجة، لأنه يغذي راحة النفس ومشتهاها، أو ما تشير إليه بالغناء والرقص.

_________________

* نشر: النادي الثقافي بمسقط ومسعى للنشر ٢٠١٨م.

المؤلف: مسلم بن أحمد الكثيري

0 209 04 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر نوفمبر 4, 2018