فرائسُ الحسناء …

لـ

 

إذا كان القانون المادّي يفرض علينا نفسه دون مراعاة لاختياراتنا؛ فإن القانون الأخلاقي يُفترض اشتغاله بشرط “حرية الاختيار” بوصفها جوهرَ إنسانيتنا؛ لأن الضرورة الأخلاقية ليست ضرورة وجودية، بل هي ضرورة مثالية؛ ولقد رسّخ القرآن هذه الحرية الأخلاقية التي تضفي على الفعل الإنساني قيمته، أو تسلبه تلك القيمة؛ “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ، فالفعل الأخلاقي نابع من الذات العاقلة، ولقد أدرك الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط “الاختلافَ الكبير الذي يفصل أساسًا القاعدة الأخلاقية عن جميع القواعد الأخرى العملية، ويكمن هذا الاختلاف في الفكرة الأرسطية عن الغاية والوسيلة، ويعني الاختلاف بين ما ينبغي أن نسعى إليه لذاته، أو لشيء آخر”[1]؛ ونلاحظ أن القرآن الكريم بالنظر إلى الغايات الأخلاقية الذاتية للفعل، وجودًا أو عدمًا يضفي القيمة عليه أو يسلبه مهما تشابه الفعلُ بالفضيلة في ظاهره فإن القصد معيار القيمة الأخلاقية؛ “وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا .

إن الإرادة الخيّرة عند كانط هي التي تمنح الفعل قيمته الأخلاقية؛ إذ هي الشرط الذي يجعل الإنسان خيّرا بعيدًا عن الغايات والمصالح والميول والغرائز، وبهذا تتطابق الأفعال مع “الواجب” حينما تنبع من الإرادة الخيرة[2]، ولو اصطحب الإنسان هذا المعنى في الحياة العامة أو في المجتمع لأدرك أن كثيرًا من الأفعال قد تتشابه مع الواجب ولكنّها لا تنتمي إلى الإرادة الخيرة؛ بسبب ما تنطوي عليه من غايات غير نبيلة.

وبما أن الحرية الإنسانية شرطُ الأخلاق، وأساس الإرادة الخيّرة؛ فإن إمكان الفعل الأخلاقي أساسيٌّ لفهم النوازع الإنسانية وليس ضرورته؛ إذ لا وجود للضرورة المنطقية أو الوجودية للأخلاق؛ بحيث إن الظروف يجب أن تؤدي إلى غاية محددة أو فعل أو سلوك محدد؛ لذلك فإن الواقعة الأخيرة التي شغلت المجتمع العماني في أعقاب الاحتفالات بيوم المرأة العمانية، متمثلة في استقبال الفنانة الكويتية حليمة بولند قد تحولت إلى مادة احتفائية مستهجنة، ولكنّها تعدُّ حالة طبيعية بالنظر إلى أمرين: أولهما إمكانُ الخير والشر في النوازع البشرية، ولكنّها في الوقت ذاته غير طبيعية للاعتبارات الأخلاقية أو اعتبارات الشخصية العامة التي عليها أن تتخلص من نوازع الرغبة لا سيما وهي تنتمي إلى مؤسسة تعدُّ الثالثة في المنظومة السياسية في الدولة، وثانيهما يرتبط بالغرائز الإنسانية أو “اللبيدو” من وجهة النظر التحليلية عند فرويد؛ فهو طاقة أساسية في تحولات النزوة الجنسية من حيث الموضوع، والهدف، والمصدر، ومع ما للمصطلح من ارتباط في اللاتينية بالشهوة أو الرغبة يرتبط بنظرية النزوات في التحليل النفسي، كما أن قصوره مؤدّ إلى ظهور أعراض كالقلق أو التوتر، ولكن ما يهمنا في هذا السياق تلك التحولات السلوكية أو النشاطات الإنسانية التي يسميها فرويد التسامي، وهي تبدو غير مرتبطة ظاهريا بالغريزة الجنسية أو اللبيدو ولكنها في العمق شديدة الصلة بها؛ فالنشاط الفني، والاستقصاء الذهني أو ما يمكن تسميته بالنزوات البديلة حينما يتحول إلى هدف جديد غير جنسي الظاهر يستهدف موضوعات ذات قيمة اجتماعية أو تبدو كذلك تشغل جانبًا من تفكير بعض الناس في المجتمع لا سيما أولئك الذين لهم صلة بالحياة العامة كالمسؤولين والمثقفين وغيرهم لإبراز دورهم في المجتمع أو لصرف النظر عن فشلهم في مهامهم وعجزهم عن تحقيق الإنجاز؛ فاختيار الذات الإنسانية أهدافًا مختلفة عن أهداف الغرائز شديدُ الوثاقة بهذا الجانب النزوي الإنساني[3]؛ والأفعال الاجتماعية التي تجد قبولا في المجتمع بدرجة ما، والتي يعوّض بها الفاعلُ أفعال الغرائز بالتسامي، هي أفعال تعويضية عمّا هو مفقود في الواقع، ولكنه موجود وراسخ في أعماق النفس الإنسانية؛ لذلك تظهر العلامات المختلفة على السطح تنبئ عن ذلك المفقود أو المكبوت.

إننا نلاحظ هذه الحالة من تحولات الأفعال في حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية، ولا يمكن تنزيه الذات الإنسانية من الوقوع فيها أو في ما له علاقة من الاستتباعات المختلفة؛ ولكنّ المعيب أن تتسم بها المؤسسات الرسمية أو من ينتسب إليها من الشخوص؛ إذ يسعى البعض إلى استغلال تلك الهوامش أو المساحات الفارغة لصب ما يعتلج في ذاته من مرامٍ وغايات، وتأطيرُ يوم المرأة العمانية بالإطار الاحتفائي يجعل الهوامش مفتوحة لاستغلالها في الظهور؛ إذ المفترض أن يكون يومُ المرأة مساحة لمناقشة مؤشرات التنمية، والدراسات العلمية بشأنها، والبيانات والتقارير والمشكلات، وما يرتبط بها من عهود دولية وجهود سابقة، وليس مساحة لممارسات كهذه وتوزيع الهدايا وتقطيع الكعكات البيضاء؛ فبهذه الطريقة الساذجة يتم تفريغ القضايا من المعنى وهدم كل غاية سامية في المجتمع، وكأن المسؤول يريد أن يقول إن مثال المرأة العمانية التي نريدها هي هذه الشخصية؛ ليفرغ في “غيابها” بعضًا من مكبوته على هيئة شعر، أو احتفاء، أو هدايا عند “حضورها”، لذلك تحاول الساحة الاحتفائية تحويل الأعمال الجادة إلى مادة للدعاية بحيث لا يتجاوز الموضوعُ لحظته إلى ديمومة تضفي على الحياة واقعيتها. وبما أن أحد شخصيات الحدث مسؤولٌ عماني برلماني؛ فإنني أريد أن أطرح بعض القضايا ومن أهمها:

  1. حينما نعود إلى الشخصية العامة فإن عنصر المسؤولية الأخلاقية والعصمة النوعية قد يرتفع لدى الفرد الذي يتولى شيئا من أعباء الناس ومصالحهم؛ ومردُّ الأمر إلى درجة الإحساس بأسبقية الذات وتجردها في سياق منظومة الأخلاق؛ واستقلالها عن الموضوعات وإغراءاتها، وهذا الإحساس أساس القاعدة الأخلاقية؛ فالعقل العمومي وما يطلق عليه “الضرورة المطلقة” بحيث إن القاعدة الأخلاقية لا تنسحب على أفراد المجتمع أو النوع الإنساني فحسب، وإنما يتعداه إلى الظروف كلها[4] يتحكم في تصرفات المسؤول افتراضًا، ولعلنا نلاحظ أن الآية القرآنية: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا؛ تحيل على هذه الذات المتعالية والمجردة؛ فمفهوم “الإنسان” في الآية يتجاوز هذا الكائن الموجود الواقعي إلى الكائن المتعالي الذي يدركه المرء بالنظر إلى تاريخه؛ إلى الذات المستقلة صاحبة الإرادة الخيّرة، وبهذا فهي تتحمل حرية إرادتها، وإمكانات اختياراتها؛ وكما أن المفردة القرآنية “ظلوما” تحيل على هذا الانحراف الإنساني مقابل العدالة، و”جهولا” على فقدان الفهم الإنسان مقابل المعرفة؛ فإن كلا منهما يحيل على إمكان العدالة والمعرفة تأسيسا للقاعدة الأخلاقية الضرورية، وكل من العدالة والمعرفة واستتباعاتهما فارغ من المعنى دون وجود الإنسان المختار؛ وهذا الإحساس بهذه الذات المجردة ضروري في كل ميادين الحياة، والمعيش اليومي، ويتأكد عند المسؤول في المجال العام، وبحجم هذا الإحساس يزداد عنصر “المسؤولية” عند المسؤول محط الأنظار والنقد.
  2. لو تأملنا سياقات الحديث في الواقع الاجتماعي حول الحدث ذاته، وما يتضمنه من فعل دعائي، أو فاعلين مختلفين؛ فإن الملاحظ أن النقد قد توجّه بكليته إلى الفعل الأخلاقي، أو تصرفات الشاعر والمسؤول حيال العلامات ذات الدلالة على المعاني السابقة، أو ما يمكن أن يقال عنه “المكبوت” الذي ولّد التوتر والفعل، ولكن ما يغيب عن التحليلات اليومية هو أمر له أهميته؛ ففعل المسؤول الحكومي لا يكشف عن ذاته فحسب، وإنّما يكشف عن طبائع الإجراءات في اصطفاف مسؤولين في المؤسسات العامة دونما إنجاز يضفي على المؤسسات شرعيتها المرتقبة؛ ففشل المسؤول، أو البرلماني يحيل على عجز الإجراءات في الاختيار والمتابعة ولذلك فإن حالة التهالك على الأنثى في المعيش اليومي الذي تروجه أدوات التواصل الاجتماعي يكشف غياب اختبارات السمات الشخصية لمن يشغل مثل هذه المناصب؛ ولعل القرآن قد أشار بالدلالة التبعية إلى هذا الأمر العميق في قوله تعالى: “مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ” ؛ إذ إن انحراف النبي عمّا هو مرسوم لذاته مع طبيعة القانون الأخلاقي الإنساني وإمكاناته يحيل دائما على ما يستحيل على الذات الإلهية مما يرتبط بسوء الاختيار والاصطفاء، وبشيء من النسبية فإن انحراف المسؤول في المؤسسات يحيل على سوء الإجراءات وعجزها عن تقديم مسؤول قادر على الإنجاز، وبهذا نلاحظ غياب النظر إلى هذا الجانب في القرار السياسي داخل الدولة، فما حدث لا يلام فيه الفاعل في الواقعة ولكن تشترك فيه إجراءات الدولة في اختياره.
  3. إن أسوأ شيء في الحياة اليومية المعاصرة، بعد التحولات الاقتصادية وما يعانيه الإنسان من الاغتراب أن يتشيّأ الإنسانُ ويتحول إلى أداة أو مادة دعائية للترويج عن السلع فضلا عن أن يكون بذاته سلعة، أو موضوعا للنزوات الإنسانية، والأسوأ منه على الإطلاق أن يكون المسؤول الحكومي على رأس القائمة في التحول الأداتي، ولذلك نلاحظ أن المسؤول الحكومي في المقاطع المنتشرة في الاحتفاء بالفنانة الكويتية قد وقع في شباك الأداتية حينما أصبح فريسة لهذه الحسناء العاشقة للترويج الإعلامي عن ذاتها، إلى درجة اللاحراك أمام سيل الإطراء والمديح والتغزل أحيانا لها أو بها؛ فما يهمها ليس التفاعل مع ما تسمعه من كلمات؛ بقدر ما تريد استغلال الموقف وتسجيل حضورها الأوحد؛ فالمسؤول الحكومي في هذا السياق “أداة” أو دالة قضية (س)؛ فلا يهم أن يكون برلمانيا، أو وزيرا، أو وكيلا، وإنما الأهم هو تمثيل هذا الدور الأداتي؛ ولذلك فإن على الدولة أن تنتبه إلى هذه القضية لا سيما في ظل الهوس اليومي بوسائل الترويج والتواصل الاجتماعي.

 

 

_________________________

[1] محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن: دراسة مقارنة للأخلاق النظرية في القرآن، تر. عبدالصبور شاهين، سوريا: دار الرسالة العالمية، 2016، ص.56، ص. 61

[2] عمانويل كانت، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، تر. عبدالغفار مكاوي، بيروت: منشورات الجمل، 2014، ص. 37- 38

[3] انظر: جان لابلانش، جان بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، تر. مصطلفى حجازي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص. 310- 311، ص.699

[4] محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن، ص. 55، وانظر: مايكل ساندل، الليبرالية وحدود العدالة، تر. محمد هناد، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009، ص. 43

0 470 06 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر نوفمبر 6, 2018