أهلا وسهلا شهاب بوهاني

لـ

عربي من تونس آت إلينا، ليمكث هنا عمرا تحصه لنا التجربة الحياتية معرفة وأحلاما في عطاء كريم، يُقيم أكثر من عقدين زمنيين على أرض حبيبته مسقط، هذا الرجل المتمدد أمامي في ألواح الذاكرة مليئا بالشعر معنى وحياة، وحيد هو الآن، يطارد الذاكرة في الشعر، قصيدتنا العربية الحديثة نموذج شهادة كفاءته في البحث لغة وأدبا من كلية منّوبة، حمادي صمود مشرفا على أدواته التحليلية ومنهجه المعرفي، في أول سنة من عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ميلاديا.

محافظة مسندم بشمال القلب كانت استراحة قصيرة بعد سنوات قليلة في مسقط، فالمدينة أول مكان وطئته روح شهاب بوهاني، يصلها في عز التوهج، عطاء تعليميا بين جبال تعانق البحر. يبدو لي الآن في استعادتي لشهاب بوهاني أن مسندم بجبالها كانت صماء إلا من موج موسيقا مائية تعزف قيثارتها على رمل الشواطئ، لكأن المكان بلا روح، قصيدة عمود نائية، لا صعاليك يقطعون ليل الجبال حتى صباح الرمل على هدير الموج، وحدها القصيدة الحديثة هناك في مسقط، فكان أن أرجعته الأحلام من بين الجبال الصامتة إلى قلب حب قديم، يشبه آخر تفعيلة حب ستنمو في العمر بمسقط، لتستريح بين موج قصيدة في مقال جديد بجزء من صفحتين على شرفات.

كعادته الدائمة لم يلبث شهاب في مكان واحد، يألف الجديد، مغامرة وظيفيّة بعد أخرى، أعانه على هذا طموح ورغبة ومعارف من مختلف الفئات العمرية والوظيفيّة، تفتح مسقط له قلبها، أجزم أنها ظلت معه كريمة بمعارف وأصدقاء جدد، معلمين طموحين قادمين إلى مدارسهم بشهادات بكالوريوس طازجة في اليد.

من مدرسة حسان بن ثابت إلى مدرسة روي الثانوية تعلو أصوات النقاش حول جملة تستعير بلاغة ولا تسم نوعا من التشبيه، بينهما خيل خليل وقع حوافرها على الأحلام كاد أن يحفر بحرا شعريا آخر؛ يا الله لو أنها صارت؛ لأصبح عروضنا الشعري سبعة عشر بحرا؛ ينتصر عشاق البلاغة؛ متخيلين أنهم يمكن أن يلحقوا بأجدادهم في هذا الزمن ويضيفوا شيئا للغة؛ ولو تفعيلة جديدة على وزن ” فعلان” القادمة من عبق دخان السجائر الملتف حول فناجين قهوة في النقاش.

في الليل يزداد رصيد الأصدقاء، تضيف الأضواء الخافتة شعراء وفنانين موسيقين ومسرحيين، وساردين فاشلين قبل انتصاف الليل لرصيد المعرفة، هؤلاء الذين خرجوا بعد أن راجعوا مخطوطاتهم سيلتقي بهم فجأة في روي على وقع انكسار بيت شعري ثمل بمرارة رغوة تنسكب على كوب زجاجي طويل، يستقبل عشاق مسقط ومخلصوها من الشعراء شهابا، الأنيق صباحا، الوسيم الجميل برسمة فنان في أول اليوم، وحده المساء يستبدل الأشياء، ليصير بو هاني شاعرًا حالمًا بشجرة ليمون، دفن تحتها عصفورًا، أقنع به أطفاله قبل سنوات أن العصفور سيعود إلى جنة ربه ونحن نغسل أيادينا من بلل الطين، يتخلى المساء عما كان من رسمية حقّة في الصباح؛ ليصير كشعراء قصيدة النثر، خفيفا عذبا كترجمته الشّيقة لريلكه في قصيدته الشهيرة” رسالة إلى شاعر شاب”.

ستساهم كثيرا أفكار بوهاني ورفيقه الجلاصي في تحديث منهج مادة اللغة العربية، ستُنخلُ دروس المادة نصًا نصًا، سيرتج عقل المعلم من فرط حداثة النصوص، بدءًا من رعشة درس في الحب؛ مقتطعا من طوق الحمامة، تأكيدًا للحب ذاته، للكائن إنسانا مع ابن حزم، وللروح مكانًا مع الرحبي في قصيدة حب إلى مطرح، لعل هذين الدرسين كانا من أكثر الدروس رفضا، ليس من معلمين لم يحبوا القراءة في أي يوم من حياتهم؛ إنما من المجتمع كذلك، فظل هذا الأخير يرفض نصوصًا بعينها، بلاغة المفيد لم تألفها طرق التدريس القديمة، مجتمع بأكمله لم يتذوق جيدا تلك النصوص، حداثتها لطمت دماغا جامدا لم يتعود على الجديد مرة واحدة، لكني أجزم أن المؤنس والمفيد انتصرا، فالبقاء تأكيد أثر الانتصار.

من بين الأشياء التي يمكن أن نستذكر بها شهاب بوهاني مراجعته للعديد من المخطوطات والأحلام، أهمها تقريبا على حد معرفتي البسيطة مخطوط عين وجناح محمد الحارثي، وقبل أقل من عشر سنوات من رحيله شارك بوهاني في إحدى أمسيات أسرة كتّاب القصة” ساردون مقيمون” مع مجموعة من الكتّاب العرب الذين أقاموا بيننا، ولعل أشياء كثيرة أخرى أجهلها، دائما لن نملك ونحن نستذكر روحًا عزيزة إلا الوقوف على أطلال ذكرى أحببناها، كأي إنسان على رمل هذه الفانية، أقول كما قالت تونس في باجه” أهلا وسهلا شهاب بوهاني”، ومعه أردد آخر ما كتب، كما لو أن شهاب بوهاني يرثي مزحة وداعه لمسقط:

قد أصحو في آخر القصيدة،

على جثّتي،

أو على نرجس،

يراود الذكرى

على الذكرى،

ويشعلُ سيجارة أخيرة،

من ضجر الماغولِ

في بغداد، وفي الخلاء الفسيح

حول دجلتها…

قد أصحو يوما،

على جسدي يغازل ظلي،

في ظله، ويرنو إلى شجرة المشمش،

في حديقة الجيران…

قد أصحو يوما، على يومي،

يغازل وردة

في آخر البستان،

ويصلح اعوجاجا طارئا

في بذخ الياسمين…

سأصحو يوما عليّ، وعلى الآخرين.

 

شهاب بوهاني.

 

 

0 398 11 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, حداء الروح نوفمبر 11, 2018