الليبرالية: تحررٌ من ماذا؟

لـ

إذا كانت الليبرالية هي مذهب التحرر، فالسؤال المطروح حاليًا، وفي ظل واقع الالتباس الذي نعيشه في عالمنا العربي منذ فترة، هو تحرر من ماذا؟ هل التحرر المقصود هو تحرر من الدين أو الأخلاق أو منظومة القيم الحاكمة للأفراد في ظل المجتمع ؟ هل هو السعي نحو الحرية المطلقة التي لا ضابط لها ولا رابط؟ أم إن حقيقة الليبرالية شيء آخر مخالف لمثل هذه الأفكار، التي إن دلت على شيء فإنما تدلّ إما على جهل أو مكر، حيث يتم توظيف كل شيء لخدمة أغراض سياسية فتتوه الحقيقة وراء غبار هذا الصراع، الذي لا تحكمه أية أخلاقيات من أي نوع تقريبًا.

إذا كانت الليبرالية هي المذهب الذي يقدّم الفرد على غيره، ويعتبر أن ما عداه مجرد وسائل لتحقيق الحياة المثلى لهذا الفرد، فإنه بالتبعية سوف يعمل على تقليص أي سلطة تضيّق على هذا الفرد، سواء كانت سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية، بمعنى أنه يريد التخلص من كل السلطات التي تقلص مساحة حرية الفرد، طالما أنها سلطة لا فائدة لها في تحقيق الحياة المثلى لهذا الفرد داخل المجتمع، لكن هذه الحرية التي تريد أن تحققها الليبرالية للأفراد ليست حرية مطلقة، فلا وجود لما يُسمى بالحرية المطلقة داخل المجتمعات، أيّا كانت هذه المجتمعات، بل هي حرية يؤطرها القانون، فأنت حر ما لم تتجاوز الحدود التي وضعها القانون لضبط العلاقات داخل المجتمع، لأن تجاوز هذه الحدود يخلق حالة من الفوضى تتناقض مع الهدف الأساسي وهو تحقيق الحياة المثلى للفرد. أي إن الفرد حر ما لم يضر، ويبدأ الضرر حين يتجاوز حدود القانون؛ لأن هذا القانون – من المفترض – أنه تم وضعه بناء على اتفاق جمعي لتحقيق المصلحة العامة.

وإذا أردنا تفعيل هذا الكلام على الواقع المعاش، من خلال طرح أسئلة والإجابة عليها، فلنبدأ بأكثر الأسئلة حساسية، ألا وهو: هل الليبرالية ضد الدين؟ وللإجابة عن هذا السؤال، نبدأ الإجابة بطرح سؤال آخر، وهو: هل الدين ضد الحرية؟ وإذا كانت الإجابة من قبل المدافعين عن الدين أن الدين ليس ضد الحرية، لكنه ضد الحرية المطلقة التي تعني “الفوضى”، فإننا نعود لما سبق ذكره وهو أن الليبرالية ذاتها لا تعرف ما يسمى بالحرية المطلقة، بل أي مجتمع حقيقي لا يعترف بوجود ما يسمى بالحرية المطلقة. وبناء على ذلك فإنه لا تعارض ما بين الدين والليبرالية كمذهب يرفع من شأن الفرد ويحاول أن يحقق مصلحته دون اعتداء على مصالح غيره؛ بل يمكن أن نعتبر أن ثمة التقاءً بينهما، إذ إن الدين نفسه يسعى لتحقيق هذا الهدف، وهو تحقيق الحياة المثلى للفرد، من خلال عملية ضبط وإدارة العلاقات بين البشر.

إذا كان الأمر كذلك، ولا يوجد تعارض ما بين الدين والليبرالية في جزئية الحرية، فمن أين تبدأ المشكلة التي تحتل مساحات كبيرة من الفضاء الفكري في عالمنا العربي حاليا، وفي غيره من البلدان في مراحل تاريخية سابقة؟ تبدأ المشكلة حين يتم الخلط ما بين الدين ورجال الدين، ما بين الفكر الديني الذي هو جهد بشري وما بين الرسالة الدينية الصادرة عن خالق الكون لضبط المجتمع، إذ يحاول رجال الدين في كل زمان ومكان – تقريبًا – خلق هذا الخلط، سواء عن قصد أو عن جهل، ومن ثَمّ يسقطون رؤاهم الدينية على الدين ذاته، بل ويختزلون الدين في مجرد رؤى بشرية، تصيب أحيانًا وتخطئ في أحيان أخرى. وبعد ذلك تبدأ مرحلة معاقبة كل من يحاول الفصل ما بين الدين والفكر الديني، باعتباره خارجًا عن صحيح الدين، الذي لا يعني من وجهة نظر هؤلاء سوى آرائهم وآراء سابقيهم.

وإذا انتقلنا من نقطة الخلط التي تؤدي إلى سوء الفهم، إلى سؤال آخر وهو: هل وجود الليبرالية يتعارض مع وجود الدين؟ فإننا سنجد أن الليبرالية مجرد مذهب وليست دينا في حالة صراع مع دين آخر، لكن كل ما في الأمر أنها تطالب بالحرية، والحرية هي حرية اختيار، فأنت كفرد مخيّر في اعتناق هذا الدين أو ذاك، دون فرض من أسرة أو سلطة أو كيان ديني، وفي الوقت نفسه لا حق لك في الاعتراض على دين غيرك، فحقك أن تعتنق ما شئت، طالما أنك لا تضر غيرك بمعتقدك هذا، بمعنى أنك لا تحاول أن تفرضه عليه بأي طريقة عنيفة، وإن كان من حقك أن تطرح أفكارك وتعرضها على الآخرين، إن شاءوا قبلوها أو شاءوا رفضوها، لكن دون اللجوء للإكراه أو العنف، لأنهما ضد المبدأ المركزي لليبرالية ألا وهو حرية الفرد.

لكن هل يتعارض مبدأ حرية الاعتقاد مع صحيح الدين؟ هل هناك دين معين، وليكن الدين الإسلامي نموذجًا، يجبر الناس حتى يدخلوه؟ وحديثي هنا عن الدين ذاته لا عن ممارسات معتنقيه، لأن ثمة فجوة دائمًا ما بين النظرية والتطبيق، سواء في شأن الدين الإسلامي أو غيره. هناك آية صريحة تقول: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وآية أخرى تقول: ” فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ”. وكما هو واضح من سياق الآيتين أن الإنسان حر في اعتناق ما شاء، وأن الرسول ليس سوى مبلّغ، وأن أمر من يؤمن أو يكفر موكول للخالق يحاسب عليه في الآخرة. ولذا سيكون أي كلام يناقض هذين النصين الصريحين خروجًا عن النص الديني، أيا كانت أغراض هؤلاء الخارجين عن صريح النص. ومن هنا نستطيع القول: إن الليبرالية لا تعارض الدين، بل الدين نفسه يدعمها ويؤكد على حرية الاعتقاد، وأي حديث عن فكرة الردة أو الخروج عن الدين، هي أفكار مختلقة، تخالف صحيح النص الديني، ولا يُعقل أن يسكت الله عن مسألة بهذه الخطورة، ألا وهي قتل المرتد – كما روج لها رجال الدين – رغم أنه تعرض لأمور أقل منها أهمية، إذا اعتبرنا أنه لا شيء يعلو حياة الإنسان، التي اعتبرها الله أشد حرمة من هدم الكعبة، كما ورد في أحد الأحاديث.

ننتقل من العلاقة ما بين الليبرالية والدين إلى العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، فهل الليبرالية نقيض الأخلاق وتساهم في نشر الرذيلة والأخلاق الهدامة؟ ومرة أخرى نبدأ الإجابة بسؤال جديد: هل الأخلاق ضد الحرية؟ ربما تكون الإجابة هي: الأخلاق ضد الحرية المطلقة، التي تعمل على هدم كل القيم وتجاوز كل عرف. لكن هل الليبرالية بالأساس تعني حرية مطلقة؟! وإذا كان لا وجود لما يعرف بالحرية المطلقة في الليبرالية، فمن أين يبدأ التعارض أو التخوف على ثوابت المجتمع؟ هل الحرية ضد ثوابت المجتمع؟ أم إنها ضد ثوابت مجتمعات يسكنها الاستبداد؟ الحرية هي حقك أن تحيا بالطريقة التي تروقك دون أن تلحق ضررًا بغيرك، حقك في أن تفكر وتطرح الأسئلة، أن تعيد النظر فيما وصلك من الماضي، أن تعلن عن قناعتك دون خوف من العقاب. وهل نتخيل مجتمعًا تسود فيه هذه الروح مجتمعًا سيئًا، في حين نعتبر مجتمعات تؤصل للخرس وعدم التفكير وترهب أبناءها من طرح الأسئلة، وتخلق تابوهات لا نهاية لها، مجتمعات فاضلة؟ هل الصمت أصبح مرادفًا للفضيلة والتفكير الحر وطرح الأسئلة واحترام العقل هي التي تخلق الرذيلة؟

لكي نجيب عن هذه الأسئلة علينا أن نقوم بالنظر لواقع كل مجتمع من هذه المجتمعات، أين وصلت المجتمعات التي تركت المساحة لعقول أبنائها كي تفكر وتعيد النظر في كل شيء، والمجتمعات التي أقامت المتاريس على رؤوس أفرادها، معلنة “ممنوع التفكير”، للدرجة التي وصلت إلى معاقبة التفكير بالتكفير، كيف يحيا المواطن في المجتمعات التي ترفع رايات الحرية، وما وضع المواطن في المجتمعات التي تفرض الحماية العليا باسم الدين والأخلاق على عقول من يحيون في كنفها؟ مع ضرورة أن نستحضر دائمًا الهدف من وجود المجتمعات والدول، بل من وجود الدين وكل مذهب فكري هدفه الإنسان، ألا وهو تحقيق الحياة الفاضلة للبشر، هل الكبت والحصار العقلي والمجتمعي هو الذي يخلق الحياة المثلى، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، أم إن الحرية هي التي تفتح الباب أمام المواطنين والدول كي تبدع وسائل جديدة لتحقيق هذا الهدف الإنساني؟ حين نجيب عن هذه الأسئلة سوف نعرف أن الأخلاق الحقيقية، التي تتمثل في احترام العمل وقواعد المرور، وحق الآخر في التعبير عن رأيه، وحق الآخر في اعتناق ما يناسبه، وغيرها من القيم، هي التفعيل الحقيقي للأخلاق، وأن الحصار والمصادرة على عقول البشر لا تؤدي سوى لحالة من النفاق الديني والاجتماعي، تطالعنا كل يوم في حالة تناقض صريحة ما بين المعلن والخفي في حياة الأفراد.

ويمكن أن نسقط ما تم طرحه في مجالي الدين والأخلاق على غيرهما من المجالات، لنتأكد أن الحرية التي تقوم على أساسها الليبرالية هي التي تخلق مجتمعا فاضلا، وأنه لا تعارض ما بين الليبرالية والدين أو الأخلاق، بل كل مجتمع حر في وضع القوانين والقواعد التي تحكمه، العبرة أن يحدث اتفاق عام ما بين المواطنين على هذه القواعد التي تحكمهم، مما يجعلنا نؤكد على أنه لا شكل واحدا لليبرالية، بل كل مجتمع يخلق ليبراليته التي تناسبه، فلسنا مطالبين باستيراد نموذج من بيئة مختلفة ثقافيا كي نزرعه في أرضنا، بل دورنا الحقيقي هو خلق ليبراليتنا، المهم في الأمر أن نرسخ القيم التي تمنح المواطن مساحة كافية للإبداع، دون أن نحاصره باسم الدين أو الأخلاق العامة، لأن الحرية لا تتنافى مع الدين أو الأخلاق، بل ما يناقضهما هو الذي يهدم الدين ويجعله مجرد رؤى قاصرة لبعض رجال الدين، يجعل الأخلاق مجرد مظاهر لا تنبع من قناعة، لأنه لا قناعة بدون حرية اختيار، بل هو مجرد إكراه باسم الدين أو الأخلاق أو غيرهما، ثم ممارسة وصاية مستمرة على ما تم فرضه من قبل.

لا يعني كل ما سبق أن الليبرالية كانت نعيمًا على مستوى التطبيق، لكن إذا كنا لا نريد من الآخر أن يمزج ما بين النظرية والتطبيق فيما يتعلق بمعتقداتنا الفكرية والدينية وما بين ممارسات المعتنقين، فلنكن موضوعيين حين يتعلق بالأمر بفكر الآخر، ونجعل الفيصل هو النتائج على الأرض لا مجرد كلام نظري حول جدوى هذا أو أفضلية ذاك، فلا يوجد مذهب بدون أخطاء، ولا يوجد تطبيق بدون تجاوزات، ربما تصل في بعض الأحيان إلى حد الخطايا.

 

0 203 15 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, سياسة نوفمبر 15, 2018