الحياة الهاتفة

لـ

 

قراءة كتاب: على طابوقة ينتظر موعدًا

تأليف: وليد الشعيلي

نشر: الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ومسعى للنشر ٢٠١٨م

 

برق كثير في سماء حارتنا

يلتقط صورًا لجروحنا.

ص٤٨

١.

في (حي المقبرة) بصحار يعيش رجل، تتجمع في شارع حيّه كلاب عرجاء وقطط تسير فوق الجدران حاملة أبناءها، فيما الرجل ينظر إليها من  النافذة، فهو نادرًا ما يخرج، مشغول بهاتفه، لا يمكن أن يكون اسمه وليد الشعيلي؛ لأن عزرائيل وأحد أصدقائه مرَّا على هذا الرجل ذات يوم وهو فوق السطح وسألاه فأجاب نفياً: هل تعرف بيت وليد الشعيلي؟/ أجيبهم: ليس في هذه الحارة./ وأختبئ تحت الجدار وأتنفس بقوة مع التأفف/ كطفل قديم خائف من معلمه المار في الحارة. ص٣٦، لكن من هذا الرجل الذي يعدّ عزرائيل معلمه، أو كمعلمه؟

 

٢.

لعله رجل خطر، إرهابي موت من نوع خاص، يهدد الجميع بمسدس، نصيّا حتى الآن: كل ليلة حين أعود من الخارج أضع المسدس فوق الطاولة/ أترون كيف أستطيع قتلكم جميعاً في نص؟ ص١٢، مع أن المسدس يمكن ألا يكون مسدسًا بل اسمًا يطلقه على قلمه، أو إصبعه السبابة، فهو أحيانًا يفكر في دخول مجالس العزاء حين تخلو من الجميع، يجلس على الكرسي ويطلق في الفراغ: أطلق النار على الجموع الغفيرة غير الموجودة/ أرتدي سترة نجاة وأخرج للعدم. ص١٣، لكن ربما كان إطلاق النار هنا تعبيرًا مجازيًا، من النوع الذي يستخدمه الناس العاديون حين يقولون (تم قصف الجبهة بنجاح) بالتلاعب ما بين الجبهة والجبهة، والقصف والقصف، وبالتالي إطلاق النار وإطلاق النار، وما دام الشعراء دأبوا على وصف عيون الفاتنات بالقواتل والفواتك وراميات السهام فيمكننا تبعًا لذلك أن نصنف النظرة القديمة، لو كان لدينا مكتبة أشياء، في باب الأسلحة،: أريد أن أدخل المقبرة ومعي كلاشنكوف، أو إيفن، أو شوزن، أو صكم في الأقل، أو نظرة قديمة، وأرشكم في قبوركم جميعًا. ص١٣ لكن ما يضير الميت إن مات أكثر أو أقل؟! لذلك نجده يواصل: أريد أن أمسك سكيناً/ وأتبع كل الذين ماتوا/ وأقص بهدوء رويدًا رويدًا وببالغ الدقة، في صمت الليل/ كل أسلاك وغصون ارتباطهم بهنا. ص٣٦، هكذا مهما بدت تلك الرغبة ملحة فإنها ليست أكثر من التأكد الموثق من أن الموتى ماتوا، التيقن من موت الموتى، لا أكثر، إذن هو إرهاب موجّه ضد الموتى لا ضدنا نحن، إلا إذا كنا غير متأكدين ما إذا كنا أحياء أو موتى؟!

كان بداخلي حيوان مفترس/ يمضغكم جميعاً/ مؤخرًا لا أراكم في غابتي/ لقد قضيت عليكم/ وإن صادفت أحدكم فلا شهية لي. ص٣٨

لقد تم الأمر، بهدوء وببالغ الدقة.

 

٣.

المقابر محور تفكيره، لديه مقترحات للمقابر: تبنى فوقها بنايات، يكون طابقها الأرضي للمقبرة والطوابق العليا مؤجرة، للأحياء طبعًا، نوعٌ من الاستثمار العقاري لإنعاش سوق العقارات الراكد، بعد الأزمات، حل اقتصادي ورخيص التكلفة، أراضي المقابر واسعة وهي على الشوارع العامة، كنز رأسمالي مهمل، فلم لا يستثمر: كثير من المقابر في عمان على الشارع العام/ يمكن استغلالها بجسر أو طابق أرضي/ وإنشاء مبنى ممتد أو أكثر فوقها/ وتؤجر/ دون المساس بالقبور طبعاً/ وحين يسألونك عن عنوانك/ قل لهم فوق المقبرة/ بالتالي جمعت بين الحياتين/ ولا تفرق لديك كثيرًا أي منقلب ستنقلب بعد ذلك. ص٢٧

وهذا صادق وجدي لأنه يؤكده مرة أخرى بعرض آخر: لماذا لا تقام تحت كل بناية جديدة مقبرة؟/ الطابق الأرضي للقبور الجاهزة/ والأول لمواقف السيارات/ وبالتالي ضمن المستأجر الحياة والموت والبعث. ص٤٨

 

٤.

ما الذي يدرينا إن كان وليد الشعيلي الذي كان يسأل عنه عزرائيل ميتاً الآن أم حيا؟ هل من فرق كبير بين الاثنين؟ ما يدرينا نحن الذين لم نجرب غير واحد؟ هل من أحد جرب الموت؟ فعلام هذه الضجة الكبرى؟ : يموت الإنسان في النهاية/ بالله عليكم فيم كل هذه الصدعة؟ ص٢٩ فمن يعيش الموت يعيشه حتى هنا، يفكر فيه، لكن اللعبة مرآوية، حين تكون هنا في الحياة تفكر بالموت وحين تكون هناك في الموت تفكر في الحياة، أهذا هو الضجيج العكسي: كل يوم أتخيل سيناريوهات عاطفية لما بعد موتي/ ..حتى في الموت بحث عن الفرد وعما سيقال بعدنا/ وأننا نضيء نوافذ الليل في غيابنا، رغم أنه لو بني تمثال لنا فهذا لا يفيدنا أبداً ولا يفيد عودتنا./ ياه منذ متى وأنا أمارس ضجيجًا عكسيًا؟ ص٢٩ فتبدو اللعبة مقلوبة، لكن ما الجدوى حينها: حتى بعد الموت ثمة أمنيات/ لكن لا أعلم ما جدواها بعد ذلك؟ ص٣٣ ما الجدوى إذا كانت الحياة تبدو مثل فيلم مشوق، لأنه عنك، وتنتظر نهايته: لا أستطيع التكهن في أي شارع سألتقي بي.. ستندلق حياتي وأحلامي وقصائدي/ لا أعرف تحت أو فوق أي سطح/ في الليل أو النهار/ جملة أو سطر/ سأنتهي. ص٤٦

 

٥.

كيف تتأكد أنك فعلاً في هذه الضفة من النهر ولست في تلك الضفة؟ وكيف تجعل نفسك هنا دون أن تفكر بما هناك؟ : تأوي إلى فراشك لتغرق في دمك/ والجناة ليس لهم أي أثر. ص٤٠ إذا كان كل صباح ضربة موت: كل صباح حين أستيقظ أشعر أنني في حادث ص٣٩ والنجاة من الحادث في حد ذاتها معضلة: أحزن كثيرًا حين يعمل أحدهم حادثًا ولا يموت/ ترى من أي ثغرة قادمة سيموت؟ ص٧٠ فلا بد من الموت في النهاية: داخلي وطن من ليمون وأغان/  وسيموت في أي مكان. ص٣٤.

هل على المرء أن يقدم موته، أو يتقدم نحو موته، إنما: منتهى العدم الآن/ لكن أيضًا إلى أين سأمضي/ فلا معنى أيضًا من العالم الآخر. ص٦٦، مع كل ذلك إذًا ما الدليل فعلاً على موتنا أو حياتنا؟ نقرأ في نص فيلم السهرة:

خصوصية السحر لدينا/ يعني الأكل وليس تنكيل الحال/ يجدونك ميتًا، ويظنون أن هذا ليس جسدك/ بل سحروا الأعين أيضًا/ وذلك كي يأخذك قريبك الساحر/ الذي لم تتوصل لمعرفته/ إلى أصحابه السحرة ليلا، لتكون وجبة السهرة/ أو فيلم السهرة،/ هذا الهاجس طاعوننا المحلي/ لدرجة أن البعض نومهم يقل/ بالتالي فالعبودية أشكال وألوان/ وهذا ملخص عمر كامل أحيانًا/ ولا أعرف متى سنبدأ العيش. ص٦٩

إذا كان هذا السؤال عن بداية العيش مطروحًا فلا شك أن اليقين مفقود هو الآخر، في أن غصون وأسلاك الأحياء مقطوعة بالموتى، وبذلك فإن الشك قائم في كل شيء حي أنه ميت، بما في ذلك هذه الكتابة.

 

٦.

هل تموت الكتابة، هل يمكن الانسحاب منها بمساعدة القراء، هل يمكن أن يساعد القارئ كاتبه: ساعدوني على الانسحاب منكم ومن الكتابة/ من كل شيء/ ما جدوى كل هذا النزف واللقاءات/ وانسكاب الحياة في الأمكنة/ ساعدوني قبل أن تذوب الغرفة في البحر/ قبل نباح النجوم فوق السرير/ رغم أنه لا معنى للعدم إلا وسطكم. ص١٨، ١٩.

هي عدم إذن لكنه عدم يكتسب معنى وجوديًا وسط قرائه، لكن ذلك المعنى قاس قسوة الزمن نفسه، فلماذا لا تموت الكتابة مع كاتبها وتدفن معه؟ :

ما الذي أفعله بنفسي؟ أكتب كي يراني الآخرون، أو أراني في عيونهم/ ما كل هذه القسوة التي أمارسها علي؟/ ما الذي أفعله بداخلي من أجل أن أقول انظروا لي/ أنا موجود أيضًا وأقول ما لدي؟/ ما جدوى هذا يا الليل والنهار؟ ص٢٨

السؤال عن الجدوى يوجه للزمن، فهل يملك الزمن الجدوى، أم هو الذي يصنعها؟ هل الجدوى هي المراد والغاية من الحياة؟ بعد قليل يقتبس من كلام التبريزي عن السكينة التي تأتي من انتفاء الرغبة في كسب الآخرين وإرضائهم أو إثبات أي شيء لهم ص٣٠.

ما هذه الكتابة التي لا تموت: كل ليلة أعلن لنفسي/ أنني سأتوقف عن الكتابة/ لكني أخشى إن توقفت أن أعود لي/ وأرمي بالأحذية نوافذ كل الذين استغبوني في حياتي/ وأنا للآن غير مهتم بذلك أبداً. ص٣٢ الفعل الأحمق والغبي أمام من يتهمك بالغباء جدار حاجز، أو سد، خشية تحرس عادة يومية، حارس خوف. لكن الكاتب يشتكي حتى من كتابه: ما فائدة إصدار مثل هذا الكتاب؟/ هل لأعجب الآخرين؟/ وما فائدة ذلك لشخص هارب من كل العلاقات ومنزو؟/ وما ستجني حين يتأثر الآخرون؟/ وهل هذا يخدم قضية الخلود؟/ ما جدوى كتاب بعد موتك؟ ص٣٩ لحظة نادرة من مواجهة الكاتب لنفسه، بالسؤال عن الجدوى كحجة للتحدي، لرمي الأحذية في وجه الكاتب، لكن لا نسمع من الطرف الآخر أي استجابة، لا جواب هناك، لماذا؟ ألأن الكاتب ميت؟ إذن من هذا الرجل الذي يكتب؟ أهو ظله، شبحه؟ أين هو إذًا؟ أما هو نفسه فيدعي أن الكاتب لا يقطن هذا الحي.

 

٧.

هناك صوت آخر في العمل، لعله نفس وليد الشعيلي الذي يلاحقه عزرائيل وأحد أصدقائه، لماذا يلاحقونه؟ من الذي بمقدوره رؤية الموتى أحياء من فوق السطح: ركبت سطحًا مطلاً على مقبرة/ كل ميت بخزانة ملابس جديدة من بابين/ وصرة بها مشط وفرشاة أسنان ومعجون/ ..رأيت ميتًا ضجرًا يطالب بسجائر وواي فاي وشاحن هاتف/ حين انتهت الفسحة. ص٢٤ هل نتعرف هذا الميت؟ هل هو نفسه هذا: أرى العالم من الهاتف والواتساب و”جروباته”/ أصبحت هاتفًا وبريدًا الكترونيًا مؤخراً. ص٥٢ هل هو نفسه الذي يشتكي من حياته الهاتفية: سأصاب بالجنون بعد تحولي لهاتف، رغم عدم جدوى كل هذا، لكن ماذا أفعل؟/ وماذا فاعل بنفسي أنا؟ كتبي وأقلامي/ وعالمي أصبح في الهاتف.. ماذا أفعل بنفسي؟/ شحن الهاتف أحيانًا يضعف/ لكن أنا ماذا يوقفني؟ ص٥٨ هذه الحياة الهاتفية الخبيرة، التي تطلب على الدوام شبكة واي فاي تصب حياتها فيها: يمكنك الآن وضع فيديو في حالتك الواتسابية/ لثلاثين ثانية فقط/ لتكتشف يومًا أن نصف حياتك هنا. ص٦٦ وتسبقها شكوى وشكر ممتزجان: تقنية الواتساب جيدة لحياة الكثيرين/ لكنها متعبة لحياة الكثيرين أيضا.

إنها علاقة قديمة لا تزال “قيد التسليم” هي وأحلامها: لا تزال أحلامي “قيد التسليم”/ كرسائل النوكيا القديمة. ص١٠.

هل نرى أحدًا نعرفه، هل نرى أنفسنا، ذواتنا، ومجتمعنا، الغارق هناك خلف الشاشة، ما الفرق بين الحياة والموت إذا كان الدفن واحدًا في الحالين، ما الفرق في العيش في طوابق بناية المقبرة أو تحتها إذا كانت الحالة واحدة؟

 

٨.

للموتى بلا شك نظرة أخرى للأشياء، لأنهم في الضفة الأخرى، هكذا ينظرون للعلاقات الاجتماعية على أنها فيروسات: العلاقات مثل فيروس فدية/ تظل خائفًا أن تفتح نوافذ قلبك/ فيتم استلاب أيامك. ص٤٠ وينظرون للسفر على أنه تذكار يتم: من فوائد السفر/ أن تعرف أنك يتيم في كل مكان. ص١٠

يرون الأشجار لا ترتوي بالماء بل: لا ترتوي الأشجار بالماء بل بالنظر إليها. ص٥٤ ويرون الجميلات والقبيحات متحدات: كلكن جميلات/ وكلكن قبيحات. ص٤٤ ترتديهم الثياب مهما خلعوها: أرتدي دشداشة وعمامة طول الوقت/ حتى حين أكون دون ملابس. ص٤١

إن تجريد العنوان (على طابوقة ينتظر موعدًا) على كثرة الدلالات التي يمكن استلهامها منه، يأخذنا في نصوصه نحو الموت، الموت الذي تمثله الحياة الهاتفية، في مؤشر دال على التحول الاجتماعي الراهن، شيء يشترك فيه وليد الشعيلي مع كثرة متكاثرة من الفنانين حول العالم، في التنبيه إلى هذا الغياب الطاغي الذي بدأ يؤثر على المجتمع، ويحوله إلى مجتمع شاشات، مغايبة كهربائيين، العالم الفرانكشتايني إذا استلهمنا نبوءة ماري شِلي.

 

 

0 232 20 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, حداء الروح نوفمبر 20, 2018