الذات الضائعة ومجتمع السقوط

لـ

 

تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية…”هيجل”

 

 

بدأ (ديكارت) تأملاته متذرعًا بالشك لئلا يضل، فانتهى إلى حقيقة ثابتة لا يمكن الشك فيها بأن الذات موجودة ما دامت تفكر، تشك، تعقل. بيد أن هذا الوجود لا يعدو كونه وجودًا فيزيقيًا مقتصرًا على أداء الإنسان وظائف طبيعية حياتية، مقيمًا علاقات مع أقرانه الذين يقومون بالدور نفسه؛ بينما يظل الوجود بالنسبة لـ(سارتر) مرتهنًا بسعي الذات لأن تتحقق · إذ إن الإنسان يوجد أولًا غير محدد بصفة، ثم يُلقي بنفسه في المستقبل، وذلك بالأفعال التي يؤديها؛ ولهذا فإن الإنسان مشروعٌ وتصميمٌ يحيا حياة ذاتية، ولا شيء يوجد قبل هذا المشروع؛ بل الإنسان هو الذي يصمم ذاك المشروع، ومن ثمَّ فإنه مسؤول بالضرورة عما يكون عليه، فكل إنسان يحمل المسؤولية الكاملة عن وجوده.([1]) ما لخصه سارتر بعبارة “الوجود يسبق الماهية”

 

هذه المسافة الفاصلة بين الوجود والماهية لا تتطلب فقط توافر جوٍ من الحرية بحيث تكون الذات حرة فحسب؛ بل تكون هي الحرية عينها. ومن ثمَّ فأي قدر من القمع والقسر وغياب الحرية سيعرقل بالضرورة تحقق الذات، كذات فاعلة في المجتمع، بل أيضاً يعرقل المجتمع نفسه عن تحقيق غاياته باعتبار المجتمع مجموع ذوات متفاعلة. تتعد أسباب هذا الانحراف في مسار التحقق، فمنها الأنا، الآخر، والمجتمع، والسوق وما إلى آخره.

 

تلتقي الذات إبان هذه المسافة الزمكانية بين الوجود والماهية بنظرائها فتتجلى بذلك جدلية (الأنا/الآخر) تنخرط الأنا (الذات) في جدال مع (الآخر) ضمن نمط تواصلي فاعل، تكون محصلة هذا النمط إيجابية في حالة أن اتسمت الآنا والآخر بالتماثل. بينما يكون هذا الآخر المنحرف على الدوام، ربما المارق، الكافر، وإلى آخره من التهم العتيقة، فقط إذا كانت المحصلة سلبية؛ ألا فاقتلوه أو اصلبوه أو نالوا منه ومن عرضه وهذا أضعف الإيمان. يمارس هذا الأنا سلطاته في التكفير التأثيم ليس فقط كطعن في التدين والإيمان والثقافة؛ إنما في المجال السياسي أيضًا فينزع الوطنية عن هذا وتلصق الخيانة والعمالة بهذا؛ فقط لأنه آخر؛ لأنه لا يشبهني، لا يقبل وجهات نظري كليةً. وكأن كونه آخر تهمة كافية لينزل عليه وابل من الشتائم واللعنات والتخوين والتكفير والتأثيم. أما لو أدرك كل منا أنه واحد أو فصيل؟ أو لو أدركنا جميعاً أنَّا لا نمثل أي كل؟! أثق بأنها ستكون الانفراجة الكبرى والأساسية في كل أفق حواري أو نقاشي بشكل عمومي جداً. كما أثق بأن استمرار هذا هو ما يجعل الأفق منسدًا بل ومصادرًا بشكل دؤوب أمام الذات يعرقل تطورها ويمنع انسجامها مع أقرانها.

 

إلى جانب هذه الجدلية الدراماتيكية المستمرة، تلتقي الذات في رحلة تحققها بآخر أكثر ضراوة؛ ثالوث قديم في الزمن: الفقر، الجهل، المرض. هذا الظرف المجتمعي الذي تضيع فيه الإمكانات والقدرات، وكذلك التنافس، فعندما تسيطر براثن هذا الثالوث على مجتمع بعينه، دون محاولات جادة للخلاص، يتداعى المجتمع ويرجع القهقرى، يهوي الأفراد فيه من طبقتهم الاجتماعية تباعا، تنزوي الحرية إلى حد التلاشي. وبذلك تتعرقل رحلة الذات في التحقق، ويصبح الأمل عبثاً، والهدف ضرباً من اليوتوبيا، بينما تصبح الذات نفسها ذاتا ضائعة مشتتة بين ماضٍ عامر بالأمنيات ومستقبل موحش، ومعدل عمري قصير.

 

تلك الجماهير الضائعة، بفعل ضياع نواتها (الذات)، تتحول بفعل التراكم إلى كتلة صلبة صماء منزوعة الإرادة، خافتة التأثير؛ ومن ثم يكون مبررًا جدًا أن تطل الديكتاتورية كضيف غير مرغوب فيه من نافذة هذا الكوخ الخرب. ما يزيد الذات توترًا وتوحشا فريدًا فتتخذ القتل وجهة، والتعصب سبيلاً بشكل لا شعوري محاولةً بذلك رفض هذا الواقع ولكن بطريقة عكسية مصوبة ضد نفسها وكذلك أقرانها، عوضا عن محاولة إحداث تغيير يكفل للجميع الحق في الحياة، في الحرية، في المساواة والعدل.

 

تتم مخاطبة حس الجماهير بخطابات عاطفية لا تزيد الحال إلا بؤساً ولا تحرك ساكناً إلا ذاك النيّر، الذي تم تثبيته على كاهل الفرد مسبقاً، ليصبح أكثر ثباتاً. الله يريد بك هذا! الوطن بحاجة لتضحياتك! وما إلى آخره من هذه الادعاءات التي تسرق وعي الجمهور، وتفقدهم إدراكهم بما يجب أن يكون، وهناك واقعتان تاريخيتان تشهدان على تلك الخطابات الزائفة، يذكر إحداهما ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، عندما ضرب الجذام أوربا، إذ يقول: “يقول قداس في كنيسة فيينا؛ يا صديقي إنه ليرضي الله أن تكون مصابا بهذا المرض، وإنها لعناية منه أن يعذبك على الشرور التي ارتكبتها في هذا العالم. وفي اللحظة ذاتها يُلقي الراهب ومساعدوه بالمريض إلى خارج الكنيسة، بعد أن يتم اقناعه أنه بذلك يشهد على وجود الله. ويقال له: ومع أنك تُقصى الآن من الكنيسة وتُستَبعَد من جوار القديسين، فإنك مازلت تحت رعاية الله.”([2]) أما الواقعة الثانية فهي عبارة عن أسطورة لاتينية شهيرة عن المَعِدة والأطراف؛ تلك التي وظفها نبلاء روما لتبرير امتيازاتهم في أعين الجمهور بأن مصلحة الأطراف تقتضي بأن تكدح لإطعام المعدة. لأن الأطراف المستندة لمعدة فارغة سوف تذبل –لامحالة- في وقت قريب.([3])

 

إن غياب الحرية وحضور التعصب ونبذ الآخر، جنباً إلى جنب مع ذاك الثالوث المريع، يجعل الذات حبيسة، ضائعة، ومتوترة، وتتسرب تلك السمات من الذات إلى مجموعها، مشكّلة ما نسميه بمجتمع السقوط، بحيث تهوي الذات فيه إلى غياهب الجهل والتعصب، بلا أدنى قدرة على التغيير وصناعة واقع جديد.

 

 

 

 

 

 

______________________________

  • انظر؛ ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى، سارتر: الوجود والعدم بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية.

[1] عبد الرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، صـ262

[2] ميشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكيلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006م، صـ26.

)[3]( Samuel Freeman : The Cambridge Companion To Rawls Cambridge.  University Press 2003. P. 199.

0 125 25 نوفمبر, 2018 الأول بعد المئة, العدد الأخير, حداء الروح نوفمبر 25, 2018