عين الميزان

لـ

 

قراءة في كتاب: الرواية العمانية في ميزان النقد الثقافي (تفريق المنضود وتفكيك المفروض)

تأليف: خالد البلوشي

نشر: الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ومسعى للنشر ٢٠١٨م

 

 

 

من يقرأ هذا الكتاب النقدي يكتشف حقًا أن العمل النقدي مسألة صدق لا تحتمل المساومة، ولا التهاون، ولا المحاباة بطبيعة الحال؛ لذلك قد يرى القارئ أن النقد جاء حادًا في أحيان كثيرة، لكن يمكن قبول الصرامة ما دام الدافع الحقيقي جليًا، وهو في النهاية خدمة الثقافة العمانية عمومًا، بتجاربها الحالية، أو المستقبلية، لكن قد تكون الصرامة جافية ومجحفة في بعض الأحايين، حتى لربما يخرج قارئ الكتاب أول مرة باستنتاج مفاده أن الناقد لا يعجبه شيء، وبين الروايات التي تناولها لا توجد رواية واحدة لم يجد بها عيبًا أو نقصًا، لكن أليس ذلك هو دور النقد؟

 

يضعنا النقد أمام لحظة مفصلية، فعليه أن يحسم، وأن لا يترك مجالاً للشك والتراخي، وأسلوب النقد الذي اختاره الناقد هنا كان أكثر التزامًا بذلك كما يشير لذلك الكاتب برؤيته للغة: من رأى هذا رأى اللغة لا قناة تواصل محايدة وإنما تصالحًا وتصارعًا، تعاونًا وتنافسًا، تدافعًا وتشاكسًا، أثرًا وتأثيرًا، دافعًا وإفرازًا. ص٥٣ وإذا كنا ننطلق في قراءتنا بحثًا عن الموضوعية فإن الناقد يعفينا سلفًا من ذلك: أنا لا أزعم الموضوعية ولا العلمية المطلقة، فصنعي لمعانيّ ليس بمفصول عن سياقي وسعيي، أو قل عن سياستي للإسهام في بناء مجتمع مقدار بعده عن اليقين المطلق الضحل المقصي مقدار قربه إلى فكر نسبي صحي حاضن للمختلف المتنوع، رأيًا، وفكرًا، وسلوكا. ص٥٤

 

إن اللغة ليست وسيلة تواصل محايدة، بل هي خلق مستمر، وتحد ماثل: إن النقد الثقافي ينطلق من أطروحة أن الفرد منا إذا فكر ثانية في المعروض أمامه من خيارات تحدّى، وإذا تردد في حسم أمره تحدّى، وإن رغب في الممنوع تحدّى، وإن مال إلى الفاتن الجاذب تحدّى. ص٤٥ وذلك من منطلق يؤصل له الكاتب بضرورة التصنيف مهما كان الواقع نسبيًا، وإلا: كما يقول عالم النفس الأمريكي ويليم جيمس، لا يكون عالمنا دون التصنيف إلا “اضطرابًا طنّانًا رنّانًا” ص٤٤ لكنه نقد يعي غايته وسعيه: هذا السعي ينطوي على توق لعالم بديل عن ذلك القائم اجتماعيًا، سياسة النقد الثقافي احتفاؤه بهذا السعي، وتبنيه لهذا التوق. الهامش ص٤٥ ولعل هذا هو البناء النقدي الذي يتوخاه الناقد، لكنه يعلن اكتفاءه من هذا العالم ورغبته في عالم بديل، وهذا مما يلفت الانتباه، حتى نجده يتوسع في ذكر هذا العالم البديل نهاية الكتاب في معرض التأكيد مجددًا على انحياز نقده بقوله عن هذا النقد الثقافي ص١٨٩: لا يدعي الحيادية، بل لا يتورع عن جهره بميله وانحيازه.. أملاً في عالم بديل أكثر وعيًا بنفسه صانعًا ومصنوعًا، بانيًا ومبنيًّا.

 

هكذا يلج النقد خضم الأعمال الروائية العمانية متسلحاً بنظرياته وأدواته لكنه ينبه قارئه: إن نقدي للرواية العمانية في البابين الأول والثاني لن يكون مفتاحاً لما غلق، ولا اكتشافاً لما كان في بطون أصحابها، ولا دليلاً على ما كانوا ينوون بثه من ثيمات، ولا فكاً لشفرات أودعوها في أعمالهم، وإنما هو ممارسة وبناء وخلق يتأسس على تأويلي للواقع وللأعمال المحال إليها. ص٥٣ بهذه الفقرة يدفع الكاتب القارئ دفعاً مصمماً كي يقيس عمله النقدي اللاحق بناء على قياساته المعلنة سلفاً ويحاكمها من ثمّ، ولو جزئياً، على مدى نجاحها وإخفاقها في ذلك. وهو ما سيعود لتأكيده صراحة نهاية الكتاب فيدعو إلى مساءلة قوله ونقده الذي: ليس مما ترفع بعده الأقلام وتجف الصحف،.. من هنا الحاجة والدعوة إلى قول آخر يسائل قولي. ص١٨٩

 

إحدى الفقرات اللافتة في بداية الكتاب لي كقارئ، وهي كثيرة دون شك، كانت ص٣٥ حين عرج الناقد، خارجاً نوعاً ما عن موضوعه، ليورد، في إطار تأثير الحكم السائد، حكمه على المتنبي بمنظور القرن العشرين في هجائه لكافور الإخشيدي بالأبيات الشهيرة: لا تشتري العبد.. إلخ فيرى الناقد تلك الأبيات: فيها ما فيها من عنصرية بغيضة، وبخس للإنسان حقه. ص٣٦ ويعد الاحتفاء بها وصاحبها تواطؤًا بمنظور من لا يرى فكاكًا بين البهاء الفني والجمال الإنساني: إن رأينا ذلك جاز لنا، بل وجب علينا، أن نقول إن احتفاءنا بالأبيات يُعد تواطؤًا معها ومع قائلها، وعليه دعمًا وتعزيزًا، بما خفي من السبل، للتراتب والتمييز. ص٣٧ لكن قبل أن نشرع في الشجب التاريخي بناءً على فهم معاصر، يخص القرن العشرين، هل لنا أن نتأمل أننا لو حاولنا تعميم ذلك على القرون قبلنا سنجد أنفسنا نطلق حكماً متعسفاً على كل الحضارات بدءًا من الحضارة الفرعونية وانتهاءً بالعربية الإسلامية، مرورًا بالإغريقية التي فرقت بين الإغريقي وغيره، والثقافة الهندية البراهمية بمنبوذيها، في حين أن فهمنا الواسع لتسمية العبد يحيل إلى العبودية كحالة لا تخص نسبًا وجنسًا ولونًا، يمكن سحبها مجازًا، إن لم نرها واقعًا، حتى على العصر الحديث باعتبار الرأسمالية أسست نوعًا (جديدًا) من العبودية، كذلك فهم الحر يعود إلى الحرية كحالة لا كنسب وجنس ولون، وإلا فإننا نستطيع بذلك أن نحاكم حتى الكتابات التأسيسية المعاصرة ككتابات نيتشه مثلاً بأنها عنصرية إذ تتحدث عن أخلاق العبيد وانتقاص المرأة.

 

يشرع الكتاب في مهمته انطلاقاً من نقد النقد العماني، ويراه إما احتفاء أو تأبينا، مستدلاً على ذلك بكتابين هما (عبيد العماني حيا) و(عالم علي المعمري السردي)، مع أن العملين كانا فعلاً احتفاء بالأول وتأبيناً للثاني، لكن نجد الناقد يتفنن في إسقاط ما كتب فيهما، متناسياً مبعثهما ودافعهما، مصمماً على اعتبار ما جاء فيهما من النصوص نقدًا يستحق من ثمّ النقد، ويتشدد في ذلك تشددًا، ليصل إلى خلاصته: يظهر لنا من كل ذلك أن ثمة حاجة ماسة إلى نقد منظر له تنظيرًا راسخًا لتحليل الرواية العمانية. ص٢١ مع أن الحاجة الماسة للنقد ثابتة سلفًا ولا حاجة به إلى هدم أي عمل آخر، لا يدعي النقد، لإثباته كما حدث. فوقع في نظرنا بذلك فيما انتقد فيه منهج الغذامي من قبل ص٤٦ وما بعدها.

يشرع الكتاب في نقد بعض الروايات العمانية، خاصة الباب الأول المكون من أربعة فصول، في الثلاثة الأولى منها نجده يكشف عن أحادية المثقف الكاتب، فصفة الثقافي الملازمة للنقد في العنوان إنما مرادها نقد الثقافة وبالتالي حاملها، وهو ما يقود بالتالي عكسياً من العمل باتجاه العامل أي الكاتب الروائي، وبالتالي نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام المثقف، الكائن الهلامي كما يصفه في موضع آخر، لكنه في هذا النقد يكشف فعلاً عن أحادية النظرة التي تعتور أعمال الروائيين العمانيين، فيما تناوله الكتاب على الأقل، وما مبلغ تأثير ذلك على النتاج الروائي العماني، وذلك كشف سابر ضروري كان لا بد منه ومن مواجهته، ولو متأخرا.

 

لكن ما إن يصل القارئ الفصل الرابع ص١٢١ حتى يتعثر؛ ذلك أن النقد يقسر التشبيه قسرًا بين روايتي الروحاني لمحمود الرحبي ط١ ٢٠١٣م والأبناء والعشاق لدَيفِد لُرنس المنشورة قبلها بقرن ط١ ١٩١٣، مع أن الناقد يؤكد في الاستنتاج عكس ذلك حين يصف الأبناء والعشاق بأن منتهاها أشمل من منطلقها ص١٣٤ والروحاني بالعكس، ومرد التشابه بين العملين كما يبينه الناقد هو في علاقة سعيد الروحاني الملتبسة مع أمه وأن في حياته امرأتان ريم وكرمة، ومثلها علاقة بول بطل الأبناء والعشاق وفي حياته امرأتان مريم وكلارا ص١٣٠ ثم يعلق: هذا التشابه الصريح يخفي أوجه اختلاف عدة بين العملين بشأن خلفية ميل الأم والابن لبعضهما، وطبيعة التعبير عن ذلك الميل، ومقدار حضور الجسد فيه. فلا يدري القارئ بعدها ما الداعي إذًا لزج رواية الروحاني مع رواية الأبناء والعشاق وإقحام الفرويدية في الأمر كله؟!

 

هذا يقودنا لتساؤل قرائي: إلى أي حد يجوز للنقد الثقافي أن يخرج من نقد النص لنقد كاتبه؟ مثل عناوين فصول الباب الأول عمومًا التي تخص الروائي لا روايته (المثقف المثالي الثائر، الفحل الحنق الهائج، الساخط على الذكوري) فإذا أجزنا ذلك بأنه من باب نقد الثقافة وبالتالي حاملها، فإننا نجد عنوان هذا الفصل: الرابع (العارف بالآداب والمطلع على علوم النفس) وهو الروائي الذي يكتب: شخصية يؤطرها كاتبها بعلوم النفس وينسجها على منوال آداب عالمية، فكان في تأطيره ونسجه محكوماً بقدر علمه بهذه وتمكنه من هذه. ص١٢١ ليبلغ في النهاية استنتاجه: منطلق “فراشات الروحاني” أشمل من منتهاها، فالنفس فيها خط من الشعور والتفكير والسلوك، إذا انحرف عن مساره آل في النهاية إلى مبدئه، فراسمه يمتلك لوناً واحداً، (أو قل فرويداً واحداً مقدار عمقه مبلغ فهمه له) عليه إن فسّرت الرواية بفرويد كان ذلك اختزالاً له. ص١٣٤ والمراد اختزالا لفرويد! فما أدرى الناقد بمبلغ عمق فهم الروائي لفرويد؟ وكيف يجيز النقد قول ذلك؟! ثم يثنّي بقوله إن هذه الرواية من روايات الكاتب المثقف الذي : يعرض عليك ما جنى من إلمام محدود بالأدب والنفس (فراشات الروحاني) ص١٣٥.

 

وعد الناقد القارئ من قبل أن نقده الثقافي: لن يكون مفتاحاً لما غلق، ولا اكتشافاً لما كان في بطون أصحابها، ولا دليلاً على ما كانوا ينوون بثه من ثيمات، ولا فكاً لشفرات أودعوها في أعمالهم. لكن يجد القارئ أن الباب الأول يحتوي ذلك كله، فيقفز قفزاً من العمل ليسائل ثقافة كاتبها مطلقاً الأوصاف على كاتبه الروائي: نسق يتجسد في أن وراء كل رواية كاتباً له فروض واضحة بشأن الوطن والثقافة والثورة، يُنطق بها شخصياته، فيعلو عليها صوتًا: صوتُ المثقف، القارئ النهم، الثائر على الأوضاع (الفصل الأول) الفحل الحاسم الحازم في رؤاه للوطن والثورة (الفصل الثاني)، وصوتُ معارض الخطاب الذكوري (الفصل الثالث)، وصوتُ المطلع على العلوم والآداب المختلفة (الفصل الرابع) ص٥٥ لكنه يقف هناك عند ذلك الحد الشخصي ولا يذهب أبعد من ذلك، كأنه بلغ مراده بذلك، فيما نظن أن غاية النقد الثقافي هي كشف المفاعلات الثقافية والكشف عن ملامح الفضاء الثقافي الذي أنتج هذا النسق من الروايات، للعثور على المؤثرات الثقافية التي تخترق أعمال الروائيين وغيرهم وتنعكس من ثمَّ على مجمل المستوى الفني والثقافي.

لكن القارئ لا يعثر على ما هو أبعد من حدود إطلاق الأحكام والأوصاف على الروائيين والكتاب وتقف عندها، مثل:

رأيي أن وراء هذا الراوي وهذه المعلومات كاتبًا يعد نفسه مثقفًا، وفي نظره قدر غير قليل من الرومانسية الحالمة للماضي والوطن. ص٦٢ في معرض نقد رواية همس الجسور لعلي المعمري، ويسحب الناقد كلامه على رواية بن سولع كذلك ص٦٣.

والكاتب يأتي لنا بشخصيات أقرب إلى اسطوانات مسطحة جهزت على قد المقاسات المرسومة في ذهنه ص٦٦ في نقد رواية الوافد  لأحمد الرحبي، ولا يدري القارئ من أين وكيف حصل النقد على المقاسات المرسومة في ذهن الكاتب؟!

بالقراءة يدرك القارئ أن هذا النقد لا يتجاوز الكاتب من رؤيته للعمل، ومن ثمّ لا يتجاوز العمل نحو الثقافة التي تقف خلفه، فكل ما في العمل من شخصيات هي مجرد دمى  يلعب بها الكاتب: لا يقف الكاتب عند هذا، إذ يوسع دائرة إدانته لتشمل البلد والمجتمع، فيوجه نقده له عبر سائق أجرة نكد، متجهم الوجه. ص٦٧ رواية عودة الثائر؛ وفي نقد حفلة الموت لفاطمة الشيدي: الراوية الشخصية، أمل،.. وأحمد، ليسا شخصيتين بقدر ما هما لعبتان ودميتان، وراءهما كاتب أتاك نتاجه أقرب إلى سيلان مداد كان مبدؤه ومداه لغة واعية بذاتها، ومشدودة إلى نفسها زينة وزخرفة منه إلى فكر نافذ وشعور سابر. ص٧٥

مثلما نجد بعض الأحكام المرتدة الملتبسة: القول الأدق تلخيصًا والأقرب توصيفًا لأثر الرواية هو أن ما صدر من الذهن ورد عليه…. مجردًا من اللحم والدم، خلوًا مما يكون له محل في القلب، مبلغ أثر كلامه فيك أن يشتغل به عقلك أو تشغله به. ص٧٢ في معرض نقد رواية حوض الشهوات لمحمد اليحيائي.

 

وهكذا يأتي حكمه على أعمال أحمد الزبيدي وسالم آل توية: الجامع للكاتبين اللذين ناقشتهما هنا وكتاب الفصل السابق احتكار المعنى، فحالهم جميعاً أنهم إن جالوا في الدفاع عن الوطن والثورة كانوا جائلين في الدفاع عن تأويلهم لهذا وهذه. إلا أنهما يختلفان عنهم في أنهما، كما أوضحت، أشد ضجيجاً وأحدّ جلجلة منهم، فلغتهما غير بعيدة عن لغة أصولي “ديني” يرى فئته مؤمنين والآخرين كفاراً، وأصولي قومي يرى قومه خير أمة والآخرين شرهم، أصولي حزبي يرى حزبه حزب الله وحزب غيره حزب الشيطان. ص١٠٥.

وعن رواية التي تعد السلالم لهدى حمد: الكاتب يحارب النمطية بالتنميط، محصلة هذه المفارقة أنك يأتيك قلب أمل، شعورًا وإحساسًا، أنأى عنك من فكر كاتبها، اتجاهًا وموقفًا. ص١١١

 

هكذا نجد حصيلة الباب الأول أو مخرجه كما أسماه الناقد يتابع تقديم أوصاف لكنها ليست للرواية العمانية أو للثقافة التي تنتجها، كما هو عنوان العمل، بل لكاتبيها، ويختم الباب الأول برواية حفلة الموت لفاطمة الشيدي بقوله عن الروائي لا الرواية: من فرط ثقة هذا الكاتب بنفسه أنه يقرن كل ما قيل وحكي بقوله وحكيه، فيراه صغيرًا حقيرًا، فيطير منتشيًا، فيمطر عليك من سمائه وابلاً من الشعر والأدب والتاريخ والجغرافيا، لا يُبطأ ولا يُصد مهما يكن الشعور، حدة ورهافةً، وأينما يكن الحدث، صعوداً ونزولا. ص١٣٦ وفي النهاية: إن كانت من جملة خاتمة جامعة لروايات هذا الباب فهي أن جميعها يقف وراءه، بل فيها، كيان مبلغ خلقه أن يأتي لك بكيانات على شاكلته. ص١٣٦ ويفهم القارئ أن هذا الكيان الذي لم يسمه الناقد هو الكاتب، لكن الكاتب أيضاً ابن كيان له ثقافته المؤثرة التي تنعكس فيه وفيما يكتب وينتج، ومن ثَمّ كان الجهد النقدي يكتمل لو صب الكتاب تركيزه النقدي على مساءلة أنساق وفضاء الثقافة نفسها أكثر من حامليها.

 

في ختام الكتاب: وكان الختام بدءاً ص١٧٣ يظن القارئ أنه بلغ الخلاصة أو الجنى كما مهد الناقد لذلك قبلها: بعد هذا التطواف بالرواية العمانية لعل لنا الآن من الجنى ما ننسج به خطوطًا عامة حولها وحول النقد الثقافي. ص١٧٢ لكننا سنجد أن التحليل يستمر أثناء ذلك لتناول روايتين هما بر الحكمان ليونس الأخزمي وفي الهامش رواية صرخة واحدة لا تكفي لحمود الشكيلي ص١٧٧ من منطلق صورة المثقف، وهي الصورة التي نكتشف أن الكتاب انشغل بها أكثر من صورة الثقافة.

هكذا سنجد صورة المثقف تدخل أخيرًا بلافتة عريضة: “مثقفنا” شأنه غير بعيد.. فوراء انفتاحه البادي كيان شمولي كلياني تأويلاً، فهو قهرمان وطن وثورة كانت سعتهما ضيق تأويله لهما.. على أنه يختلف عنهم في جنوحه إلى العرض، فاختيال هذا الكاتب الفرح بنفسه كياناً أو هذا الشاعر المتلذذ بموته وغيابه، بنفيه وسجنه، في بازاره فيما تزيا به من اسم وعنوان تبختر عارض الأزياء في حلبته فيما ازدان به من ثوب وسروال. ص١٨٧ وبذلك ينهض الاستنتاج: لا عجب أن تجد هذا المثقف غارقاً في لجة جِرّته، وإن ألفيته طافياً كان شادياً محتفياً، .. ينقر على الدف في هذا المحفل وينفخ في الصور في هذا المجمع، ليصنع رمزاً آخر ويعزز صرحاً كان شامخاً في خوائه، وخاوياً في شموخه، فيعظم هذا، وينزله منزلاً فوق منزلنا وزماننا، ويبجل هذا، فينيله نوراً وجمرة.. فكان شأن من عَظّم وعُظّم، وبَجّل وبُجّل شأن طيور وقعت على أشكالها، ففرحت، فترنمت وترتلت، فانتشت، فباض بعضها على رأس بعض، ففرّخت. ص١٨٨ والإشارة هنا، كما هو موضح في الهامش إلى مشروع جائزة الإنجاز الثقافي الذي تتبناه مجموعة نور وبصيرة، وهو مشروع جاد مثابر له رؤاه المختلفة التي من احترام الاختلاف والتنوع احترامها لا تسخيفها والسخرية منها، بأسلوب سبق أن انتقده على غيره (الغذامي) ص٤٦ وأجازه لنفسه، فكل جهد، بما فيها هذا الكتاب، له سياقه وثقافته ومشروعه الذي يمكننا مساءلته ونقده لكن ما نفع السخرية منه أو محاولة قلب مداليل عناوينه رأساً على عقب، فذلك ليس من النقد في شيء، بل هو إلى الهدم أقرب. راجع الهامش ص١٨٨.

 

يستشف القارئ إذا أخذ باستنتاجات الكتاب لمحة عن الثقافة مبنية على الروايات التي تناولها، لا يشذ عنها، حسب الكتاب، غير ثلاث روايات هي مدار الباب الثاني (الوافد لأحمد الرحبي، الباغ لبشرى خلفان، الطواف حيث الجمر لبدرية الشحي)، ومن تلك اللمحة أو زاوية النظر يمكنه التبصر في أثر البنى التقليدية على الثقافة المعاصرة، وذلك الأثر يتجاوز الشكل، فحتى حين تتبنى الثقافة المعاصرة في نتاجها أشكالاً غير تقليدية، كالرواية، تقع من جديد في قبضة أحادية النظرة، أنا والآخر، الصواب والخطأ، الأبيض والأسود، وبذلك تتحول أغلب الأعمال الفنية، الروائية هنا، إلى ركائب تصورات سابقة، محسومة سلفاً، تستخدم العمل الفني لإثبات وجهات نظرها، لا لمساءلة ذواتها، والتأمل في هويتها وثقافتها، بل تقود الخلق الفني قسراً بدل أن تنقاد له، فيبين ضعفها الفني بوضوح جلي، وبذلك تحرم هذه الثقافة من ثّم نفسها من الاكتشافات الكثيرة والإمكانيات الهائلة التي يحملها الفن لمن يرتاده بحرية داخلية تجربة أو تعاطيًا أو استقبالًا، ومن ثَم يخفت أثر تلك الأعمال في الثقافة العامة للمجتمع المحيط، ما دامت أسيرة برؤاها الذاتية سجينة ضيق نظرتها، وكل ذلك يعكس حالة ثقافية عامة، موروثة، لها امتداد تاريخي أقدم، يجعل الأدب والفن عموماً أدوات أيديولوجية يستخدمها الكاتب لخدمة أجندة خاصة بالسلطة التي اختار الوقوف تحت لوائها، إلا فيما ندر، وربما كان ذلك، إذا جاز لنا التنظير، لأن مساءلة الثقافة كانت مساءلة سطحية وغير سابرة، ولم تكتشف بعد أعماق ذاتها، ولم تتعرف بعد على مكوناتها الأساسية ولا تصالحت معها.

 

يأتي عنوان الكتاب عن الرواية العمانية، والعمل جهد يستحق التقدير والاحترام[1]، لكن لا بد من الإشارة إلى أن حسابه يسقط تجارب روائية عديدة، في حدود ما نذكر الآن، منها تجربة الروائي محمد عيد العريمي التي لم ترد لا في المتن ولا الهامش، حسبما قرأنا، وتجربة جوخة الحارثي ما عدا إشارة يتيمة لرواية سيدات القمر في هامش ص١١ مع رواية أيوب شاهين لسالم آل توية بوصفها روايات تعالج الخلفيات الأثنية، ورواية تنقيح المخطوطة لمحمد الحارثي نالت هامشاً ص٦٧، وإذا وردت إشارة خاطفة لأعمال حسين العبري في المتن فإن بعض الأعمال لم يتجاوز الهامش، أو لا نجد لها ذكراً، مثل روايات عبد العزيز الفارسي وسليمان المعمري وروايات محمد سيف الرحبي، مع أنه التفت لكتابه “سرديات عمانية قراءة نقدية” وعده من النقد الجانح إلى الانطباعية والذوقية: كانت مساءلته مساءلة من يؤثر الأزرق على الأخضر. ص٢١ وشارع الفراهيدي لمبارك العامري، وروايات لم يلتفت إليها العمل مثل أعمال وتجربة الروائي خليل خميس التي تجاوزت سبع روايات، والروائي سعود المظفر والروائية غاليه آل سعيد.

____________________________

[1]  راجع مقالة الناقد محمد العباس المنشورة على صفحته بالفيس بوك بتاريخ ٢٨ فبراير ٢٠١٨.

 

0 399 09 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, ثقافة وفكر يناير 9, 2019