ابن علوي إذ يحفّز على النسيان كعلاج سياسي

لـ

   بقصد أو بدونه، وضع وزير الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، في حديثه لبرنامج ” هذه أمريكا والعالم”، إصبعه على الموضع الذي تنبثق منه كل هذه الطاقة المشتعلة، التي أحالت المنطقة إلى بؤرة تتجمع فيها – بقدر غير قليل – عذابات البشرية المعاصرة وآلامها. شعوب المنطقة، ولأجيال متعاقبة، تتجرع كأس المعاناة، وكلما فرغ أعيد ملؤه من جديد ليبلغ درجة الطفح. إنها الذاكرة، التي يصر الجانبان: الفلسطيني والإسرائيلي على استحضارها في كل وقت وكل حين، لتغدو مع الإصرار على تمثلها، العقبة الكأداء التي تطيح بكل مسعى سلمي. من هذه النقطة تحديدًا، كانت نصيحة ابن علوي للعدوين التاريخيين، ووصفته المقترحة بحل مشاكلهما العالقة عبر التخلي عن الماضي، وعدم العودة إليه، والنظر فقط إلى المستقبل؛ بمعنى أن يخضع الطرفان ويدربا نفسيهما على النسيان كعلاج لمشاكلهما السياسية العالقة. إنها وصفة مجربة أثبتت نجاعتها وحققت غايتها في لحظات بالغة القتامة، واستخلصت شعوب وأمم أنه لم يعد من سبيل لتجاوز هذه الحالة إلا بالتحرر من أعباء التاريخ وأحماله الزائدة، والالتزام المتبادل بهذه الوصفة، لتنطلق من ثم في حياتها بقوة ومحبة نحو المستقبل المشترك. هذا هو المعنى الختامي بدلالته المعمقة التي تفهم من كلام الوزير.

ما من شك أن كلام الوزير يحمل في طياته معاني سامية وواقعية في الوقت نفسه. فالعلاج السياسي بالنسيان، أو التناسي، حالة لها شواهد عدة في التاريخ، وهي مسألة كانت مجال بحث فلسفي/ سياسي معمق. ومن أمثلة الأعمال الرائدة في هذا المجال كتاب الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور، الذي استعرض في كتابه ” الذاكرة، التاريخ، النسيان” عددا من التجارب التي انتقلت فيها مجموعات إنسانية، كانت السمة الغالبة في علاقاتها ببعضها، الاقتتال والعنف والاستبعاد. وبعد توافق هذه المجموعات على تنحية العناصر المحفزة على التوتر ووضعها جانبا، وبعد استعراض جملة من الحلول المبتكرة لمظاهر التوتر العالقة منذ عقود، وربما لقرون، تبنت هذه المجموعات، أو الشعوب، فكرة أن الذاكرة المحملة بأثقال وأعباء الماضي، لن تفضي إلا إلى إلحاق المزيد من الأذى والضرر بالجميع. ولعل الاستخدام السياسي الأول وعلى نحو واع وإدراك تام لمغزى وفوائد هاتين المتعارضتين – النسيان والذاكرة – في العمل السياسي، كان في صلح “وستفاليا” أواسط القرن السابع عشر. هذا الصلح الذي أنهى حروبا ونزاعات متعاقبة عصفت بالقارة الأوروبية ثلاثين عاما متتالية، وفي لحظة قررت الفئات الاجتماعية والاقتصادية التي لحق بها وبمصالحها ضرر كبير من هذا النزاع، ضرورة التوصل إلى تفاهم بين الدول والحكومات، و” نسيان” أو تناسي مبررات النزاع ودوافعه. وأفلحت جهود هذه الطبقات أو الشرائح في إخضاع حكوماتها للتوصل إلى اتفاق فيما بينها، وبذا يعد هذا الصلح أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة، ولا زالت مقاصد هذا الصلح، أو الجزء الأهم منها، هي العناصر الناظمة للعلاقات السياسية بين الدول الغربية على وجه العموم، وإلى أيامنا هذه. ( سبق ونشر موقع الفلق عرضا لكتاب هنري كيسنجر-النظام العالمي- وفيه تفصيل لهذا الاتفاق الأممي).

إلا أن الحديث عن التداوي بالنسيان يستدعي بالضرورة معرفة اشتراطاته، والمناخ العام الملائم الكفيل بإنجاح فكرته الأساسية، الذي بدونه لن تجدي عملية التداوي نفعا. ولعل أولى اشتراطات هذا العلاج، الإدراك الفاعل لمعنى النسيان الإيجابي أو تفعيل ما أُطلق عليه ” الذاكرة العادلة” وفقا لتوصيف الفيلسوف الفرنسي- ريك-.  وأول متطلبات هذا المعنى توافق المتخاصمين على مسلّمة أنه لا يمكن التوصل إلى وضع يبلغ فيه الجميع مرحلة الرضى والسعادة، من دون تجاوز الإشكاليات والمعترضات الكبرى في طريق الحل النهائي. وللوصول إلى هذه النتيجة لا بد من تنشيط وتفعيل هذه الذاكرة الموسومة بـ  ” العدل “، واستبعاد  “الذاكرة المحرّفة” أو المتلاعب بها، والتي تعمل ضمن بؤر أو مجالات محددة تعود بالنفع لصالح طرف من الأطراف، وتستبعد بقصد ومنهجية واضحة ذاكرة الطرف المقابل. إن تجاوز هذه المرحلة على وجه الخصوص، وانخراط طرفي النزاع بما يمكن توصيفه – وهذا توصيف ذاتي – بـ “عبقرية منتصف الطريق”، التي تترجم فيها على نحو عملي معاني التواضع السياسي.

تنازل من هنا، وآخر من هناك، خطوة من طرف، يقابلها خطوة من الطرف المقابل يتحقق اللقاء في نقطة المنتصف. أما أن تبقى عملية التنازل مقتصرة على الجانب الأضعف، الذي أُشبع تنازلا لدرجة تبلغ في بعض الأحيان إلى مستوى التفريط، فإن هذا الإجراء لن يسبغ صفة الديمومة على أي اتفاق يعقد، لسبب بسيط وهو أن حالة الرضى لم يدركها كلا الطرفين بذات الدرجة. كما أن افتقار الجانب القوي لصفة التواضع ستجلب له في مراحل لاحقة خيبات وخسائر لم تكن تخطر له على بال، نتيجة رهانه المتعالي على حالة القوة الآنية التي يمتلكها، وحالة ضعف الخصم، وقفزه عن حقيقة أبدية مؤداها، أن أي قوة مهما تعاظمت، إلا أنها ستبلغ نقطة لن تستطيع تجاوزها، وهي المساحة التي تؤهل قوة أخرى موازية للصعود أو التشكل.

في “النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي”، وهو التعبير المستحدث والمتوافق عليه في عموم خطاب  الدبلوماسية العربية، بدلا من المصطلح القديم، ” النزاع العربي-الإسرائيلي”، الذي لم تعد المنابر السياسية في العالم العربي تستخدمه، هذا النزاع عجز المجتمع الدولي بأسره عن ابتكار صيغة حل يرضى عنها طرفا النزاع، ولا زالت الآلة الدبلوماسية الدعائية العالمية، وبقدر غير قليل العربية، تحمّل الجانب  الفلسطيني مسؤولية تعثر هذا المسار، ويصور هذا الجانب، مباشرة أو إيحاء، باعتباره مؤلفًا من مجموعة بشرية مناكفة، وفي حالة عناد أبدي مع الجميع. إنه الطرف المعتدي وواحد من منابع الإرهاب في العالم، ومن ثمّ فهو مدعو وحده دائما إلى إجراء مراجعة لسلوكه السياسي وتعلم المحبة والتسامح، وتقديم المزيد من التنازلات، والأهم من ذلك كله نسيان أن له قضية وحقوقًا، وبالنتيجة النزول عن كثير من مطالبه الجوهرية، وقبول كل ما يملي عليه ” الأشقاء” قبل الأعداء.

ما لا يعلمه كثيرون عن الجانب الآخر من المشكلة، أو يعلمونه لكنهم يغضون أبصارهم عنه، أن ناشطي الحركة الصهيونية، من سياسيين ومشتغلين في التنظير الأيديولوجي، وعموم أتباع هذه الحركة: السياسية/الدينية – وهم بالمناسبة مجموعة متفوقة وتمتلك القدرة – ، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها أو التعامي عنها، هؤلاء هم أتباع مخلصون وشديدو الوفاء لحركتهم، وأولى علامات الوفاء توافقهم على عدم النسيان. إنها أكثر المجموعات  البشرية امتلاكا لذاكرة ممتازة، وعلى نحو يفوق الحاجة الطبيعية لأي تجمع إنساني. إنها الحركة الأكثر وفاء لقناعاتها والتزاما بكافة بنودها، والوحيدة في التاريخ التي لم يخضع أتباعها أيًا من أفكار حركتهم ومبادئها العامة أو التفصيلية للنقاش، لسبب بسيط، لقناعتهم أن مجرد التفكير في إمكانية النقاش أو التقييم أو المراجعة، نتيجة متغيرات دولية أو إقليمية،  تعني بالضرورة تقديم تنازل أو تخل عن جزئية، وهذا ما لم يحدث ولو لمرة في تاريخ الحركة منذ نشأتها إلى اليوم. ربما يحدث تأجيل لأهداف بعينها، أو جدولة بند أو بنود لمراحل لاحقة، لاعتراضات يصعب تجاوزها في مرحلة ما، لكنها لم تتخل ولو لمرة واحدة عن أي من بنودها أو أي تفصيل من تفصيلات مشروعها الكبير.

ماذا يعني هذا السلوك ؟ أبسط معانيه أن هذه الحركة تحتقر الجميع وتتعالى عليهم، ولا تقيم وزنا ولو بسيطا لطموحات أو آمال شعوب أو مجموعات أخرى، خصوصا اذا تداخلت هذه الطموحات مع المسار العام للحركة. أما المديح الذي ينثره رئيس حكومة هذا الكيان هنا أو هناك على دول أو زعماء في الإقليم، فما هو في حقيقة الأمر سوى نموذج متفوق من نماذج التضليل والغواية، وللأسف فإن كثيرين يقعون في حبائله؛ إنه التعبير الأكثر صدقا لمعنى “الغاية تبرر الوسيلة”. وإن كانت لطموحات وأطماع هذه الحركة نهاية، فإنها على المستوى الإقليمي لن تتواضع بقبول ما هو أقل من السيطرة والهيمنة على كل مصادر القوة، استثمارا أو تدميرا وبعثرة. إن حركة هذه أبجديات أدبياتها، وعلى نحو لا تهويل فيه أو مبالغة، فإن قضية مثل النسيان الإيجابي، أو الذاكرة العادلة، تعدُّ بالنسبة لها جريمة كبرى.

النسيان الإيجابي، أو حتى ” الذاكرة العادلة ” في كل شأن يصب بمصلحة هذا الكيان يُعدّ جريمة كبرى، والشواهد الدالة على مدى الالتزام بهذه الاستراتيجية كثيرة، وفي بعض الأحيان تعالج قضايا ومسائل لا تخطر على بال. على سبيل المثال لم يغفل الساسة في إسرائيل أو ينسوا، منذ الإعلان عن كيانهم عام 1948، أن هناك ممتلكات تركها اليهود العرب وراءهم في عدد من الدول العربية والإسلامية التي عاشوا فيها لقرون متعاقبة وهم في رحلة الهجرة الطوعية إلى إسرائيل. بالمقابل لم يتجاهلوا هم أنفسهم، بل أنكروا على الفلسطينيين الذين اتبعت قوات الاحتلال الصهيوني، مختلف أنواع التهجير كي يخلوا عن بيوتهم وممتلكاتهم، وإخضاع  هذا الشعب لأطول عملية تهجير قسري في التاريخ المعاصر، أنكروا على هذا الشعب أن يكون لهم حق في استرداد ما سلب منهم، أو حتى التعويض عنه.

ولأن الذاكرة التحريفية حاضرة أبدا في الذهن الصهيوني، أقر الكنيست الإسرائيلي – مجلس النواب – عام 2010، كواحد من تطبيقات ” الذاكرة المحرفة ” قانونا يقضي بتعويض “اليهود العرب” عن ممتلكاتهم التي تركوها وراءهم، والتي قدرتها شركة حسابات دولية تعمل لصالح إسرائيل بنحو  “250” مليار دولار. وقبل أيام  قليلة رشح عن هذه الشركة إعلان يتضمن انتهاءها من حصر أملاك اليهود في ليبيا وتونس، ووفق التقديرات الأولية فإن الدولتين ملتزمتان بتسديد 50 مليار دولار لإسرائيل، مع الإشارة إلى أن عملية المراجعة ستشمل في مراحل لاحقة دول: العراق، اليمن، المغرب، سوريا، ومصر.

بالطبع لن تكون ملاحقة هذه الدول وابتزازها نهاية المطاف، فلطالما سمعنا وقرأنا عن الإرث التاريخي لليهود في معظم مناطق الجزيرة العربية، وأن وجودًا يهوديا يرجع لآلاف السنين في المنطقة. وغدت هذه الأيام ظاهرة تنظيم رحلات سياحية لمواطنين يهود لزيارة هذه المناطق للتعرف على ” أرض الأجداد والآباء ” مسألة شبه طبيعية. وتزايدت على نحو ملحوظ هذه الأيام نغمة “الحنين” إلى مهد اليهودية في أرض العرب، ومن المؤكد أن الذاكرة التحريفية لن تعجز بفضل قوتها وقدرتها عن اختلاق المبررات والحجج “الدامغة” في تسويق مزاعم وأباطيل.

إن واقع المنطقة بأكملها هو بمواجهة معضلة وجودية: كيان لا ينسى، ويرفض هذه الخاصية، ويمتلك ذاكرة ممتازة تفوق الحاجة، وشعوب مطالبة دائما بالنسيان، وأن تكون مقيدة ضمن نطاق الذاكرة القصيرة، أو الضعيفة، ومن تبعات هذه الخاصية النظر والتعامل مع مجريات الأحداث بالغة الخطورة على نحو تفسيري لا يتوافق مع الواقع الماثل عيانا.

0 864 27 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, العدد الأخير, سياسة يناير 27, 2019