ثلاث قصص قصيرة من الأدب الساخر

لـ

 

ستيفن ليكوك

 

أن تستعير عود ثقاب

قد تظن أن استعارة عود ثقاب في الشارع أمر سهل، ولكن أي رجل سبق له فعل ذلك سيؤكد لك أن الأمر ليس بتلك السهولة، وسيكون مستعدًا ليحلف لك بأن تجربتي في ذلك المساء ليست مختلقة.

كنت واقفًا عند ناصية الشارع وبيدي سيجار أريد إشعاله، لم يكن لدي أعواد ثقاب؛ لذا انتظرت إلى أن مرّ بقربي رجل ذو مظهر بسيط وودود، عندها قلت:

“من فضلك يا سيدي، أتتكرم عليّ بعود ثقاب؟”

” عود ثقاب؟ بكل تأكيد”

فك أزرار معطفه، ودس يده في جيب سترته.

“لدي واحد بلا شك” تابع كلامه. “وأستطيع أن أحلف أنه في الجيب السفلي أو -انتظر، أظن أنه قد يكون في الجيب العلوي- انتظر قليلاً ريثما أضع هذه الأكياس على الرصيف”

“أوه، لا تشغل بالك” قلت له، “ليس بالأمر المهم”

“أوه، دع عنك، سأعثر عليه في ثوان؛ أنا متأكد أنه سيكون هناك واحد في مكان ما هنا” – غرس أصابعه في جيوبه بينما كان يتحدث – “ولكن أظن أنها ليست السترة التي اعتدت أن… ”

أخذ الرجل يتحمس للأمر.

“حسنًا، لا عليك”، اعترضت؛ “إذا لم تكن هذه هي السترة التي اعتدت أن.. – ليس شيئًا ذا بال.”

“انتظر لحظة، انتظر!” قال الرجل، “لدي واحد من هذه الأعواد اللعينة في مكان ما هنا. لا بد أن يكون مع ساعتي فيما أظن. لا، إنه ليس هناك أيضًا. انتظر ريثما أجرب البحث في معطفي. لو أن ذلك الخياط المعتوه يجيد صناعة الجيوب بحيث يستطيع المرء التنقيب فيها بسهولة!”

بدا مستثارًا جدًا الآن. رمى عصاه أرضًا وراح يغرز طقم أسنانه في جيوبه.

“إنه ولدي اللعين”، همس بغضب. “هذا كله بسبب عبثه بجيوبي. يا الله! لسوف أمنحه علقة ساخنة حين أصل إلى المنزل. لحظة، أراهن أنه في جيبي الخلفي. هلا رفعت ذيل معطفي قليلاً حتى أتمكن من…”

“لا، لا” اعترضت مجددًا. “أرجوك لا تجهد نفسك هكذا، إنه حقًا ليس بالأمر المهم. أنا متأكد أنك غير مضطر لأن تخلع معطفك… أستحلفك ألا ترمي رسائلك وأغراضك في الثلج هكذا، وألا تقتلع جيوبك! أرجوك، أرجوك ! لا تدس على معطفك ولا تدعس أكياسك! أوووه! كم أكره أن أسمعك تشتم ابنك الصغير بذلك الصرير الغريب في صوتك. لا! أرجوك لا تمزق ملابسك بهذه الوحشية!”.

فجأة أطلق الرجل شهقة تهلل وسحب يده من تحت بطانة معطفه.

“لقد وجدته!”، صاح. “هاك”!

بسط يده تحت الضوء… كان عود أسنان!

مستسلمًا لتأثير اللحظة دفعته تحت عجلات الترام، وركضت.

 

 

مساعدة الأرمن

كانت الأوضاع المالية لكنيسة الرعية في دوغالفيل تزداد سوءًا في الأشهر الستة الأخيرة، وكان القائمون على الكنيسة قلقين على الأخص فيما يتعلق بالإسهام في الحملة المقامة لجمع التبرعات من الجمهور العام بالبلدة لصالح الأرمن البائسين. هكذا قرروا تخصيص المبالغ التي سيتم جمعها خلال سلسلة من التراتيل المسائية الخاصة لهذا الغرض. ولجعل الطقوس مميزة أكثر، وحفز الناس للبذل بسخاء، ابتاعوا للكنيسة آلة أرغن جديدة. ولتسديد مقدم ثمن الأرغن تقرر رهن بيت القس. ولتسديد قيمة الفائدة على الرهن أحيت جوقة الكنيسة حفلاً دينيًا في قاعة البلدة. ولتسديد إيجار القاعة عقدت نقابة العمال التطوعية أمسية خيرية في مدرسة الأحد الدينية. ولتسديد نفقات الأمسية ألقى رئيس الرعية محاضرة عامة عن “إيطاليا وماضيها” مشروحة بالصور باستخدام آلة الفانوس السحري*. ولتسديد ثمن الفانوس السحري أدى مساعد القس وعدد من السيدات بعض الاسكتشات المسرحية. أخيرًا، لتسديد ثمن أزياء الاسكتشات شعر رئيس الرعية بأن الواجب يملي عليه الاستغناء عن خدمات مساعد القس.

هذا هو إذن وضع الكنيسة في الوقت الراهن. ما يرغبون في فعله قبل كل شيء هو جمع مبلغ كاف لشراء ساعة ذهبية مناسبة لمساعد القس تقديرًا لخدماته. بعد ذلك يأملون في فعل شيء ما للأرمن. في الأثناء، بالطبع، فإن الأرمن، أولئك الذين يقطنون في البلدة، أصبحوا مزعجين للغاية. في البداية هناك الأرمني الذي قام باستئجار أزياء الاسكتشات المسرحية: لا بد من تسوية الأمر معه. ثم هناك الأرمني تاجر آلات الأورغن، والأرمني مالك الفانوس السحري. كلاهما يطالبان بمستحقاتهما بشدة.

الحالة الأكثر إلحاحًا هي تلك الخاصة بالأرمني الذي منحهم القرض مقابل رهن بيت القس. في الحقيقة فإن إحساسًا عامًا راود الرعية بأن المناشدات المتضرعة التي ألقاها رئيس الرعية أثناء القداس المقام لصالح قضية الأرمن المساكين كانت موجهة تحديدًا إلى ذلك الأرمني.

في غضون ذلك لا تتقدم الحملة العامة لجمع المال بسرعة كبيرة؛ ولكن مالك الحانة الكبيرة في نهاية الشارع، والرجل صاحب السيجار القصير، الذي يدير دوغالفيل مدوي بليزانس، كانا الأكثر كرمًا بين المتبرعين على أي حال.

*الفانوس السحري magic lantern: آلة قديمة لعرض الشرائح تطورت عنها أجهزة إسقاط الشرائح التي عرفت فيما بعد.

 

كيف تتفادى الزواج

قبل بضع سنوات، عندما كنت محررًا لإحدى صفحات مراسلات القراء، اعتدت استقبال رسائل مهيضة الجناح لشبان ينشدون المشورة والمؤازرة. كانوا يجدون أنفسهم محط اهتمام بالغ من الفتيات ما كانوا يعرفون كيف يتعاملون معه. لم يكونوا راغبين في التسبب بجرح مشاعر الفتيات ولا أن يبدوا غير مكترثين بحب بدا لهم ملتهبًا وصادقًا في الوقت ذاته؛ إلا أنهم لم يشعروا أن باستطاعتهم أن يبتوا في الأمر قبل أن تقول قلوبهم كلمتها. أسروا إليّ بكل شيء وبكل صراحة، وكما ينبغي لروح تكاتب روحًا أخرى طلباً للمواساة. قبلت ثقتهم بي مقابل التعهد بالسرية التامة. لم أبح بأسرارهم أبدًا خارج نطاق الصحيفة، ولم ألمح إلى هوياتهم إلا فيما يتعلق بأسمائهم وعناوينهم التي كانت تطبع رفقة النصوص الكاملة لرسائلهم. ولكنني قد أعيد، دونما شعور بالخزي، نشر واحدة من تلك الرسائل وردي عليها، بما أنه قد مضى عليها الآن عدة أشهر، وبما أن يد الزمان الحانية قد تكفلت بتطييب الجراح – كيف عساي أن أقولها؟ – بما أن سديم الذكريات الرقيق قد تكفل بذلك… – حسناً، ما عنيته هو أن الشاب قد عاد لمزاولة عمله وهو على ما يرام من جديد.

ها هي إذن رسالة من شاب سأمتنع عن ذكر اسمه، ولكن سأشير إليه بالحرفين د. ف. ولن أبوح بعنوانه وإنما سأرمز له ببساطة ب: شارع ك.، غرب.

“عزيزي السيد ليكوك،

لمدة خلت كنت محط اهتمام كبير جدًا من قبل سيدة شابة. كانت تتصل بي على هاتف المنزل كل مساء تقريبًا، وقد خرجنا معًا في سيارتها، ودعتني إلى المسرح وصالة السينما. في لقاءاتنا الأخيرة ألححت عليها بأن نصطحب أبي معنا، وحاولت جهدي أن أمنعها من التوجه لي بأي كلام لا ينبغي لأب أن يسمعه. ولكن موقفي أصبح صعبًا جدًا. فأنا أعتقد أنه ليس من الصائب قبول هداياها ما دمت لا أستشعر في قلبي أي ميل إليها. بالأمس أرسلت إلى منزلي باقة من ورد الأميركان بيوتي لي أنا، وحزمة ضخمة من تبن تيموثي لأبي. لا أعرف ماذا أقول. هل من اللائق أن يحتفظ أبي بكل هذا التبن الثمين؟ لقد أطلعت أبي على كل شيء، وتناقشنا حول مسألة الهدايا. إنه يعتقد أنه يمكننا الاحتفاظ ببعض الهدايا من باب التهذيب، بينما تقتضي منا اللياقة أن نرفض بعضها الآخر. سيقوم هو بنفسه بفرز الهدايا إلى هذين النوعين. بحسب ما يراه فإنه يعتقد أن التبن يندرج ضمن النوع ب. في غضون ذلك أكتب إليك نظراً لأن الآنستين لورا جين وبياتركس فيرفاكس في عطلة، وهما مشغولتان دائماً على أي حال كما أخبرني أحد أصدقائي ممن يواظبون على قراءة كتاباتهما.

“أرفق دولارًا لأنني لا أظنه من المناسب أن أطلب منك منحي وقتك القيم وفكرك النير دون أن أعطيك ما تستحقه بالمقابل”.

فور استلامي لهذه الرسالة رددت عليها برسالة خاصة وسرية نشرتها في العدد التالي من الصحيفة.

“عزيزي،

عزيزي الفتى،

لقد حركت رسالتك مشاعري. ما إن فتحتها ورأيت اللونين الأخضر والأزرق لورقة الدولار التي قمت بطيها برهافة فائقة وعلى نحو جميل بين أوراق رسالتك الرائعة، حتى أدركت أنها مرسلة من شخص أستطيع تعليمه الحب، إذا ما قدر لمراسلاتنا أن تستمر على نفس النحو الذي بدأت به. أخذت الدولار من رسالتك وقبلته وداعبته عشرات المرات. عزيزي الفتى المجهول! سأظل محتفظاً بهذا الدولار دائماً! مهما بلغ احتياجي له، وأياً كان عدد الأشياء الضرورية للغاية – أجل، الضرورات المطلقة- التي قد أكون بأمس الحاجة إليها، فإنني سأظل محتفظاً بهذا الدولار. أتفهم ذلك يا عزيزي؟ سأحتفظ به. لن أنفقه. بقدر ما سيبقى ذا فائدة، فإنه سيظل تمامًا كما لو أنك لم تقم بإرساله لي. حتى إن كنت سترسل لي دولارًا آخر، فسأظل محتفظاً بالأول، كي لا يتلطخ استذكار الصداقة الأولى باعتبارات نفعية، مهما بلغ عدد الدولارات التي سترسلها. عندما أقول دولار ،أيها العزيز، فإن حوالة مالية عاجلة أو حوالة بريدية، أو حتى رسالة بالبريد، ستؤدي جميعها الغرض نفسه. ولكن في هذه الحالة لا ترسلها لي عن طريق مكتب الصحيفة، لأنني أخشى أن أتخيل رسائلك الصغيرة الجميلة متروكة حيث يستطيع الآخرون فتحها.

ولكن عليّ الآن أن أتوقف عن الثرثرة عن نفسي، فأنا متأكد أنك لا يمكن أن تكون مهتمًا برجعي عجوز بسيط مثلي. دعني أحدثك عن رسالتك وعن السؤال الصعب الذي تطرحه بلسان جميع الشباب المقبلين على الزواج.

أولاً، دعني أخبرك أنني سعيد للغاية أنك أطلعت أباك على الموضوع. مهما يحدث، اذهب إلى أبيك فورًا، وطوقه بذراعيك، وابكيا بحرارة سويًا. وأنت محق أيضًا بخصوص الهدايا. إنها بحاجة إلى عقل أكثر حكمة منك للتعامل معها يا ولدي المسكين المشوش. خذها إلى أبيك ليفرزها، أو، إذا ما شعرت بأنه لا ينبغي لك أن تبالغ في استغلال حب أبيك، فما عليك إلا أن تحضرها لي بيديك الجميلتين.

والآن دعنا نتحدث، عزيزي، كما يتحادث قلبان. تذكر دائمًا أنه إذا ما قدر لفتاة أن تملك عليك قلبك فعليها أن تكون جديرة بذلك. حين تنظر في المرآة إلى وجهك المشرق البريء فلتعقد العزم على  أن لا تمنح يدك لأي فتاة عدا تلك التي تماثلك في البراءة وتفوقك في إشراقة الوجه. لذلك يجب عليك أولاً أن تعرف مدى براءتها. اسألها بهدوء وصراحة – تذكر عزيزي أن عهد الحياء الزائف قد ولى – إن كانت قد سجنت من قبل. إن لم يسبق لها ذلك (وإن لم يسبق لك ذلك)، فهذا معناه أنك تتعامل مع فتاة عزيزة يمكنك الوثوق بها وستجعل منك رفيق حياتها. ومعناه أيضًا أن عقلها جدير بعقلك. كثير من رجال اليوم ينخدعون برقي السلوك المصطنع والمفاتن الظاهرية لفتيات لا يملكن أي مزايا عقلية في حقيقة الأمر. كثير من الرجال يصابون بخيبة أمل مريرة بعد الزواج حين يكتشفون أن زوجاتهم لا يستطعن حل معادلة تربيعية، وأنهم مضطرون لتمضية أيامهم بكاملها مع امرأة لا تعرف أن مربع س زائد 2 س ص زائد ص يعطي نفس ناتج س زائد مربع ص، أو نفس الناتج تقريبًا إذا لم أكن مخطئًا.

ولا ينبغي أن نتجاهل الفضائل المنزلية. إذا حاولت فتاة استمالتك للزواج فلتطلب منها أن تكوي معطفك قبل أن تسمح لها بكي معطفها. إذا كان بإمكانها ذلك فلتدعها تواصل استمالتك، وإلا فلتطلب منها التوقف. على كل حال أعتقد أنني كتبت ما أحتاج إليه لملأ هذا العمود. ألن تكتب مرة أخرى، تمامًا كالمرة السابقة، عزيزي الفتى؟”

“ستيفن ليكوك”

0 374 29 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, العدد الأخير, حداء الروح يناير 29, 2019