قراءة في كتاب “ماركس في مسقط” للمؤلف العماني علي الرواحي

لـ

إن كنت سأقترح عنوانًا لكتاب علي الرواحي “ماركس في مسقط” فسأزعم بكل ثقة أنه “الحداثة في مسقط”، فهذا العنوان الأخير أصبح في ذهني هو الخيط الناظم لفصول الكتاب والعناوين داخله. وربما أشك أنني سأكتب هذه المراجعة فيما لو ظل العنوان الأول هو معرّف الكتاب. كقارئ مبتدئ يهمني العنوان كثيرًا، فهو ما يعزز الصبر لدي لمواصلة القراءة. وفي الحقيقة أن أقرأ كتابًا فكريًا دسمًا يحمل همّا ورسالة سامية ولكاتب من بلدك؛ لهو في رأيي دافع مهم لكتابة مراجعة عنه. فهي من ناحية دعوة للآخرين لقراءة الكتاب، وفي الوقت نفسه توثيق للحظة معينة كنت أراقب فيها نفسي وأنا أقرأ، ولعل هذه من حسنات الكتابة الجيدة؛ أن تجعلك تكتشف النقص الذي لديك.

لم يكتب المؤلف مقدمة للكتاب؛ وإنما اكتفى بمقدمة لكل فصل من الفصول الأربعة التي زوّدها أيضا بخاتمة؛ مما يشي بأن الفصول الأربعة كتبت منفصلة بغرض نشرها منفصلة أيضا، ولكن لسبب ما جمعها المؤلف تحت عنوان لا يصعب اكتشاف الهاجس الحقيقي وراءه، وهو مشكلة التحديث؛ تحديث المجتمع والدولة. ولعل خواتم الفصول تؤكد ذلك؛ عبر التأكيد المستمر على استمرارية الأسئلة التي تطرحها المقدمات. فالحداثة دائما مشروع غير مكتمل على حد تعبير هابرماس. اشتملت مقدمات الفصول كذلك على أمر بالغ الأهمية يحاول المؤلف من خلاله التحلّل من عبء النهائيات، وهو ذلك المتعلق بسيولة المناهج الاجتماعية. وهذه عموما سمة في النقد الماركسي المعاصر الذي يكون ملتصقا أكثر بأساليب ممارسيه من مفكرين وفلاسفة، بل ولعل هذا ما تستدعيه الحداثة المعاصرة؛ الانتقال من مفهوم المنهج الصارم والمغلق إلى مفهوم التجربة أو المنهج المركب كما يسميه الكاتب (ص٢٤). وهكذا يصبح لدينا نقد هيجل وفيورباخ وفيبر وهابرماس أنظمة تفكير تحل محلّ العناوين التقليدية لمناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية.

يستعين الرواحي بطائفة واسعة من القراءات التي قاربها للنقد الماركسي المعاصر، فواضح جدًا تطوّر فكرة المنهج لديه، وهذه عموما من ميزات دراسات ما بعد الحداثة، حيث الحدية الراديكالية لم تعد تنفع في صناعة التقدّم؛ ولكن هذه القراءات قد تصنع تشوّشا أثناء الدراسة والبحث، فتعدد الاهتمامات عند الرواحي يتحوّل إلى ارتباك في ضبط الأسئلة وأدوات البحث؛ لهذا كان ضروريا بالنسبة لي التأني قبل إصدار أي حكم، وأن أسجّل ملاحظاتي التي أربط بينها لاحقا، لأنتهي ببنية ذهنية منطقية للكتاب، ولعل هذه استراتيجية جيدة لملاحقة تدافع الأفكار من قلم الرواحي، إذ ليس من السهل فهم كيف يتعامل مع الأسئلة التي يتناولها، فتدفّق العناوين يجعل القارئ بحاجة إلى وقفات وهو يقرأ ليعيد ربط تسلسل الأفكار بطريقة تبدو منطقية له.

يطرح المؤلف في بداية الفصل الأول سؤاله الرئيس في الكتاب: لماذا لم تتغير البنية الفوقية بالمجتمعات العربية طيلة هذه القرون؟ والمقصود بالبنية الفوقية بطبيعة الحال الثقافة والدين والقانون. ثم يحاول الإجابة عليه في العناوين التالية، وفي كل مرة يفتح نافذة للتفكير في هذا السؤال الجوهري. فتحت عنوان “الاقتصاد والهيمنة” يؤكد أهمية العامل الاقتصادي الذي هو الجزء الأهم في البنية التحتية المنتجة للأيديولوجيا والوعي، فمالم تتغير بنية الاقتصاد لن يتغير الوعي، ثم تحت عنوان “نقاد العقل وميتافيزيقا التقدم” يسلّط الضوء على مشاريع نقد العقل العربي وتوقفها في حدود تأويل النصوص الدينية، دون النفاذ إلى العلاقات الأعمق التي تصنعها أو توجهها، وهكذا يفعل في العنوان “الأسرة والهيمنة” و”السوق بوصفه مسرحا للهيمنة” و”نمط الإنتاج وجدلية القيم” وصولا إلى تقسيم العمل ثم علاقات الإنتاج والاستهلاك بالمجتمع العماني. كل هذه العناوين مترابطة برابط خفي يذكره الرواحي في بداية الفصل عن ضرورة الكشف عن أسباب عدم تداخل علاقات الإنتاج مع الثقافة أو ضعف تأثير البنية التحتية على البنية الفوقية، ولكن المؤلف لا يؤكد عليه لاحقا، تاركا القارئ أمام مسؤولية اكتشاف العقد الناظم لهذا التدفق المفاهيمي.

طموح الرواحي كبير ولكن تخونه الأدوات، فما تزال لديه تلك المشكلة الواضحة أكثر في “الأصولية والعقلانية”؛ وهي أخف هنا، والتي أوجزها في الانتقال من النظرية إلى التطبيق، فاختبار الفرضيات يتطلّب بيانات ومؤشرات ودراسات سابقة هي شبه معدومة في السياق العماني. فالرواحي يشق طريقًا وعرا بمفرده، ويبدو لي أن عينه أكثر على من سيأتي من بعده ليواصل هذا الطريق ليضبط منهج النقد بصورة أفضل. هناك صراخ داخلي في الكتاب يقول: نحتاج إلى المؤسسة البحثية لإنجاز هذا الطموح الكبير، فالأسئلة كبيرة والأدوات ضيقة ومحدودة، ولعل هذا ما تلمّسته في مقدمات الفصول وخواتيمها من دعوات ضمنية للمهتمين لمواصلة أطروحات الكتاب والعمل على أسئلته في نقد المجتمع كسبيل وحيد لتحديثه.

من الأشياء الجميلة في الكتاب أنك كقارئ تستطيع أن تكتشف ضعفك ونقصك وأنت تقرأ، ثم تحاول تلافيه بعد القراءة. ليس بالضرورة أن تنجح في ذلك، فالمهم هو الوعي بالجهل، والكتاب الذي يقودك إلى هذا الشعور هو كتاب جيد ومهم. فمثلا أستطيع وأنا أقرأ “ماركس في مسقط” أن أتأكد من صحة فهمي للمفاهيم التي راكمتها من قبل، وواقعية الوعي الذي لديّ حول الظواهر اليومية. نوع من التصحيح الداخلي يتم أثناء القراءة، وكتاب الرواحي هذا هو من ذلك النوع الذي يساعدك على رؤية ذاتك داخله. كيف تلاحظ الأشياء من حولك؟ كيف تقرأ الواقع؟

أسئلة الكتاب مهمة جدًا، وربما السؤال في الكتاب في حد ذاته هو إبداع. مجرد التفكير فيه يعني نقلة مهمة؛ لأنه يشق مسارًا جديدًا كليًا في التفكير. هل هناك من طرح سؤال العلاقة بين البنيتين الفوفية والتحتية بالمجتمع العماني من قبل؟ هل كتب أحد قبل الرواحي عن كيفية تكوّن الطبقة البورجوازية في عمان؟ لا أستطيع أن أقول إن الرواحي نجح في إقناع القارئ بتحليلاته، ولكن لأنه يشق طريقًا صعبًا في ظل بيانات شحيحة جدًا؛ فإن مواصلة تقديم أطروحات على أسئلته من قبل آخرين سيقدّم أفضل نقد لجهد الرواحي في هذا الكتاب.

من مزايا الكتاب أيضا أنه يكشف للقارئ بعض أساطير السلطة؛ فهو يغوص في عمقها ليكشف عن بعض مظاهرها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. عملية التعرية هنا تتخذ طابع التحليل الإبيستمولوجي الأركيولوجي؛ بمعنى أنه يغوص في المفاهيم الكاشفة لعمل السلطة وشبكات الاستحواذ وآليات السيطرة. يتضح ذلك في أكثر من مكان بالكتاب، كعناوين تقسيم العمل ونمط الإنتاج والفضاء العمومي والدولة الحديثة والاستثناء والبرجوازية العمانية. لا يقوم الرواحي بتفكيك آليات السلطة وتشريحها، ولكنه يعرضها؛ ليجعل القارئ في قلب الحدث. يجب أن تتوافر جهود أخرى لاختراق هذه السلطة عبر البوابات التي يقترحها الرواحي، كالاحتكار والتحالفات وزواج الصفقات. ربما نحن نحتاج لتيار من الباحثين يشتغلون على هذه المفاهيم حتى يمكن أن نشاهد نتائج ملموسة فعلا للنقد الذي يمارسه الرواحي. أضرب هنا مثالا بالدور الذي لعبته الحيازات غير القانونية في السبعينات في تكوين الثروات. ماذا لو ظهرت لنا دراسة تفصيلية عن هذه الحيازات وما آثارها وكيف تفعل اليوم داخل تركيبة السلطة؟

يحيل الكتاب إلى طائفة كبيرة من أهم الكتب الفلسفية والنقدية، فالقارئ سيصطدم بمفاهيم كثيرة ومؤلفين كبار، ما يجعل الكتاب حديقة للعشرات من الأفكار الأصيلة التي طرحها فلاسفة الحداثة الكبار. أسماء لا بد أن تضطرّك للبحث وراءها ومعرفة دورها وأهميتها. وعموما كنت أنتهي من كل قسم ولدي شعور بأن كلاما كثيرا مهما لا يزال لم يُقَل. وربما يجوز لي هنا أن أشير إلى عقدة الدين لدى الكاتب التي يمكن ملاحظتها بسهولة في أغلب العناوين داخل الكتاب. وأسميها عقدة، إذ أتذكّر حضورها القوي في كتابه السابق “الأصولية والعقلانية”، وهي وإن كانت أكثر رصانة في هذا الكتاب، غير أنها في رأيي تحيل إلى أن الرواحي يعتقد أن المجتمع العماني مجتمع متدين بامتياز. والحقيقة التي أظنّها أن المجتمع العماني وإن كان يستمد تعريفه الأول من الدين؛ غير أن هناك عوامل تاريخية أخرى كثيرة أكسبت هذا المجتمع سمات جعلته أكثر تنوّعا أو أكثر قابلية للتنوّع، وخصوصا عندما نتحدث عن المناطق الساحلية التي يقطنها أغلب سكان عُمان.

يتكون الكتاب من أربعة فصول ستبدو في الوهلة الأولى أنها غير مترابطة، ولكن جميعها مشغولة بسؤال التحديث؛ كيف يمكن تحديث المجتمع. الفصل الأول وهو الأكبر حجمًا، إذ يشغل أكثر من ثلث الكتاب، تناول فيه مفاهيم البنية المادية كما هي متداولة في الدراسات الماركسية، وهو يخصص عنوانًا مهما في بداية الفصل عن إشكالية الإسقاط المنهجي، إذ يحاول فيها أن يجيب على أي لوم قد يأتيه بتطبيق المنهج الماركسي على المجتمع العماني، على اعتبار أنه منهج وليس بيانات وأرقام. ثم يركز فيما بعد على مفهوم الهيمنة؛ متّخذا منه مدخلا للكتاب، إذ يبدأ من دور الاقتصاد وأهميته إلى أن يصل إلى الأسرة والسوق وما يلعبانه من دور في إنتاج الهيمنة وترسيخها. يجيب المؤلف تحت العنوان “الاقتصاد والهيمنة” على السؤال: لماذا الاقتصاد مهم لكي يركّز عليه؟ وهنا يحاول الكاتب توضيح منهجه. صحيح أنه يريد أن يطبق المنهج الماركسي في فهم محاولة تبْيئة الحداثة بالسلطنة، ولكن يريد أن يوضّح عن أي اقتصاد يتحدث، وخصوصا عندما يكون الحديث عن عُمان حيث الاقتصاد ريعي وليس إنتاجي. فكيف يتأثر الاقتصاد بالعوامل النفسية والاجتماعية؟ وهنا يعرض بعض أشكال صراع الطبقات التي يمكن أن تعزى أو تحلل من منظور اقتصادي كعلاقة بين الاقتصاد والهيمنة. وعموما أجاب على ذلك في العناوين اللاحقة وربما ضمنيا في الفصول التالية.

تحت عنوان “نقاد العقل وميتافيزيقيا التقدم” يعيد هنا طرح سؤال الاقتصاد المغيّب من مشاريع التحديث العربي، ليؤكد مرة أخرى على أهمية ماركس لنا اليوم. ويعود مرة أخرى ليوضح أكثر بعض مرتكزاته النظرية في الكتاب، كقضية أن الماركسية ليست كل شيء، وأن التأويلية النصية ليست عديمة الفائدة حتى مع علامة الاستفهام التي رفعها الكاتب. ويقصد بالتأويلية النصية هنا مشاريع أركون ونصر أبو زيد والجابري وطرابيشي وحسن حنفي وعلي حرب، والتي يقارنها بنقد حسين مروة ومهدي عامل، من حيث قوة التأثير على الواقع والقدرة على إحداث التغيير المنشود عربيا. التأويل النصاني في مقابل النقد الماركسي. لا يحبذ الرواحي الانتصار لأي طرف، ولكنه يتخذ من المنهجية الماركسية أداة للنقد والتحديث، ويدعو إلى تجربة هذه المنهجية على الأقل، فيقول في (ص٢٢) متحدثا عن القطيعة التأويلية التي كان يحاول أركون وأبو زيد إحداثها: “لكي تحدث هذه القطيعة التأويلية يجب أن يدخل الأشخاص في علاقات إنتاجية جديدة تؤثر بدورها في البنية الاجتماعية والسياسية للدولة بشكل عام وللمدينة التي يعيشون فيها بشكل خاص، لتؤثر بدورها في العلاقات الفردية بين الأشخاص بعضهم ببعض، مما يعني أن هذه العلاقات الاجتماعية تتحدد بناء على هذه العلاقات الانتاجية وتتشكل من آثارها المختلفة.”

بعد حديثه عن صراع الطبقات وعلاقات الهيمنة؛ يحاول المؤلف في العنوانَيْن الآتيين “الأسرة والهيمنة ومقاومة التحولات” و”السوق بوصفه مسرحا للهيمنة” التركيز على أماكن عمل هذه الهيمنة وتولّدها، منطلقًا من الأسرة كمسرح أوّلي لفهم الهيمنة والسلطة التي تخلق الصراع الطبقي على المستوى الاجتماعي. كيف نتشكل داخل الأسرة يحدد كيف سنفعل اجتماعيًا عندما نكبر. الكاتب ينطلق هنا من مفهوم ميشيل فوكو للسلطة كشبكة علاقات مترابطة. وفي حديثه عن الأسرة وعن السوق لم يتحدث سوى القليل عن الأسرة العمانية والسوق العماني، فركّز بشكل عام على فرص التحولات التي تجري في كل من الأسرة والسوق وعلاقة ذلك بالإنتاج والقابلية للتغير تحت تأثير عوامل مثل حجم الأسرة وعدد الغرف بالمسكن ومركزية الأب، بالإضافة إلى القوة الناعمة للماركات العالمية والأجهزة والمنتجات.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى العلاقة المتبادلة بين البنية التحتية والفوقية، والجدلية حول التبادل بينهما. وهذه هي المسألة المركزية لهذا الفصل: لماذا التبادل بينهما ضعيف؟ لماذا لا يؤثر تغير علاقات الإنتاج وأنماط الاستهلاك وتقسيم العمل على الأيديولوجيا والثقافة؟ ويغلب على الكتاب هنا الجانب التثقيفي كتعريف للقارئ بالتحليل الماركسي كمنهج في قراءة المجتمعات، وما يخصصه الباحث عن المجتمع العماني تحديدًا بسيط؛ ربما بسبب قلة البيانات المتاحة، وأيضا لما قلته في البداية من محاولة الكاتب شق طريق يتبعه فيما بعد آخرون. فحول فكرة “تقسيم العمل” تحدث نظريا عن العلاقة بين الفكرة وتأثيرها في البنية الفوقية المتمثلة في الذوات التي تحمل مفاهيم جديدة ولغة جديدة وأخلاق جديدة. كيف يفترض أن يشكّلنا طبيعة العمل الذي نقوم به؟ ثم ينتقل إلى جزء مهم وهو يتحدث عن نمطَيْ الإنتاج والاستهلاك، وهو عن سرّ ضعف التأثير المتبادل بين البنيتين الفوقية والتحتية داخل المجتمع العماني، حيث يمهّد من هذا القسم للبدء في التركيز على الدين وما يلعبه من دور في توجيه العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك على نحو معين.

مع أن الكاتب يقترح هنا أن الدين يقف حائلا دون ربط الإنتاج بالاستهلاك؛ غير أن ذلك لا يمنع من أن يكون للدين رأسماله الخاص الذي يعزز تراكم الثروة عند منتجي البضائع والسلع والخدمات الدينية. والحقيقة أنني أجد هنا أصالة في السؤال المطروح، وخصوصا في الصفحة (41) عندما يتطرق الكاتب للسؤال عن علاقة التقانة الحديثة بالعنصرية القبلية أو علاقة أنماط الاستهلاك بالإيمان بالخوارق. السؤال مهم جدا هنا، والمناقشة فيها أصالة، حيث استعرض الكتاب التغيرات المرغوبة والتغيرات المرفوضة، وهي محاولة ذكية منه لتبرير حالة الانفصال بين البنيتين الفوقية والتحتية. فأنماط الاستهلاك تحت لا تؤثر على الإيمان الفوقي، لأن هناك تغيرات ممنوعة، ويقترح كأسباب لهذا المنع مسألتين مهمتين: إشكالية الاستيراد وعدم تجذير الإنتاج، وإن كنت أراهما شيئا واحدا؛ وهو أن المجتمع لا ينتج ما يستهلكه. يسلّط الكاتب مزيدا من الضوء على “الدين والإنتاج” في الصفحات من (50 – 54) حيث يهتم هنا بتحليل كيف يكون للدين رأسماله الخاص المادي والرمزي، وكيف أن لديه إنتاجًا ومستهلكين تماما مثل الصناعة والتجارة. والهدف من ذلك كما يبدو هو عدم انفصال البنيتين الفوقية والتحتية في حالة الدين، فهناك تفاعل حقيقي بين الإنتاج والاستهلاك، ولكنه تفاعل يجتهد لتوجيه المجتمع في مسارات محددة يعزز الاستهلاك وليس الإنتاج.

ينتقل الكاتب فيما بعد إلى مفهوم “الفضاء العمومي في السياق العماني”، وليس واضحا لماذا يتحدث عن هذا المفهوم بعد حديثه عن الدين، والأرجح أنه يورده كسبب ثانٍ لعدم تأثر البنية الفوقية بتغير علاقات الإنتاج وطرقه، وذلك بعد السبب الديني. فالسيطرة الشاملة للحكومة على هذا الفضاء تجعله ضعيف الفعالية في التأثير في البنية الفوقية، ويستمر في هذا القسم وفي القسم اللاحق عن عقل المدينة؛ يستمر في التفتيش في السياق العماني عن عوائق عدم التواصل بين الإنتاج والثقافة. وهنا يضيف التضييق على حرية النقاش العام وغياب ثقافة المدينة في مسقط. وما يريد قوله هنا هو أن القوانين لا تعزز ولادة الفضاء العمومي وازدهاره، وهذا يكرّس الفصل بين وسائل الإنتاج والاستهلاك. ثم يكرّس التحليل لمشكلة عقم الفضاء العمومي في عمان تحت العنوان ” الكاتب الضعيف والكاتب المحافظ “، إذ يرى أن فئة المثقفين هم أهم من يحدد هذا الفضاء، وهؤلاء نادرون جدًا في عُمان؛ إذ إن السلطة استوعبت أغلب الكتّاب، فأصبحوا محافظين أكثر من السلطة نفسها. وهنا يطرح المؤلف كيف يمكن تجاوز هذا العقم؛ كمدخل لبدء التفكير في حل مشكلة التحديث للمجتمع.

تحت العنوانين “الذات الحديثة والدولة الحديثة” و” سمات الدولة الحديثة ” ينغمس الكاتب هنا في سؤاله الأول: لماذا يفشل التحديث بمجتمعاتنا؟ وهو هنا ينفصل تقريبا عن الماركسية ويدخل في قضايا الحداثة. يقوم بذلك دون أن يُشعر القارئ بهذا الانفصال، ومرة أخرى لا يُخفي ولَعه بنقد الدين كمكوّن مركزي ومسيطر في المجتمع. هذا القسم ثري بالأفكار والتحليلات لفهم الحداثة وشروطها وعوائقها، يستند فيها المؤلف إلى فكرة المتخيلات الحديثة كما عند تشارلز تايلزر وقبله بندكت أندرسون. يركّز الكاتب حديثه هنا على صعوبات الانتقال من الدولة التقليدية إلى الدولة الحديثة في عُمان. فيحدد النفط كسلعة تلعب دورا مزدوجا، فالنفط يبقي على الدولة التقليدية سياسيا مع أنه يوفر بعض سمات الدولة الحديثة ولكن على المستوى الظاهري فقط. ثم يخصص عنوانين أخيرين للحديث عن الإنسان؛ في حالة الدولة الحديثة حيث قيمته في ما يستطيع أن ينتجه، وفي حالة الدولة التقليدية حيث تتولّد وتنتشر ظاهرة الاستثناء أو الإنسان المستثنى لأسباب خارج مواهبه وإمكاناته. ليس واضحا تماما لماذا الكاتب يركز على هذه الفكرة، ولكن يمكن للقارئ المحترف أن يخمّن ميول المؤلّف اليسارية التي لا تستمد روحها من التراث الماركسي فقط، بل من حالة الرفض والثورة ضد التقاليد التي تستند إلى مقدمات غيبية أو ميتافيزيقية، وتعيق من ثم الوصول إلى الدولة الحديثة.

تركز خاتمة الفصل على فكرة صعود المشترك، حيث فرص أن تستأثر طبقة معينة بالإنتاج السلعي تضعف لصالح سلع من نوع مختلف تتطلب مشاركة جماعية، ما يستدعي نمط علاقات فوقية مختلفة. مفهوم الدولة سينتقل من ثقافة الخاص والعام إلى ثقافة المشترك، حيث الجميع يسهم فيها، فلا توجد تراتبية غير طبيعية أو خارج ملكات الناس وقدراتهم. العولمة بأدواتها الهائلة كالانترنت والنظام البيئي العالمي ستسهم في تسريع صعود هذا المشترك حتى بالرغم من العوائق الكثيرة التي لم يغفل عنها الكاتب.

في الفصل الثاني يركز الكاتب على سؤال: كيف تكونت البرجوازية العمانية؟ وفي رأيي هذا طرح جديد وفكرة لم تُطرق من قبل. وهذه هي أهميتها. كيف تعيد قراءة التاريخ والمشهد العماني في ضوء المنهج الماركسي؟ كيف تستخرج مؤشرات معينة ولو لم تكن دقيقة لإعادة النظر في كيفية تحديث المجتمع ونقله إلى الأمام؟ بطبيعة الحال لا يخفي الكاتب هنا حنقه من اللامساواة بالمجتمع ويحاول أن يفتّش في جذور هذه اللامساواة؛ داخل النظام السياسي قبل ١٩٧٠ وبعدها، وكذلك في الاقتصاد، وهذا ما يجعل الفصل الثاني في رأيي هو الأكثر إبداعًا في الكتاب؛ لأصالة البحث فيه. يحاول الكاتب في البداية وتحت عنوان “تاريخ البرجوازية العمانية ” أن يستخرج بعض السمات العامة للبرجوازية العمانية بإلقاء نظرة تاريخية مقتضبة. وبرأيي إن هذه الفكرة هي في حد ذاتها سؤال كبير يتطلب بحثًا معمقًا، فالكاتب اختصر كثيرا هنا تفاصيل كثيرة داخل التاريخ العماني تصلح لتكون مادة للتحليل، كعلاقات الأحلاف، وهبات سلاطين مسقط لشيوخ القبائل، والعلاقات مع الإنجليز، وتجارة العبيد، والعلاقات العمانية الخارجية، والضرائب.

بعد ذلك ينتقل المؤلف لمناقشة “آليات إنتاج البرجوازية” حيث يستعرض هنا دور الحكومة منذ ١٩٧٠ في صنع الطبقة البرجوازية، فيتتبع كيف تكونت الثروات ليس عبر إنتاج صناعي حقيقي، بقدر ما هو عبر الهبات والعقود وتبادل المصالح ومنح الوكالات والتشريعات التي تكرّس الثروات في عوائل محدودة. وهكذا يفسّر الكاتب لماذا لم تسهم هذه الطبقة في صنع التغيير اللازم للمجتمع، فهي لم تمرّ بمرحلة الإنتاج، ولم تكوّن الثروة من رأسمالية حقيقية، بل عبر علاقات شخصية. لم يقدم الكاتب أمثلة كافية ليقنعنا بصحّة تحليلاته مع أن الشواهد كثيرة، ولكني أظنه يروم الاختصار. في مثاله عن قرار منع استيراد المركبات المستعملة الصادر في ٢٠١٥؛ قدم قراءة وتحليلًا مهمين، يمكن أن يتكرر مع ممارسات وإجراءات وقرارات كثيرة مشابهة. في العنوان الآتي “آليات إعادة إنتاج البرجوازية” يذكّر مرة أخرى بالاحتكار وبالتحالفات التقليدية بالإضافة إلى مفاهيم جديدة كزواج الصفقات والشف القبلي؛ كل هذه كآليات أفرزت الطبقة البرجوازية في عُمان وجعلها تستمر. ولعل هذا التمييز بين آليات انتاج البورجوازية وآليات إعادة إنتاج البرجوازية هو في حد ذاته فيه بعد نظر؛ إذ لا يكفي أن نفهم كيف ولدت الطبقة، فمن المهم أيضا أن نفهم كيف تستمر.

تحت عنوان “أنواع البرجوازيات” يحدد الكاتب أربع برجوازيات في عُمان يعتبرها جميعها محافظة تجتهد في أن يستمر الوضع كما هو. وغرض الرواحي من عرض ذلك فيما يبدو هو التمهيد لفكرة الصراع الرمزي بين الطبقات والذي تجسّد في السياق العماني خلال أحداث ٢٠١١ بحسب الكاتب، ولاحقا في وسائل التواصل الاجتماعي، مع تركيزه على فرص تحول الصراع الرمزي إلى صراع واقعي. يبدي المؤلف تشاؤمه هنا لاعتبارات متصلة بالرأسمالية العالمية، وفي الوقت نفسه لوجود أشكال أخرى للصراع الرمزي كالصراع بين النصيين والعقلانيين الذي يعتبره صراعا ضمن مرجعية واحدة فلا يمكن أن يتحول إلى صراع واقعي. غير أنه يعقد أملا آخر على صراع يمكن أن يعزز وجود طبقات جديدة لا تملك حاليا شيئا، وهو صراع التيار الديني مع التيار الوضعي. هذه الطبقة الجديدة يسميها الكاتب بالطبقة الغاضبة، وهي طبقة مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها، لأنها صامتة. وهي مؤهلة للتفاقم والانفجار بسبب الضغوطات المثيرة، ولكن في الوقت نفسه يمكن أن تستمر هكذا لفترة غير معلومة. ما يحدد ذلك هو القسم التالي الذي يتحدث عن اللامساواة. لا يذكر الكاتب هنا لماذا هو مهتم بالصراع، ولكن سيشير إليه في نهاية الفصل الثالث كما سيمرّ.

في القسم الخاص بـ “سردية اللامساواة” من الفصل الثاني؛ يتضح مرة أخرى أن الكاتب تخونه البيانات والإحصائيات لبناء نموذج علمي دقيق لدراسة اللامساواة في السياق العماني، لهذا يلجأ لما يشبه رسم معالم منهج لدراسة الموضوع. كما لو أنه هنا يتحدث عن مشروع البحث وليس البحث نفسه. التفكير في ذلك في حد ذاته إنجاز في رأيي وخصوصا في القسم الخاص بـ “جذور اللامساواة”، حيث أبحر في التاريخ القريب للصراع بين السلطان والإمام خلال ما يسميه بالفترة النفطية الأولى منذ ١٩٤٦، التي في رأيه رسمت معالم النفوذ والعوائل التي ستستفيد لاحقا من هبات الحكومة وتراكم الثروات. كل ذلك يجري بعيدًا عن مفهوم الاقتصاد بما يعنيه من رأسمال وإنتاج وفائض قيمة. فما جرى قبل السبعين أسس بشكل جوهري للامساواة اللاحقة. لهذا مالَ الكاتب عند حديثه عن الطبقة المتوسطة إلى التشكيك في وجودها أساسا، ولا أظن أن ذلك على سبيل الحقيقة، بل على سبيل التحذير من انمحاق هذه الطبقة المهمة في أي مجتمع حديث.

في الفصل الثالث؛ يخصص الكاتب البحث لتتبع مسارات الحداثة لدى هيغل وفيبر وهابرماس، وهو عند الثلاثة يعقد ما يشبه المقارنة بين مجتمع تقليدي ومجتمع حديث. كيف يرى الفلاسفة الثلاثة هذا الانتقال تحقق في السياق الغربي؟ يعمد الكاتب لاحقا إلى محاولة تطبيق هذا الفهم على السياق العربي والعماني؛ هل يمكن أن يكون لدينا حداثة من هذا النوع؟ مع هيغل يؤكد على ثلاثية العقلانية والحرية والذاتية؛ لصنع الفارق بين الحالة القديمة والحالة الحديثة، ويحاول معه أن يجعل من هذه البنى الثلاث قيمًا إنسانية كونية عابرة للحضارات والشعوب والثقافات. بمعنى أنها ليست خاصة بالغرب، فيمكن أن تصل إليها كافة الشعوب، وهنا يلجأ إلى ماكس فيبر ليؤكد هذه الخلاصة التي حاول استخراجها من هيغل. استعانة الكاتب بفيبر تركزت على مفهوم العقلنة؛ عقلنة النشاط البشري بتحويله إلى مؤسسات داخل الدولة. ولكن هذه الحداثة قد تنقلب مع انتشار فكرة السيادة، فالعقلنة تصاحبها سيطرة للإنسان على الإنسان. فيصبح الإنسان خاضعًا لسيطرة المؤسسات التي ستجتهد لتجعل منه أداة لتحقيق الربح وإنجاز العمل. ومن هنا يدخل على مفهومَي العقل الأداتي والتشيؤ كتعبير عن حالة التراجع والانكسار في الحداثة، ممهّدا بذلك لمشروع هابرماس في نقد الحداثة الغربية. لا يخفي الكاتب هنا محاولته للانتصار لصالح أن الحداثة يمكن استنساخها، وأنها ليست خاصة بالغرب. وإن كنت أرى أن محاولاته هنا تفتقر إلى السؤال الناظم لمعالجاته حول مفهوم الحداثة. فالصلة غير واضحة بين العناوين والمفاهيم الكثيرة داخل الفصل. فلم يقنعني كثيرا حديثه عن هابرماس، حيث بدا لي أنه يروّج له لا أكثر، فلم يورد لماذا هابرماس موجود أصلا في عنوان الفصل. والإضافة الوحيدة التي ركز عليها لدى هابرماس هو نقده للحداثة. ومع أن المؤلف يعترف بصعوبة الإحاطة بنتاج هابرماس، ولكن في رأيي حضور السؤال سيتبعه بالضرورة التركيز على هابرماس من زاوية ذلك السؤال فقط؛ وأقصد تحديدا هنا نظرية هابرماس عن الفعل التواصلي وعن أخلاق التواصل؛ التي اقترحها لتحويل تشاؤمية مدرسة فرانكفورت إلى صانعة للحدث بدلا من كونها ناقدة فقط.

عن الحداثة في السياق العربي والعماني؛ يؤكد الكاتب على بعض أشكالها، كمحاولات التجديد في فهم النص الديني، وتطبيق مناهج القراءة الحديثة في فهمه، ولكنه لا يضع أملا كبيرا على ذلك. فمهما حاولنا إعادة قراءة النص؛ سيظل قائما على نظام أخلاقي قديم يرتكز على السمع والطاعة والولاية والبراءة، وهذا كله لم يعد ملائما للدخول في عصر جديد على حد تعبيره (ص١٨٢). يثير هنا مسألة الحداثة الإسلامية كما لدى طه عبد الرحمن، وهي حداثة تحاول أن تستلهم روحها من تراث الإسلام ونصوصه، ولكنه يعود للتشكيك فيها أيضا، فهي قامت بهزات كثيرة فعلا، ولكنها لم تقم بالانقلاب الفلسفي الذي يراه الرواحي ضروريا لإحداث النقلة المنشودة. وهو لا يخفي تشاؤمه أيضا من الحداثة العمانية التي يرى أنها لم تتحقق أساسا، فلا يعطي أهمية كبيرة للحداثة الأدبية والشعرية لأنها تظل صامتة عن الشأن العام والسياسي، وهذا الأخير هو المفتاح الحقيقي للتحديث؛ للدولة الحديثة. وحيث إن هذا ما لم يتحقق بعد حيث ما تزال الدولة لدينا تقليدية بكل ما للكلمة من معنى (ص١٩٤) فالطريق ما يزال طويلا لكي نقول أن لدينا حداثة فعلية. وهنا يطالب الرواحي بضرورة تجاوز مرحلة خطابات الحداثة التي تجعلها علكة ومادة للاستهلاك، لصالح حركة تقدّم فعلية على الأرض. يجب أن يكون هناك صراع وتنافس مع القوى التقليدية داخل السلطة، خروج لقوى التحديث من العزلة والمثالية الزائدة باتجاه الواقع. انعدام الصراع كما في حالة المجتمع العماني بحسب الرواحي؛ يؤدي إلى موت الابداع وانعدام الرغبة في التجاوز، وهذا يُدخل في مرحلة موت الإنسان التقليدي. يطرح الرواحي فكرة الاعتراف؛  كما نظّر لها أكسل هونيث وغيره؛ كبوابة لولادة الإنسان الجديد.

فكرة ولادة الإنسان الجديد مرتبطة بنهاية حقبة معينة لم يعد الإنسان فيها قادرا على الفعل. استسلم وتماهى مع السياق حتى لو كان ممتعضا منه غير راض عنه، فهذا الشعور بالرضا التام والتصالح الكلي مع الواقع المعاش علامات على توقف الفعل القادر على التغيير، وهذا هو ما يعنيه موت الإنسان التقليدي. يركّز الكاتب هنا على أشكال عدم الاعتراف في المجتمع والدولة؛ عدم الاعتراف بالمختلف. بوابة الحداثة تبدأ من الاعتراف والتعددية هي نتيجة للاعتراف. يقدم الكاتب هنا وجبة دسمة من الأفكار حول الاعتراف؛ من الجانب الفلسفي والسياسي واللغوي السردي والاقتصادي، وهو في كل ذلك يسعى لجعل الإنسان في قلب قلق الحداثة. لن تدخل في الحداثة ما لم تنل الاعتراف بحريتك. طبعا الأمثلة كثيرة جدا على عدم أشكال عدم الاعتراف بالبشر في الدول العربية بالبشر، ويضرب المؤلف مثالا بالمرحلة اليسارية بعُمان، وكيف أن الدولة ضربت صفحا عن تلك المرحلة فلم تعترف بها حتى كجزء من الذاكرة الجمعية، بالرغم من طرحها المتقدم. والخلاصة هنا أنه لا سبيل للدولة للتقدم ما لم تعترف بتاريخ وذاكرة كل الأطياف والمكونات داخلها.

في الفصل الرابع والخاص بالمعايير وصياغة القوانين؛ يتحدث الكاتب مرة أخرى عن عوائق الحداثة وكيف أن الدين عبر سيطرته على منظومة التشريع هو أحد هذه العوائق. ليس واضحا تماما ما الذي يريد أن يصل إليه المؤلف في هذا الفصل، وكيف يتكامل مع بقية الفصول. وإن كانت الصورة العامة تبدو متعلقة بمسألة التحديث أيضا؛ كيف يمكن تحديث المجتمع؟ ولكن هذه المرة من بوابة المشروعية والقوانين. التحدي كبير كالعادة، وعدم تحديد السؤال بشكل دقيق يجعل البحث مبعثرا بين كتلة مفاهيم كثيرة، يحاول الكاتب توظيفها كأدوات لمعرفة من أين يمكن النفاذ للمجتمع لتحريكه إلى الأمام. العملية لا بد أنها ستكون مجهدة عندما تكون رغبة الكاتب متّجهة بقوة نحو تدشين التغيير وتسريعه. فهو يحمل نية مسبقة بضرورة التأثير في الواقع وتغييره، وهذا يجعله أكثر اندفاعا بما لا يتيح له المجال في التأني أكثر والتركيز وتأمل أدواته. وأيّها أنجع وأحوج إلى الاهتمام والتوسّع. فهو سرعان ما يتراجع عن أسئلته ولا يكملها، حيث يقفز إلى أسئلة جديدة.

يحاول الكاتب في هذا الفصل كما يبدو أن يفرّق بين ما ينتمي إلى الدولة كسلطة وبين ما ينتمي إلى الشعب أو المجتمع، فالمشروعية للشعب ولكن القوانين المستمدة من هذه المشروعية هي ما ينتمي للدولة. يربط الرواحي العدالة بالمشروعية وليس بالقوانين، وهو هنا يريد أن يعيد سلطة القوانين إلى الجمهور؛ إلى حراك الناس والأخلاق التي يتفاعلون بها. بمعنى آخر إلى الفلسفات الأخلاقية الملازمة دائما لمفهوم العدالة، كل ذلك لكي لا تصبح القوانين في الدولة التقليدية عذرًا للاستكانة وعدم المطالبة بالتغيير. وعندما يستطيع المجتمع أن يغيّر القوانين التي تحكمه؛ عند ذلك يمكن أن نقول أن لدينا حداثة أو نحن نحاول الدخول في الحداثة. الرواحي يحاول أن يعطي المجتمع أملا بذلك عندما يميّز بين المشروعية وبين الإجراءات أو القوانين، ويعرّف المشروعية بما يتّفق عليه الناس وتستجيب له السلطة رغمًا عنها.

وأخيرًا أعتبر أن ما قام به الرواحي في كتابه “ماركس في مسقط” جهد يُحترم، وفيه جِدّة ملحوظة، ولكن كعادة كل جديد؛ لا يكون ناضجا حتى يضيف عليه ويعمقه آخرون، أو ربما الكاتب نفسه. هناك مسارات كثيرة لتطوير أطروحات الكتاب، وهذا لا يخفى أنه من سمات البحوث الرصينة. ففي كل لحظة يمكن إعادة كتابتها بطريقة مختلفة.

0 663 06 فبراير, 2019 الرابع بعد المئة, ثقافة وفكر فبراير 6, 2019